رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لو أن الجبهة الداخلية في مصر كانت أكثر تماسكا واستقرارا لتوقعنا نجاحا أكثر للمؤتمر الاقتصادي المزمع عقده في بداية الأسبوع المقبل.
(١)
إذ لا يشك أحد في أن فرص الاستثمار في مصر لا حدود لها، كما أن احتمالات الانطلاق والنهوض في المستقبل أيضا لا حدود لها، لكن المستثمر مهما بلغت درجة حماسه ليس مستعدا للمغامرة، ولابد أن يتردد ويراجع نفسه ألف مرة قبل أن يدخل بلدا يخوض حربا ضد الإرهاب، ويواجه أزمة سياسية حادة لا تلوح في الأفق احتمالات حلها، إذ في حين تشترك مدرعات القوات المسلحة مع قوات الشرطة في حماية الأماكن العامة، فإنه لا يكاد يمر يوم دون أن تسمع أصوات الانفجارات في مختلف أنحاء البلاد، وهو ما يعني أن مصر لا تعاني مشكلة الاستقطاب السياسي فحسب، ولكنها تعاني أيضا من عدم الاستقرار الأمني الذي يبلغ ذروته في سيناء، وتتردد أصداؤه الخائبة في بقية المحافظات، ممثلة في العبوات الناسفة التي أصبحت تستهدف الأبرياء وتشيع الخوف والذعر في مختلف الأوساط.
ما أفهمه أن تلك أجواء عارضة صحيح، لكنها طاردة للاستثمار وليست جاذبة له، بل أزعم أنها معطلة للتنمية بوجه عام، وأي متابع لأداء الأنشطة الإنتاجية في مصر يدرك ذلك جيدا، الأمر الذي يعني أن استقرار الأمن شرط أساسي لدوران عجلة الإنتاج، ولأن الاضطراب والتوتر الأمني من تداعيات الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، فإن فتح ذلك الملف بشجاعة ومسؤولية أصبح ضرورة ملحة.
إحدى المشكلات الأساسية التي تواجه هذه المهمة تتمثل في ظاهرة إنكار الأزمة في بعض دوائر النخبة والاكتفاء برفع شعار «كله تمام» الذي جر علينا بلايا بلا حدود، وكثيرا ما غطينا به العجز وسترنا به الكذب، وحولناه إلى مخدر تولى السياسيون والإعلاميون تغييب الناس به وخداعهم، بسبب من ذلك فإن الخطوة الأولى في التعامل المسؤول الذي أدعو إليه تتمثل في الاعتراف بوجود الأزمة، لأنه بغير ذلك فلن يجدي أي كلام ولا أمل ينتظر من أي علاج.
(٢)
كثيرون يختزلون الأزمة المصرية في الصراع الحاصل بين السلطة والإخوان، وذلك تقييم لا يخلو من تبسيط، لأن هذا الصراع جزء من الأزمة وليس جوهرها. الدليل على ذلك أن الإخوان الآن خارج المشهد السياسي ولكن الأزمة موجودة ولها قرائنها العديدة المتمثلة في الإجراءات المقيدة للحريات (قانون التظاهر والكيانات الإرهابية واستهداف منظمات المجتمع المدني) وتلك المخلة بقواعد العدالة (الاستغناء عن الشهود في القضايا والتوسع في الحبس الاحتياطي والقضاء العسكري) إضافة شيوع انتهاكات حقوق الإنسان وانتشار التعذيب المؤدي إلى القتل في أقسام الشرطة وانتهاء بالتضييق على الجامعات وتعديل قانونها لتيسير فصل الأساتذة بعد إلغاء انتخاب العمداء ووقف انتخابات الاتحادات الطلابية... إلخ.
إزاء ذلك، فلعلنا لا نبالغ إذا قلنا بأنها أزمة في علاقة السلطة بالمجتمع بأكثر منها أزمة في علاقة السلطة بالإخوان، وإذا لاحظنا أن القرائن التي أشرت إليها توا بمثابة فقرات وعناوين لأزمة الحرية والديمقراطية في مصر، التي كانت أهم أسباب انطلاق ثورة ٢٥ يناير، فإن ذلك سيقودك إلى الخلاصة المتمثلة في أن موضوع الصراع الحقيقي هو مكتسبات ثورة ٢٥ يناير وأن طرفيها الحقيقيين هما نظام ما قبل الثورة والنظام الذي تطلعت الثورة لإقامته. ولا مفر في هذا الصدد من الاعتراف بأن نظام ما قبل ثورة يناير سجل نقاطا عدة لصالحه، وهو ما لمسناه في تبرئة القضاء لرموزه وعودة أبواقه الإعلامية وسياساته الأمنية، والأهم من ذلك تغول السلطة المركزية وبسط سيطرتها شبه الكاملة على جميع أنشطة المجتمع ومؤسساته الرسمية والأهلية، ترتب على ذلك أن المجتمع ألحق بالسلطة وأصبح تابعا لها، ولم يعد مصدرا لها أو طرفا موازيا أو ضابطا لحركتها ومسارها، ومن مفارقات الأقدار أن الصورة التي انتهت إليها علاقة السلطة بالمجتمع بعد ٤ سنوات من الثورة، أعادت إلى الأذهان الصورة التي أصبحت عليها مصر في نهاية عصر مبارك، مع اختلاف بسيط في التفاصيل والعناوين، وإذا كانت السياسة الداخلية موحية بذلك على النحو الذي ذكرت فإن علاقات مصر الخارجية تذهب إلى مدى أبعد في ذات الاتجاه، ذلك أن السنوات الأخيرة من حكم مبارك شهدت توترا مماثلا في علاقات القاهرة مع واشنطن، إلا أن التحالفات العربية التي انخرطت فيها مصر بعد الثورة وموقفها المحزن من حصار غزة ومن المقاومة الفلسطينية (الذي يحظى بحفاوة بالغة في إسرائيل)، من دلائل التراجع عن السياسات التي كانت متبعة قبل الثورة.
