رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ أن عبر الرئيس عبدالفتاح السيسي عن غضبه لانتقاده في أحد البرامج التلفزيونية، أصبحت مناقشة أزمة الإعلام عنوانا شبه ثابت في الصحف المصرية. ورغم أن المناقشة لم تكن جديدة تماما، إلا أن الملف فتح على مصراعيه بعد الإشارة الرئاسية، إذ أدلى كل صاحب رأي بدلوه فيه. فقرأنا عن قصور التشريعات وإعادة هيكلة الإعلام وميثاق الشرف الإعلامي ودور النقابة والمجلس الأعلى للصحافة. وتطرقت المناقشة إلى دخول رجال الأعمال إلى المهمة وتدهور مستوى الإعلاميين..إلخ.
ليس لدي تحفظ على فكرة الأزمة التي يعاني منها الإعلام المصري، وأزعم أن توصيفها على ذلك النحو مخفف إلى حد كبير، ذلك أنه إلى جانب الانتقادات الكثيرة التي توجه إلى أغلب منابره في الداخل، فإنه أصبح أكثر ما يسيء إلى مصر في الخارج. ومن يشارك في أي أنشطة ثقافية أو غير ثقافية في أي مكان بالعالم العربي تصدمه الانطباعات التي يسمعها عن أداء وسمعة الإعلام المصري. ولست أشك في أنني لست الوحيد الذي يرد على ما يسمعه بأن أغلب ما يقدمه الإعلام لا يعبر عن مصر. وإنما هو كاشف عن أسوأ ما فيها، لكني كنت أضيف أن الإعلام ليس ظالما فقط لكنه مظلوم أيضا. وهذه هي الملاحظة التي دفعتني إلى التطرق للموضوع.
أكرر أنه ليس لدي اعتراض على ما قيل في تشخيص الأزمة ولا في المقترحات التي ذكرت للتعامل معها. إلا أنني أعتبر أن ما لم يقل هو الأهم والأولى بالمناقشة. ولتحرير هذه النقطة فإنني أدعو إلى التمييز بين الأسباب الأساسية والأسباب المهمة، كما أنني أدعو إلى التفرقة بين الأسباب والنتائج، ولإيضاح هذه النقطة فإنني ألفت الانتباه إلى خطورة الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في العالم المعاصر، باعتبارها أكبر العوامل المؤثرة في تشكيل الرأي العام. عبر عن ذلك زيجنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي حين قال إن التلفزيون هزم الكنيسة في الولايات المتحدة، بمعنى أن تأثيره أصبح أكبر وأعمق في حياة الناس من التعاليم الدينية التي تبثها الكنيسة. وإذا كان يخفف من ذلك في الدول الديمقراطية أن مجتمعاتها يتوافر لها قدر من الحيوية السياسية والكيانات المؤسسية التي لا تتيح للتلفزيون أن يحتكر توجيه الرأي العام، فإن الأمر مختلف إلى حد كبير في دول العالم الثالث خصوصا غير الديمقراطية منها. فالبنية المجتمعية في تلك الدول تتسم بالهشاشة والحياة السياسية تعاني الفراغ. وفي حالات غير قليلة فإن نسبة الأمية عادة ما تكون مرتفعة، وهي العوامل التي تجعل التلفزيون أهم عنصر تأثير في المجتمع.
لا ننسى في هذا الصدد أن الأمريكيين حين قاموا بغزو العراق عام ٢٠٠٣ فإن الوحدات الغازية ضمت إعلاميين إلى جانب المقاتلين، وكانت مهمة الأولين هي تسويق فكرة «تحرير» العراق والخلاص من خطره وشروره لدى الرأي العام الأمريكي. كما لا ننسى أن الإعلام الأمريكي كان له دوره في التمهيد للغزو من خلال إقناع الأمريكيين بخطورة الرئيس العراقي صدام حسين وحكاية أسلحة الدمار الشامل التي قيل إنه استحوذ عليها. وهو الخداع الذي مورس لتبرير الغزو، واعتذرت عنه بعض الصحف الأمريكية لاحقا، حين تكشفت لها الحقيقة (صحيفة نيويورك تايمز مثلا).
الشاهد أن السياسة في كل مكان باتت تعول كثيرا على الإعلام في خطابها وتسويغ ممارساتها. وهذا التعويل صار مضاعفا وأخطر أثرا في المجتمعات غير الديمقراطية. وفي هذه المجتمعات الأخيرة فإن السلطة باتت تدير المجتمع ــ وتقمعه أحيانا ــ من خلال الأمن والإعلام، ولكل منهما أذرعه ووسائله.
لهذا السبب تحديدا فإننا لا نستطيع في مصر أن نناقش قضية الإعلام بعيدا عن السياسة التي هي ضمن المصادر الأساسية للأزمة. وهو ما يدفعني إلى القول بأننا قبل الدخول في الجوانب الفنية والتنظيمية التي هي مهمة لا ريب ينبغي أن نحرر طبيعة العلاقة بين السياسة والإعلام. أكرر أنني لا أقلل من شأن تلك الجوانب لكنني أزعم أن إسهامها في الأزمة يأتي في المرتبة التالية لدور السياسة التي باتت تتعامل مع الإعلام باعتباره أحد منصاتها وأقوى أسلحتها المدنية. وحين قلت إن الإعلام ظالم ومظلوم فقد اعتبرته ظالما لافتقاده إلى العوامل التي ذكرها الزملاء، ثم إنه مظلوم أيضا وأولا لأنه ضحية للسياسة التي تصر على الاستحواذ عليه وتوظيفه لخدمة أغراضها وتصفية حساباتها.
هذا العنصر الأخير على أهميته البالغة لم يأخذ حقه من النقاش، لأن الحديث عن دور السياسة يفتح ملفات عدة حساسة يتعلق بعضها بالاختراقات الأمنية واسعة النطاق (مصطلح الصحفيين الأمنجية بات شائعا في الوسط الإعلامي) وبعضها يتعلق بالديمقراطية والحرية السياسية التي هي البيئة الوحيدة التي ينتعش فيها الإعلام ويستعيد عافيته التي تمكنه من تصويب نفسه وأداء رسالته الحقيقية.
ثمة ملف آخر مسكوت عليه في مناقشة الأزمة يتعلق بالدور الذي بات يؤديه المال الخليجي في الإعلام المصري، والمشتغلون بالمهنة يعرفون أن ذلك المال أصبح حاضرا بقوة في الساحة، بحيث أقام مؤسسات ومراكز بحثية وصنع «نجوما» لهم دورهم المشهود في إفساد المشهد الإعلامي وتدهور خطابه. ولابد أن يثير انتباهنا في هذا الصدد أن هناك جدلا مستمرا في مصر حول تمويل منظمات المجتمع المدني، إلا أن هناك سكوتا مدهشا على تمويل المؤسسات الإعلامية والبحثية.
إننا إذا لم ندرج هذين البندين على رأس قائمة عناوين أزمة الإعلام، فإن أي كلام آخر وأي مناقشة للأزمة ستظل بعيدة عن صلب الموضوع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11502
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
5154
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3705
| 22 أكتوبر 2026