رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب الرئيس محمد مرسي الأخير يحتمل قراءتين، إحداهما تعطيه تقديرا جيدا، والثانية تمرره بدرجة مقبول، ومعلوم أن الاثنين من درجات النجاح.
1
طيلة السنوات التي خلت كان خطاب الرئيس ــ حتى قبل أن نسمعه ــ لابد أن يكون «تاريخيا». أما بعد إلقائه ــ ودون أن نقرأه ــ فهو يغدو دليل عمل للمرحلة وخارطة طريق للمستقبل ونبراسا يضيء الطريق للأجيال القادمة. وحين تتناقل وكالات الأنباء فقرات منه فإن صحف اليوم التالي لا تكف عن التهليل محتفية بالأصداء العالمية لخطاب الرئيس الذي تلقن كلماته زعماء العالم دروسا في الحكمة وبعد النظر.
بعد الثورة صار بوسعنا أن نأخذ راحتنا في تقييم كلام الرئيس، كما أن الصحف ما عادت مضطرة إلى نشر نصه كاملا وما عاد تلاميذ المدارس مضطرين إلى ترديد فقراته ضمن نشيد الصباح. وأظن أن رؤساء تحرير الصحف سوف يستحون من تنظيم مظاهرة التهليل له، حتى إذا انخرطوا ضمن «زفَّة» الأخونة!
بوسعنا أن نقول للرئيس إنك أطلت في خطابك، وأن نصفه الأول الذي استغرق نحو الساعة كان يمكن أن يختصر في عشر دقائق، وأن الكلام المفيد كان في نصفه الثاني ولا نجد حرجا في تذكيره بقول من قال إن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضا ومن قال بأن خير الكلام ما قل ودل. لكننا ندخل بذلك في دائرة التقييم التي تميز في كيفية قراءة الخطاب بين ما هو شعبي وما هو نخبوي، أعني بين مخاطبة الرئيس لجماهير الشعب في مناسبة وطنية وقومية عامة، وبين خطاب رجل الدولة الموجه إلى السياسيين والمثقفين في مناسبة قومية أو ثقافية.
حين نشرت الصحف يوم الأحد الماضي (7/10) خلاصة لخطاب الرئيس فإنها نقلت عن بوابة الحكومة الإلكترونية (الرسمية) خبرا له دلالته العميقة تضمن بيانات عن مخالفات المرور التي قيدت للوزراء في الفترة الأخيرة (لا تنس أن عمر الحكومة لا يتجاوز شهرين). وفهمنا من الخبر أن جملة الغرامات المفروضة على الوزراء بلغت 23229 جنيها، منها 3269 جنيها غرامة محسوبة على سيارة رئيس الوزراء و4403 جنيهات غرامة مقدرة على سيارة حراسته. لم نقرأ شيئا عن مخالفات سيارة الرئيس وسيارات الحراسة الخاصة به، لكننا لن نفاجأ إذا ما قرأنا شيئا من ذلك على موقع «مرسي ميتر» الذي تخصص في متابعة أداء الرئيس وقياس وفائه بالوعود التي أخذها على نفسه منذ ترشح لمنصبه.
2
حين قلت إن خطابه يمكن أن يعطى تقدير «جيد»، وهو ما وافقني عليه بعض المخضرمين والخبراء، فقد كان في ذهني أنه يستحق ذلك من وجهة النظر الجماهيرية والشعبية. فالجماهير تحب الاسترسال وترحب بالاستشهاد بالنصوص والمصطلحات ذات الصلة بالمشاعر الإيمانية، وهي تستريح إلى اللغة التصالحية التي اتسم بها خطابه، والتي حرصت على إزالة الالتباس وتصريف الاحتقان، وكان ذلك واضحا في إشادته أكثر من مرة بالجيش والشرطة وإعطاء الجيش وقياداته جرعة متميزة، قدرت جهود المجلس العسكري في الفترة الانتقالية ووفائه بعهده، وأشارت إلى صبره على العنت الذي أصابه من جانب وسائل الإعلام.
ورغم أن الدعوة لم توجه إلى رئيس المجلس العسكري السابق المشير محمد حسين طنطاوي ونائبه ورئيس الأركان السابق الفريق سامي عنان، فقد حرص الرئيس على أن يؤكد ضمنا أن إخراج المجلس العسكري من المشهد لم يؤثر على اعتزازه بالجيش وتكريمه له. ولم تكن تلك هي الرسالة الوحيدة التي ذكرها أحد ذوي الصلة بالمراجع العليا. لأن الرئيس حرص في خطابه المطول على رسائل أخرى منها أنه يعتمد على شرعية شعبية تقوم على الثقة في الناس والاطمئنان إلى التفافهم حوله.. وهو ما دفعه إلى الطواف في الإستاد في سيارة مكشوفة حيا منها الجميع، وقد ارتدى ثيابا عادية دون ربطة عنق، بل ودون حراسة مكثفة، وهو ما لم يفعله الرئيس السابق طوال 30 سنة.
