رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نحتاج إلى مراجعة ضرورية تنقذ مصر من ذكرى ضيعة الحاكم وتجنبها مصير «شخصنة» الحكم.
(١)
حين قال رئيس لجنة القوى العاملة بالبرلمان إن الرئيس عبد الفتاح السيسي يعمل وحده وإننا ينبغي أن ندعو الله لأن يعينه، فإن كلامه لم يكن تعبيرا عن رأى خاص به، وإنما كان ترديدا لمقولة شائعة تبثها وسائل الإعلام بصياغات مختلفة. فتلك هي الرسالة التي توجهها وسائل الإعلام في مواجهة كل أزمة تتعلق بقصور أداء السلطة. وأحيانا يعبر عن الموقف ذاته بالإشارة إلى أن الرئيس يتحرك بسرعة الصاروخ في حين أن الحكومة تلاحقه بسرعة السلحفاة، وهو ما لا يستغربه المرء حين يجد أنه لا شيء يتحرك في بر مصر إلا بتوجيهات من الرئيس. وقد صار ذلك معلنا على الملأ، حتى عبرت عنه صحيفة الأهرام (عدد ٦ يناير) حين أبرزت في عناوين صفحتها الأولى ما ذكره الرئيس في حفل افتتاح مشروعي تطوير ميناء سفاجة ودمياط أن طلب «عدم التعاقد مع شركات أو مستثمرين لتنفيذ مشروعات إلا بعد العرض عليه». وكان وزير الأوقاف سريع التجاوب مع هذه الرسالة، حتى قرأنا في اليوم التالي بيانا أصدرته الوزارة ذكرت فيه أنه تم إعداد قوائم خطب الجمعة للسنوات الخمس المقبلة، وأن اللجنة المختصة بالأمر سترفع هذه الخطة إلى رئيس الجمهورية.
القرائن التي تؤيد هذه الفكرة تتزايد حينا بعد حين، الأمر الذي ربط مقدرات البلد ومصيرها بشخص رئيس الجمهورية، وهي الخلفية التي دعت وكيل لجنة الخطة والموازنة إلى القول في تصريحات منشورة بأنه إذا لم يترشح الرئيس السيسي لانتخابات الرئاسة المقبلة «فإننا سننتحر».
(٢)
كنت قد تطرقت في الأسبوع الماضي إلى موضوع التوجيهات الرئاسية التي باتت تنقلها إلينا وسائل الإعلام كل صباح، وأرجعت ذلك إلى اهتمام الرئيس بالتفاصيل، وذكرت أن الحضور المكثف للرئيس في الفضاء العام له جذور في دستور عام ٢٠١٤ الذي أضعف سلطات رئيس الوزراء في حين أنه وسع من سلطات رئيس الجمهورية، استشهدت في ذلك بأن دستور ٢٠١٢ نص على اشتراك الحكومة مع رئيس الجمهورية في وضع السياسة العامة للدولة والإشراف على تنفيذها (المادة ١٦٧)، وهو ما تم إلغاؤه في دستور عام ٢٠١٤. وكان ذلك استدلالا خاطئا نبهني إليه بعض المختصين، الذين ذكروا أن المادة التي أشرت إليها في دستور ٢٠١٢ لم تلغ في الدستور الجديد. وحين رجعت إلى مؤلف المستشار ماجد شبيطة الذي رجعت إليه تأكدت من صحة خطأ التدليل الذي وقعت فيه. ذلك أن الذي ألغى نصا آخر أهم وأبعد أثرا أوردته المادة ١٢٢ في دستور عام ٢٠١٢ قضت بأن «يتولى رئيس الجمهورية مهامه من خلال رئيس الوزراء»، وبمقتضى ذلك لا يحق لرئيس الجمهورية أن يباشر مهامه التنفيذية، باستثناء عدد قليل من الاختصاصات المحددة حصرا إلا بواسطة رئيس مجلس الوزراء، وذلك إعمالا لقاعدة «التوقيع المجاور»، التي في ظلها يصبح الأصل ألا ينفرد الرئيس بالقرار، وإنما يتعين أن يكون القرار ثنائيا بحضور رئيس الحكومة.
