رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لست واثقا من أننا على بينة من الجهد الحثيث الذي يبذل حولنا لاستثمار إخفاقات حكم الإخوان في الانقضاض على الربيع العربي والاعتذار عنه!
(1)
صحيح أن موت الربيع العربي لم يعلن بعد، لكن الشواهد التي تملأ الأفق تدل على أن ثمة تحضيرا لذلك، إن شئت فقل إن إعلام المرحلة يتحدث عن دخول الربيع في مرحلة مرض الموت من خلال تركيز الأضواء على علله، والتنديد بالنتائج التي ترتبت عليه. وهو ما سوغ إطلاق حملة هجائه واعتباره كارثة حلت بالعالم العربي انخدع بها أهله حينا من الدهر.
ذلك تلخيص لانطباع خرجت به ومعي نفر من المثقفين والخبراء العرب قدر لنا أن نجتمع في عمان خلال الأسبوع الماضي. المناسبة كانت اجتماعا لمناقشة تقرير بحثي عن التكامل الحضاري العربي، يفترض أن يصدر عن إحدى منظمات الأمم المتحدة المعنية بالمنطقة. الاجتماع الأول لذلك «المجلس الاستشاري» كان قد عقد بالقاهرة في أوائل العام الماضي، حين كان التفاؤل والزهو بالربيع وبالمستقبل العربي لا يزال في أوجه. إلا أن تلك الروح اختلفت هذا العام، تبعا لاختلاف الأجواء المعتمة المخيمة. ليس فقط تأثرا بالرياح المعاكسة التي هبت على العالم العربي خلال العام المنقضي، ولكن أيضا تحسبا للإعصار القادم الذي يرجح له أن يقلب المنطقة رأسا على عقب، إذا تمت الضربة العسكرية الأمريكية لسوريا، التي قد تكون بداية لمنعطف جديد في العالم العربي ولخرائط جديدة تستصحبه.
هذه المرة دخل بعضنا إلى قاعة الاجتماع في العاصمة الأردنية وكأنه قادم إلى سرادق عزاء. بعضنا كان حائرا ومتوجسا. والبعض الآخر ظل يصر على أن «الفقيد» لم يرحل بعد، رغم معاناته لبعض العلل، وكنت أحد القائلين بأن الربيع العربي لم يمت ولكن هناك من يتربص به ويريد الخلاص منه بالانقضاض عليه وقتله.
(2)
اجتماع عمان كان يناقش الحلم ممثلا في أمل التكامل الحضاري العربي، ولم يكن يناقش الواقع. إلا أن أحوال الربيع العربي فرضت نفسها عليه، ليس فقط بما يمثله من أمل في التكامل المنشود. ولكن أيضا بحسبانه يشكل القاعدة التي يفترض أن تؤسس لذلك الحلم.
في هذا الصدد كان رأيي أن الذين يرون الربيع العربي بحسبانه تحركا جماهيريا أدى إلى إسقاط بعض الأنظمة الديكتاتورية واستبدالها بأنظمة أخرى تعثرت أو فشلت، هؤلاء يخطئون في النظر من ثلاث زوايا. الأولى أن الربيع في حقيقته تحول تاريخي شمل العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، بمقتضاه أصبح المواطن أكثر إدراكا لحقه في تغيير أوضاعه إلى الأفضل، وأكثر جرأة في التعبير عن رفضه للظلم الاجتماعي والسياسي. الثانية أن أهم ما في الربيع أنه غير في الإنسان أكثر مما غير في الهياكل والبنيان. بمعنى أنه ربما أفضى إلى تغيير بعض الأنظمة وإلى تضعضع أنظمة أخرى، وذلك هو الجزء الظاهر منه. لكنه أيضا يتمثل في تلك الرغبة العارمة من التغيير التي تجتاح العالم العربي. وهذا الشوق تعبر عنه الكتابات والرسائل التي تحفل بها وسائل التواصل الاجتماعي في كل أنحاء العالم العربي، كما تعبر عنه تجمعات الناشطين والحقوقيين التي تبلورت في الأقطار الخليجية بوجه أخص.
الأمر الثالث أنه من التعجل الظالم أن يقيم الربيع العربي بعد سنتين أو ثلاث من وقوعه. لأن تحولا تاريخيا من ذلك القبيل لابد له أن يستغرق وقتا أطول، تماما مثلما لابد له أن يصادف عقبات وعثرات تتحداه وتعوقه، لأن الانتقال من الأنظمة الاستبدادية التي تحكمت في مصائر البلاد والعباد لعقود عدة إلى أنظمة ديمقراطية ليس أمرا هينا. ذلك أن التشوهات التي أحدثتها تلك الأنظمة في بنية المجتمع السياسية والاجتماعية تشكل عقبة أساسية في توفير ضمانات نجاح التحول المنشود.