الرسالة الأخرى التي أراد أن يوجهها الرئيس في خطابه هي أنه يعيش مشاكل الناس ويتابع مصالحهم من خلال المعلومات التي ذكرها عن التلاعب في أسعار البوتاجاز ودقيق الخبر والملابسات التي تحيط بمشكلات المرور وغير ذلك.
ثمة رسالة ثالثة حرص الرئيس على توجيهها خلاصتها أن دائرة الفساد أوسع مما يظن كثيرون وأن معركة النظام والحكومة ضد رموزه ومظاهره طويلة. وليس ذلك كل ما في الأمر لأن الفساد أثر في السلوك الاجتماعي، بحيث أصبحت بعض القيم السلبية التي سادت في المجتمع بحاجة إلى مراجعة. وقد ضرب لذلك مثلا بتحرير مليون ونصف مليون مخالفة خلال ثلاثة أشهر، بمعدل نصف مليون مخالفة في الشهر، منها 600 ألف مخالفة قيادة للسيارات عكس الاتجاه.
لقد تحدث الرئيس عن تلاعب بعض المستثمرين وتضييعهم ما يعادل مائة مليار جنيه حقوقا للدولة هي قيمة الأراضي التي اختطفوها والحيل التي اتبعوها لتحويل الأراضي المباعة للاستصلاح الزراعي إلى قطع للبناء أقيمت عليها عمارات بيعت للناس بأسعار باهظة. وفي الوقت نفسه تحدث عن نفسه وأنه يسكن في طابق مستأجر بالحي الخامس في أطراف القاهرة (لم يذكر أنه يشغل المكان منذ قبل انتخابه رئيسا ويدفع إيجارا شهريا بقيمة ثلاثة آلاف جنيه.
انتهز الرئيس فرصة تزامن ذكرى 6 أكتوبر مع قرب نهاية المائة اليوم التي تحدث عنها عند ترشحه وعدد خمسة مجالات للإنجاز فيها (الأمن والمرور والخبز والنظافة والوقود)، وعرض ما تحقق في تلك المجالات (المدة انتهت أمس الاثنين 8/10). ونجح في إعطاء الانطباع بأن المشكلات كبيرة ومعقدة، رغم تحقق الكثير في حل بعضها، ومن ثم أقنع سامعيه بأن القضاء عليها يحتاج إلى وقت طويل كما يحتاج إلى تعاون المجتمع في ذلك. وكأنه أراد أن يقول إن المائة يوم لم تكن للقضاء على المشكلات، ولكن للشروع في التعامل الجاد معها.
من هذه الزاوية أزعم أن الرئيس نجح في مخاطبة الجماهير والتعامل معها، ومن ثم استحق التقدير الذي سبقت الإشارة إليه، إلا أن الأمر يختلف والتقدير كذلك إذا أجرينا تقييما للخطاب من وجهة النظر النخبوية والسياسية.
3
طول الخطاب ليس فضيلة من الناحية السياسية، وإنما هو مصدر للاستياء والملل. ومن الملاحظات المهمة عليه من هذه الزاوية أن الرئيس استغرق في التفاصيل وقدم نفسه ولم يقدم مشروعه. صحيح أنه تحدث عن إلغاء الدعم المقدم لصنف راق من البنزين، كما تحدث عن ضرورة أن يسدد الأثرياء الضرائب المفروضة عليهم، ولكنه لم يحدثنا عن رؤيته الاقتصادية للمستقبل، علما بأنه سكت عن معاناة قطاع الصناعة ومشكلات الزراعة وتوقف العمل في قطاع التشييد، الأمر الذي يعني أن عجلة الإنتاج تحتاج إلى دفعة قوية تنطلق من رؤية إستراتيجية واعية، كان الرئيس حدثنا عن الأمور الفرعية والتكتيكية ولم يتطرق إلى ما هو كلي واستراتيجي.