ذكر المستشار شبيطة في مؤلفه حول سلطات رئيس الجمهورية أنه حين ألغيت المادة ١٢٢ في اجتماعات لجنة الخمسين التي بحثت تعديلات دستور ٢٠١٢، فإن عضو اللجنة الدكتور خيري عبد الدايم، علق على ذلك قائلا إن الإلغاء يعنى أنه أصبح بمقدور رئيس الجمهورية تنفيذ ما يريد قفزا فوق رئيس الوزراء والوزراء، كما أن بوسعه تعيين الموظفين العموميين وإقالتهم دون إخطار أو تشاور، الأمر الذي يعنى أن تركيز السلطة في يد الرئيس له جذوره في الدستور الحالي.
(٣)
في ٩ يوليو عام ٢٠١٥ أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارا بقانون أجاز لرئيس الجمهورية إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم. وكانت تلك إشارة إلى أن استمرار رؤساء تلك الأجهزة في مناصبهم بات معلقا على رضا رئيس الجمهورية رغم أن الدستور نص على استقلالها، وبقية القصة معروفة، لأن ضحية هذا التعديل التشريعي كان المستشار هشام جنينة رئيس جهاز المحاسبات الذي عزل لأنه لم يكن مرضيا عنه.
الذي لا يقل خطورة عن ذلك أن جهدا موازيا بذل من جانب السلطة التنفيذية لإضعاف المجتمع وإخضاع منظماته المدنية لسلطاتها، بحيث لا تبقى في البلد مؤسسة لها استقلالها الحقيقي ولا مجتمع له بعض العافية التي تمكنه من أن يصبح ندا معبرا عن الرأي العام في مختلف القطاعات. ألفت الانتباه في هذا الصدد إلى نماذج ثلاثة ماثلة بين أيدينا كاشفة لمحاولات إخضاع مؤسسات المجتمع وإلحاقها بإرادة السلطة السياسية. هذه النماذج تتمثل فيما يلى:
< المشروع الذي قدم إلى البرلمان لتعديل قانون السلطة القضائية بحيث يصبح تعيين رؤساء الهيئات القضائية (المستقلة؟!) بقرار جمهوري وليس بقرار من مجلس القضاء الأعلى أو الجمعيات العمومية للقضاة. صحيح أن المشروع الذي قدم للبرلمان ينص على أن يصدر الرئيس قراره لاختيار واحد من ثلاثة ترشحهم الجمعيات العمومية، إلا أن ذلك يعنى أن الاختيار النهائي سيكون بيد رئيس الجمهورية وليس بيد الجمعيات العمومية للقضاة. فضلا عن أنه يفتح الباب للتنافس على استجلاب رضا الرئاسة للفوز بتلك المناصب. وهو ما يخل باستقلال القضاء ويلحقه عمليا بالسلطة التنفيذية.
< التنظيم الجديد للصحافة والإعلام، وقصته طويلة خلاصتها أن دستور عام ٢٠١٤ أنشأ ثلاث كيانات للإعلام كل واحد منها تديره هيئة وطنية «مستقلة»، ولتنزيل هذه النصوص على أرض الواقع، تولى المجلس الأعلى للصحافة بالتعاون مع نقابة الصحفيين المصريين إعداد مشروع قانون موحد للإعلام، اشترك فيه خبراء ومسؤولون من الجهات المعنية، وبعد الاتفاق على المشروع مع حكومتين متعاقبتين (للمهندس إبراهيم محلب والمهندس شريف إسماعيل)، حدثت مفاجأتان الأولى أن القانون الموحد أصبح اثنين، والثانية أن أصابع خفية تلاعبت بالنصوص الأصلية، بحيث أدت عمليا إلى إخضاع الكيانات الثلاثة لنفوذ الأجهزة التنفيذية، وقيدت من حرية الإعلاميين إلى الحد الذي أعاد إحياء فكرة الحبس في قضايا النشر، وثمة ملاحظات كثيرة في هذا الصدد يهمنا منها أن تعيين رؤساء الكيانات الثلاثة أصبح يتم بقرار من رئيس الجمهورية، الذي يختص فضلا عن ذلك بتعيين ثلاثة آخرين من أعضاء مجلس إدارة كل كيان مستقل(!). صحيح أن ذلك يفترض أن يتم باختيار كل واحد من بين اثنين يرشحهم الإعلاميون والصحفيون، إلا أن الأهم أن رئيس الجمهورية أصبح حاضرا من خلال قراره على رأس كل كيان. ويثير الانتباه في هذا الصدد أن تدخل الرئيس لم يكن واردا في البداية، وأن الأمر كله كان متروكا للجماعة الصحفية، إلا أن ممثل وزير العدل اقترح أن يكون تعيين رئيس كل كيان بقرار من الرئيس، ثم تطور الأمر بحيث أصبح الرئيس يختار واحدا من ثلاثة مرشحين، الأمر الذي انتهى إلى صيغة بسطت سلطة الرئاسة والأجهزة التنفيذية على مصير المؤسسات الصحفية والإعلامية.