(٣)
لا أحد يستطيع أن يتجاهل أو يقلل من شأن العمليات الإرهابية والتفجيرات التي تزهق الأرواح وتخطف الأبصار حينا بعد حين، ولا سبيل إلى إنكار حقيقة أن بعض الإجراءات التي اتخذت من جانب السلطة كانت من أصداء تنامي مؤشرات الإرهاب الذي لم تتوقف تجلياته طوال العشرين شهرا الماضية، إلا أن لدينا ثلاث مشكلات مع الإرهاب، الأولى محورها الجرائم التي ترتكب في ظله والثمن الذي يدفعه المجتمع جراء ذلك، المشكلة الثانية تتمثل في تحديد مصدره أو مصادره. أما المشكلة الثالثة فتتلخص في أن الإرهاب المادي الذي تمارسه جماعات العنف يتوازى مع نوع من الإرهاب الفكري الذي تمارسه جماعات المصالح، وذلك منطوق يحتاج إلى بعض الشرح الذي أرجو أن تتسع له الصدور.
لن أتوقف أمام مشكلة وقائع الإرهاب التي يعطيها الإعلام حقها وزيادة. لكنني سأنتقل مباشرة إلى المشكلة الثانية المتمثلة في مصادر الإرهاب، ذلك أن الخطاب الإعلامي ظل إلى عهد قريب ينسب العمليات الإرهابية إلى مصدر واحد تمثل في عناصر جماعة الإخوان ومن لف لفها. واستقر ذلك في الضمير العام حتى أصبح من المسلمات والبديهيات، ورغم أن أطرافا أخرى دأبت على إصدار بيان أعلنت فيه مسؤوليتها عن بعض العمليات الإرهابية، إلا أن ذلك كان يتم تجاهله إعلاميا على الأقل، وظل الإخوان هم المتهم الأول والأوحد. آية ذلك مثلا أن مجلس الوزراء المصري قرر في ٢٥ ديسمبر عام ٢٠١٣ اعتبار الإخوان جماعة إرهابية. وذكر البيان الرسمي الذي صدر بهذه المناسبة أن «مصر كلها روعت بالجريمة البشعة التي ارتكبتها جماعة الإخوان المسلمين بتفجيرها مبنى مديرية أمن الدقهلية» (في ٢٤ ديسمبر) ــ إلا أن جماعة «أنصار بيت المقدس» ذكرت في بيان أصدرته بعد ذلك بيومين أنها المسؤولة عن التفجير، وبثت شريطا تلفزيونيا للعملية التي قامت بها، وبعد ذلك بعدة أشهر (في ٢٠/١٢/٢٠١٤) ذكرت جريدة «المصري اليوم» أن الانتحاري الذي قام بالعملية عمل مرشدا للأمن الوطني. ونشرت اسمه وشهرته وعنوانه في حي المطرية!.
بمضي الوقت انتبهنا إلى أن العنف الحاصل تشارك فيه أطراف أخرى، كانت جماعة أنصار بيت المقدس في مقدمتها، إذ حين بدأت محاكمة عناصر الجماعة في الخامس من شهر مارس الحالي تبين أن الذين قدموا إلى المحاكمة من أعضائها ٢١٣ شخصا، اتهموا بارتكاب ٤٥ عملية إرهابية بينها اغتيالات بعض ضباط الشرطة ومحاولة اغتيال وزير الداخلية وتفجيرات طالت منشآت أمنية مثل مديريتي أمن الدقهلية والقاهرة وأخرى في جنوب سيناء، وكلها عمليات ظلت وسائل الإعلام تنسبها طوال الوقت إلى الإخوان. أثار الانتباه أيضا أن بعض المنابر الإعلامية وثيقة الصلة بالمؤسسة الأمنية (اليوم السابع والبوابة نيوز) ذكرت في السادس من شهر فبراير الماضي تفصيلات مهمة عن قيادات أنصار بيت المقدس، وتبين أن منهم بعض الضباط المصريين الذين فصلوا من الخدمة، ومنهم من عمل في تخصصات دقيقة ومهمة (الصاعقة مثلا) وقررت البوابة نيوز أن الذين فصلوا من الشرطة أكثر من مائة ضابط وأمين شرطة، التحقوا بتلك المنظمة الإرهابية. وللأسف فإننا لم نستطع أن نتابع التحقيقات أو المحاكمة، لأن النائب العام أصدر قرارا بحظر النشر في القضية.