ثمة اعتبار آخر لا يمكن تجاهله في توصيف أجواء الإحباط والخيبة المخيمة، يتمثل في الدور الذي قامت به وسائل الإعلام (الميديا) في تشويه الربيع وإشاعة اليأس منه. وقد ذهبت في ذلك إلى حد إشاعة التعاطف مع الأنظمة الاستبدادية التي رحلت، باعتبارها أقل سوءا من الأنظمة الأخرى التي حلت محلها. (البرنامج التلفزيوني المصري «إحنا آسفين يا ريس» وإطلاق فكرة السماح لمبارك بخوض الانتخابات الرئاسية القادمة في مصر نموذج لذلك).
من باب العبط أو الاستعباط يتحدث بعض الإعلاميين عن أن منابرهم تنقل الحقيقة بما تتضمنه من أخطاء وهي بذلك تؤدي واجبها الطبيعي. إلا أن هناك فرقا بين رصد الأخطاء وصناعة الأكاذيب، وبين إعلان الحقيقة لإصلاح ما فسد وبين مخاصمة الحقيقة لهدم ما هو قائم. ولن أذهب بعيدا في ذلك، وإنما سأستشهد بما كتبه الفيلسوف الأمريكي الأشهر نعوم تشومسكي في مؤلفه الأخير «أنظمة القوة». ذلك أنه فضح ما اعتبره تواطؤا من جانب وسائل الإعلام وأجهزة الثقافة في المجتمع الأمريكي على تغييب وعي الجماهير أو الرسالة الثقافية. وهو الموقف الذي أطلق عليه مصطلح «تصنيع الموافقة». والأمر الذي يعد نوعا من التدليس الذي يزيف الإدراك ويشكله على النحو الذي تتوخاه تلك الأبواق، وليس انطلاقا من اقتناع حقيقي يشكله وعي المتلقي.
ولئن كان ذلك حاصلا في المجتمع الأمريكي رغم ما بلغه من تقدم في البناء السياسي والاجتماعي، فينبغي ألا نستكثر حدوثه في العالم العربي، وأن يصبح الربيع العربي من ضحاياه.
(3)
لست أختلف مع من يقول بأن أخطاء عدة وقعت في مرحلة ما بعد إسقاط الأنظمة المستبدة في بعض الأقطار العربية ومصر في المقدمة منها. وكنت أحد الذين انتقدوا تلك الأخطاء في حينها، واعتبروها من أصداء التشوهات التي أحدثتها الأنظمة المستبدة ومن ارتدادات الزلزال الذي وقع. لكنني لست من المدرسة التي تنحاز إلى فكرة معالجة المريض بقتله. وإذا لم تصدقني فيما أدعيه فأرجو أن تتدبر معي القرائن التي توالت في الفضاء العربي خلال الشهرين الأخيرين على الأقل. وهي المرحلة التي أزعم أن الانقضاض على الربيع العربي ظهر فيها إلى العلن.
الملاحظة المهمة في تلك القرائن أن عملية الانقضاض على الربيع العربي استثمرت إلى حد كبير ما حدث في مصر من ناحيتين. الأولى أن العملية استثمرت إخفاقات حكم الإخوان للتدليل على فشل الربيع العربي ورفض الجماهير لممارساته. الثانية أنه تم توظيف فكرة الحرب على الإرهاب التي أعلنت بمصر في مواجهة الإخوان للتنكيل بالمعارضين السياسيين والحقوقيين في عدة أقطار عربية، حتى ولو لم تكن لهم علاقة بالإخوان. في تكرار لما لجأت إليه الأنظمة العربية في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، حين أعلنت واشنطن حربها الكونية ضد الإرهاب. وكان المعارضون والناشطون العرب من ضحايا تلك الحملة.
القرائن التي أعنيها تتمثل فيما يلي:
< سيل الكتابات التي حفلت بها الصحف العربية الصادرة في لندن وأغلب الصحف الخليجية التي ركزت على هجاء الربيع العربي والتدليل على فشله والإعلان صراحة عن موته في بعض الأحيان. وهي الدعوة التي رددتها بعض المنابر المصرية، خصوصا تلك التي سعت إلى الطعن في ثورة 25 يناير وتجريحها.