< النموذج الثالث الذي لا يقل فداحة ويتمثل في مشروع قانون الجمعيات الأهلية، الذي كان قد أعد بتوافق وتفاهم مع وزارة التضامن الاجتماعي، ولكن الأجهزة الخفية تجاهلته وأعدت مشروعا آخر أجازه مجلس النواب، نزع استقلال المنظمات الأهلية، وأخضعها لسلطة الأجهزة الأمنية، الأمر الذي أدى إلى تأميم المجتمع الأهلي، وألغى أي دور حقيقى لمنظمات المجتمع المدني، ولن أفصل في الموضوع، لأنه نال حقه من التشريح والنقد في وسائل الإعلام المصرية.
(٤)
المشهد الذي نحن بصدده ليس جديدا تماما، ولكن له جذوره في التاريخ الفرعوني، وقد وفي الدكتور جمال حمدان الموضوع حقه في الجزء الأول من موسوعته «شخصية مصر» إذ أرجع الأمر إلى طبيعة المجتمع الحقيقي الذي حول الفرعون إلى الملك الإله الذي صار ضابطا للنهر وضابطا للناس، وهو ما ضاعف من قوة السلطة المركزية في مصر. الأمر الذي دفع رفاعة الطهطاوي إلى القول في «مناهج الألباب» بأنه: «ليس في ممالك الدنيا لصاحبها النفوذ الحقيقي الذي لصاحب مصر». واعتبر الدكتور حمدان في تحليله لأصل الطغيان في مصر أنها أصبحت منذ تلك العهود السحيقة بمثابة «ضيعة كبرى للحاكم».
المستشار طارق البشرى قدم قراءة معاصرة للظاهرة في كتابه «مصر بين العصيان والتفكك»، إذ أرجع الأمر إلى ما وصفه بشخصنة الدولة التي هي غير الحاكم المطلق أو المستبد. وفي رأيه أن القائم على الدولة المتشخصنة لا تربطه عائلة أو قبيلة ولا نقابة أو جماعة دينية ولا حزب سياسي أو طبقة اجتماعية. إذ هو يسيطر بذاته على مفاتيح السلطة، وتصير آلة الحكم وأجهزته كلها تحت إمرته. ولا يقيده إلا الإمكانات المادية للدولة وأجهزتها في الحركة والنفوذ. وهو يتغلب على ضغط عمال الدولة عليه بأن يشخصن الفئة المحيطة به بإبقائهم في وظائفهم لأطول مدة، بحيث تحل العلاقات الشخصية محل علاقات العمل الموضوعية. الأمر الذي يجعله نظاما منغلقا، لا ينفتح على خارج ذاته، ولا تقوم آلية ما لإجراء أي تعديل فيه أو تجديد. لذلك كان صفة لازمة للدولة المتشخصنة هي أن تسعى دائما إلى تثبيت الأمر الواقع ومقاومة التغيير حتى وإن ادعته.
إذ كانت فكرة الضيعة الكبرى للحاكم قد صارت تاريخا، وأن شخصنة الدولة باتت واقعا، فلا نجاة لمصر إلا في الدولة الديمقراطية التي تنسخ ما فات وتوفر لشعبها طوق النجاة في الحاضر والمستقبل.
الكورة في ملعبك
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام... اقرأ المزيد
300
| 02 يونيو 2026
عندما يُكتب تاريخ الرياضة القطرية فإن بعض الأسماء لا تُذكر بوصفها شخصيات رياضية فحسب، بل باعتبارها جزءًا من... اقرأ المزيد
168
| 02 يونيو 2026
البيروقراطية وإصلاحات "فلوتون"
لم تصل الدول المتقدمة إلى مرونتها الإدارية الحالية من فراغ، ولم تولد أنظمتها الحديثة كاملة منذ البداية، بل... اقرأ المزيد
180
| 02 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4773
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2703
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
1728
| 02 يونيو 2026