لأسباب متعلقة بالصراع السياسي في الأغلب، فإن الضوء ظل مسلطا على عنف الإخوان دون غيرهم، إلا أن حلول موعد المحاكمات أتاح لنا فرصة رؤية مصادر العنف بشكل أوضح، إذ أدركنا أن الإخوان لا يقفون وحدهم في ساحة العنف، فإلى جانب ما تقوم به عناصر الجماعة، وإضافة إلى ممارسات أنصار بيت المقدس، فإننا انتبهنا إلى إسهامات أخرى قامت بها جماعة «أجناد مصر»، التي لم تقصر بدورها في إصدار البيانات التي تحدثت عن العمليات التي قامت بها، والتي فهمنا أنها تأتي في المرتبة التالية في الترتيب بعد عمليات الإخوان وأنصار بيت المقدس، كما أننا قرأنا أخيرا عن جماعات جديدة إحداها باسم «العقاب الثوري» والثانية باسم «حركة المقاومة الشعبية».
لا أدعي أن ما أشرت إليه يصور حقيقة مصادر الإرهاب في مصر، لكنني أزعم أنه ينبه إلى أمرين، أحدهما تعدد تلك المصادر والثاني أن البيئة السياسية قابلة لاستنبات وتفريخ مصادر أخرى تمثل حصاد ما تم زرعه خلال العشرين شهرا الماضية، وهو تحليل إذا صح فإنه يستدعي إلى الواجهة قضية علاقة السلطة بالمجتمع وضرورة تصويب وإنضاج تلك العلاقة، ولئن قيل إن كل نظام يحدد طبيعة المعارضة التي يستحقها، فإننا يجب أن نعيد النظر وندقق جيدا فيما زرعناه لكي نجني الثمار والحصاد الذي تمنيناه.
(4)
بقيت مشكلة الإرهاب الفكري الذي أفرزته حالة الاستقطاب الحاد المخيمة على الواقع المصري، وأطلقت مجموعات من كتائب الإبادة السياسية، التي ضمت عناصر من «الشبيحة» الجدد، إذا استخدمنا المصطلح الذي يعبر عن زبانية النظام في سوريا، ولأن هؤلاء يحتلون مواقع متقدمة في وسائل الإعلام وبين قطاعات المثقفين، فإنهم أصبحوا يتربصون بأي رأي آخر في تحليل الوضع القائم، خصوصا إذا استهدف التوصل إلى أي توافق يعالج الاستقطاب والإقصاء أملا في الانتقال بالحالة المصرية إلى طور الاحتواء والمشاركة التي تعيد إلى الصف الوطني التحامه وعافيته. ذلك أن أي مسعى من ذلك القبيل بات يستفز تلك الفئات، لمحاولة قطع الطريق عليه وإجهاضه. والسلاح التقليدي المستخدم في هذه الحالة يتمثل في المسارعة إلى التشويه والاغتيال المعنوي، أما الذريعة الجاهزة فهي إطلاق تهمة المصالحة التي وصفها أحدهم بأنها وصفة «مسمومة»، وأصبحت تثير أعصاب كثيرين وتفقدهم توازنهم، ومن ثم صارت تستدعي حملات الهجاء الذي لا يخلو من بذاءة وإسفاف، إذ المقصود في هذه الحالة المصالحة مع الإخوان، التي أزعم أن المجتمع لم يعد جاهزا لها في الوقت الراهن. وما تعرض له المستشار طارق البشري من اتهام وتشهير تجاوز حدود اللياقة والأدب في الآونة الأخيرة يؤيد ما أدعيه، رغم أن الرجل لم يتحدث عن مصالحه مع الإخوان ولكنه في الحوار الذي أجرته معه وكالة «الأناضول» للأنباء تحدث عن أهمية دور الدولة المهيمنة في رأب تصدعات المجتمع ودعا إلى تجاوز الإقصاء والعدول عن النمط الاستبعادي في الأداء السياسي.
إن الأولوية الآن ينبغي أن تعطى للمصالحة مع المجتمع وليس المصالحة مع الإخوان، لأجل مصر وليس لأجل المؤتمر الاقتصادي.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1045
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8709
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2598
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1482
| 25 أكتوبر 2026