< الاحتشاد التلفزيوني المعبر عن ذات الموقف. الذي عبرت عنه بعض القنوات الخاصة في مصر، إضافة إلى قناة العربية السعودية التي تبث من دبي وسكاي نيوز التي تبث من أبوظبي، وهما تتبنيان خطابا مناوئا لقناة الجزيرة القطرية. ومعلوم أن الأخيرة صدر قرار بإغلاقها وملاحقة ممثليها في القاهرة، بعدما تم إغلاق القنوات المعبرة عن الرأي الآخر في مصر.
< مسارعة دول «الاعتدال» في المنطقة المثيرة للغط والشبهات، التي خاصمت الربيع العربي منذ انطلاقه إلى الحفاوة بالانقلاب الذي حدث في مصر، وهرولتها نحو توفير احتياجات الوضع الاقتصادي المتأزم، إضافة إلى الجهد الدبلوماسي الذي بذلته لتليين مواقف الدول الأوروبية التي عارضت انقلاب الثالث من يوليو.
< الجهد الإسرائيلي السياسي والإعلامي المشهود الداعي إلى مساندة انقلاب يوليو، والضغوط التي مارستها إسرائيل لدى واشنطن والعواصم الغربية الأخرى لإقناعها بأهمية استمرار توريد السلاح إلى مصر، وعدم توقيع أية عقوبات عليها بسبب وصف ما جرى بأنه انقلاب.
(4)
في 26/8 الماضي نشرت صحيفة «الوطن» القاهرية أن منسق حركة «تمرد» في السعودية (م.م) أنجب طفلا سماه السيسي. وإذا صح الخبر فإنه يكشف للمرة الأولى أن حركة تمرد المصرية لها ممثل في المملكة، الأمر الذي يثير العديد من الأسئلة المهمة حول علاقة السعودية بالحركة. في الأخبار أيضا أن الفريق أحمد شفيق المقيم في أبوظبي صرح لأحد البرامج التلفزيونية التي جرى بثها مساء الأحد ٨/٩ (العاشرة مساء) بأن الإمارات دعمت الداخلية المصرية بالأسلحة مؤخرا لمواجهة الإرهاب. في ذات الوقت ذكرت التقارير الحقوقية أن حملة بوليسية واسعة النطاق استهدفت خلال الأشهر الأخيرة الناشطين والمدونين في بعض دول الخليج، بدعوى انتمائهم أو تعاطفهم مع الإخوان وحزب الله. وبعد إعلان مدير شرطة دبي عن إعداد قائمة لإخوان الخليج لمنعهم من دخول أقطاره، وإرسال قائمة أخرى إلى بعض العواصم العربية لمنع دخول هؤلاء الأشخاص إليها، فإن السعودية أصدرت قرارا باعتقال أي إخواني باعتباره إرهابيا، حتى إذا كان قادما للحج أو العمرة، وذلك بالإضافة إلى منع 1200 سعودي من مغادرة البلاد. وتم ذلك بعد إصدار أحكام بالسجن للعشرات من الناشطين الحقوقيين، تجاوز مجموعها 800 عام في إحدى القضايا. وكانت أبرز التهم هي عدم طاعة ولي الأمر. في هذه الأجواء أعلنت حركة حماس عن اكتشافها مخططا استهدف غزة شاركت في ترتيبه إسرائيل وبعض عناصر السلطة في رام الله، وأشير إلى دور فيه لبعض الدول العربية التي تؤوي وتساند بعض الهاربين من قيادات الأمن الوقائي. وعلم أن من بين ما استهدفه المخطط تنظيم احتشاد جماهيري تحت لافتة «تمرد» ــ أيضا ــ لإحداث انقلاب ضد سلطة القطاع في ١١/١١، وليس معروفا ما إذا كان لهذه التحركات صلة بحركة «تمرد» التي تحاول زعزعة النظام القائم في تونس، رغم أن الرئيس المنصف المرزوقي هون من شأنها متكئا على عوامل عدة أهمها حياد الجيش هناك.
المثقفون العرب الذين التقيتهم في عمان أجمعوا على أن ما حدث في مصر كان البداية، وأن الخائفين من الربيع العربي والمخاصمين له التقت مصالحهم على ضرورة الخلاص منه في الوقت الراهن. خصوصا أن الأجواء مهيأة لذلك، فتصنيع الموافقة يجري على قدم وساق والخزائن مفتوحة للتمويل والرعاية الدولية ليست مستعصية، بالتالي فليس على المعنيين بالأمر سوى أن يتحركوا بهمة وسرعة لقطف الثمار وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء قبل فوات الأوان ــ وعلى الأمة بعد ذلك السلام!
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1006
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
657
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026