من الملاحظات الأخرى أن خطاب الرئيس كان دفاعيا بأكثر منه مبادرا، وأنه خاطب ناقديه بأكثر مما خاطب عقول مؤيديه والكتل الكبيرة التي تنتظر بين المؤيدين والمعارضين. كأنه أراد أن يرد على السلفيين في مسألة الحل والحرمة التي أثيرت بخصوص قرض البنك الدولي، وكأنه أراد أن يرد على الانتقادات التي وجهها إليه بعض الصحفيين حين تحدث على وضع مسكنه وحراسه وتكلفة مرافقيه في السفر، حين ذكر أن الواحد منهم لا يتقاضى بدل سفر أكثر من 68 دولارا في اليوم، ثم إنه لم يكن مضطرا لأن يذكر أنه خلال 95 يوما في السلطة، أمضى 9 أيام فقط خارج القاهرة.
هذا الخطاب الدفاعي أهدر فرصة الكلام عن النهضة المنشودة في المستقبل، خصوصا أنه حاصر الرئيس في الكلام من الشأن الداخلي وأبعده عن الشأن الخارجي والمحيط العربي، صحيح أنه تعرض إلى الشأن الفلسطيني من زاوية علاقة قطاع غزة بسيناء، كما أعرب عن تضامن مصر مع الشعب السوري في ثورته، إلا أنه سكت عن كل ما عدا ذلك. وهذه نقطة تحسب عليه لأن حرب 6 أكتوبر لم تعد لمصر عزتها وكبرياءها فحسب، ولكنها ردت للعرب اعتبارهم أيضا، وفتحت الباب لاستعادة مصر لدورها في موقع القيادة من العالم العربي، وهو ما قصّر فيه الرئيس السابق حقا حين ذهب بعيدا في موالاته لإسرائيل وارتمائه في أحضان الأمريكان. لذلك فقد كان من المناسب أن يستثمر الرئيس مرسي الفرصة لكي يعلن عن موقف مصر إزاء ما يجري في المحيط العربي، خصوصا أن المنطقة تموج الآن بعواصف توحي بأننا بصدد الدخول في طور إعادة تشكيل خرائط الشرق الأوسط. حيث لا نعرف بالضبط ما الذي سيحدث بعد سقوط النظام السوري، وتأثير ذلك في لبنان والعراق ونصيب إيران منه. ولا يعرف إلى أين يمكن أن تذهب عمليات التصعيد العسكري الحذر بين سوريا وتركيا. ولا مفر من أن تؤخذ على محمل الجد التحضيرات الإسرائيلية لتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، وكذلك المناورات الحاصلة في مضيق هرمز والتي تشارك فيها 27 دولة، بينها السعودية والإمارات، تحسبا لاحتمالات إغلاق المضيق التي هددت بها طهران في حالة تعرضها للعدوان.
مثل هذه الأجواء المنذرة بالكثير لا أشك في أن أصداءها وصلت إلى مسامع الرئاسة المصرية، وما كان ينبغي تجاهلها في مناسبة مهمة مثل ذكرى 6 أكتوبر.
4
لست من أنصار التسرع في إصدار أحكام على الرئيس مرسي، الذي أتصور أنه يحمل عبئا يفوق طاقة البشر، جراء تعامله مع أنقاض النظام السابق، وفي أجواء ضاغطة وأحيانا معادية من جانب أغلب وسائل الإعلام وبعض القوى السياسية، ناهيك عن أصابع وعناصر الدولة العميقة المنتشرة في العديد من مؤسسات الدولة، وبعضها أصبح يعمل من وراء الحدود بتشجيع ورعاية من جانب أطراف خاصمت الثورة وآثار الربيع العربي قلقها وامتعاضها. حتى أزعم أن الرئيس والحكومة ومن لف لفهم يسبحون ضد تيار عريض يصرّ على إجهاض الثورة وإفشال التجربة.
ولئن كان إصدار الأحكام لا يخلو من تعنت وتربص وربما سوء نية. إلا أن مراقبة الرئيس بنقده وتصويب مسيرته يظل فرض عين على كل وطني غيور على بلده. من هذه الزاوية فإن الرئيس مرسي وفريقه ينبغي عليهم أن يدركوا أن الثورة حين أتت بهم فإنها هدمت هالة القدسية التي ظلت تحيط بالحاكم في الماضي، ثم إنها أشاعت جوا من الحرية والديمقراطية له ضريبته واجبة الدفع. واحتمال النقد وقسوته أحيانا جزء من تلك الضريبة. لذلك تمنيت أن يتحلى أهل الحكم بسعة الصدر التي تمكنهم من التعامل مع النقد الذي تحفل به وسائل الإعلام باعتباره من قبيل سداد فاتورة الديمقراطية الجديدة علينا وعليهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4311
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2589
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1173
| 28 سبتمبر 2026