رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
للأسف، فإن العديد من السياسيين الفلسطينيين والعرب لم يدركوا بعد حقيقة إسرائيل والتي هي التمثيل الأساسي للحركة الصهيونية. الفريدة في عنصريتها وحقدها. ليس على الفلسطينيين والعرب. وإنما على كل ما هو إنساني. لأنهم لو أدركوها وتوفرت لديهم إرادة المقاومة، لاختلف شكل الصراع الفلسطيني العربي – الصهيوني. ولما اختيرت إستراتيجية المفاوضات مع إسرائيل، خيارا إستراتيجيا رسميا فلسطينيا وعربيا في الصراع! نعم، لقد عادت المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والجانب الإسرائيلي، جرت اجتماعات قليلة في واشنطن وسيجري استئنافها في المنطقة. تأتي المفاوضات مقابل تراجع السلطة الفلسطينية عن وعودها وفي ظل التعنت الصهيوني برفض الحقوق الوطنية الفلسطينية! بالمعنى الواقعي لو تساءلنا: ماذا ستستفيد السلطة من العودة للمفاوضات؟ الجواب باختصار: سوف لن تستفيد شيئا بالمعنى العملي على صعيد إقامة الدولة الفلسطينية العتيدة. لكنها في الوقت نفسه تضررت كثيرا فقد ضربت مصداقيتها ووعود رئيسها، وما سيلحقه ذلك من ضرر بالقضية ومشروعها الوطني، ومخالفة لقرارات المجلس المركزي الفلسطيني، والآثار المدمّرة لها على المصالحة والوحدة الوطنية، رغم سير العدو في استيطانه وكل جرائمه وموبقاته، وإصراره على الاستيطان وتهويد القدس، ومصادرته لأراضي النقب وتهجير أهله وتدمير قراه وبلداته، وانتزاع مواطنة المقدسيين الفلسطينيين وإعطائهم هويات إقامة مؤقتة محدودة بعشر سنوات، وفي ظل زيادة فرض اشتراطاته التعجيزية.
وأيضا تجري المفاوضات وسط لاءات إسرائيلية مسبقة للحقوق الوطنية الفلسطينية، إن بالنسبة لحق العودة، أو للانسحاب من كافة مناطق 67، أو للانسحاب من القدس، أو لسحب التجمعات الاستيطانية الكبيرة، أو بالنسبة لسيادة الدولة العتيدة، وذلك بدواع العقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي تُصِّر على التحكم في معابر هذه الدولة، وحركة الداخلين إليها والخارجين منها، وعلى حق دخول القوات الإسرائيلية أراضي هذه الدولة كلما شعرت إسرائيل بالحاجة إلى ذلك. وتصر أيضاً على إبقاء قوات إسرائيلية في منطقة غور الأردن (المنطقة الحدودية بين الدولة العتيدة والأردن)، وبالطبع لدواعي أمنية إسرائيلية. إسرائيل وكما يعتقد قادتها لها نصيب في مياه الدولة الفلسطينية. أما بالنسبة للأجواء في هذه الدولة وكذلك مياهها الإقليمية البحرية، فهي أيضاً تحت إشراف إسرائيلي. هذا ما لا نقوله نحن، ولكن كما ورد في تصورات وبرامج الأحزاب الإسرائيلية الأكبر: كاديما، الليكود والعمل. أما الأحزاب الأخرى الدينية، واليمينية الفاشية: شاس، إسرائيل بيتنا، أجودات هاتوراة وغيرها، فهذه لا تؤمن بوجود الشعب الفلسطيني من الأساس، فكيف ستعمل على إنجاز تسوية معه ومعظمها يشارك في الائتلاف الحكومي الحالي؟ الملاحظ أن هذه الأحزاب تتمدد أفقياً في الشارع الإسرائيلي، ويزداد ثقلها ووزنها السياسي، تماماً مثلما يشارك حزب إسرائيل بيتنا بزعامة ليبرمان وغيره في الائتلاف الحكومي الحالي. هذه الأحزاب ما تزال تطمح في إنشاء دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل. ونحن لا نبالغ في هذه المسألة، فأرض إسرائيل في برامجها ليست مقتصرة ومحصورة في أرض فلسطين التاريخية.
ما قلناه يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك ما نستنتجه وسنقوله في التالي وهو يتلخص في: أن الصهيونية وتمثيلها السياسي إسرائيل. باعتبارهما كلاًّ واحداً لا يتجزأ، هو عدو استثنائي في التاريخ، لا يماثل الحركات الاستعمارية التي جرت خلاله، قديمه وحديثه. هذا العدو يشكل نمطاً جديداً في حركة الصراع بين الشعوب المحتلة وبين محتلي إرادتها واستقلالها.
هذا العدو اقتلاعي (يقوم على اقتلاع أصحاب وسكان البلد الأصليين من وطنهم، ليحل المهاجرون محلهم)، عقيدي توراتي (تحكمه الأساطير التوراتية)، تبريري في استعمال كل وسائل العنف، المعهود وغير المعهود، بما في ذلك ارتكاب المجازر وتنفيذ عقائد القتل للآخر، بالاتكاء على التعاليم الدينية. ترى إسرائيل هذا الآخر في صورة دونية من منظار استعلائي، شوفيني.عنصري. باعتباره مُسَخّراً لتنفيذ رغبات اليهود (الذين أكرمهم الله وأعادهم إلى أرضهم التاريخية).
كل هذه الاعتقادات تشكّل الخلفية الأيديولوجية العقيدية لغالبية الإسرائيليين، والتي هي مزج بين تعاليم توارتية، ووسائل عصرية حديثة، تجيز استعمال كل الأساليب في تحقيق هذه الأهداف، إضافة إلى نزعة استعمارية اضطهادية للآخر... هذه الخلفية تشكل الأساس النظري للقادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين (وبالضرورة لمعظم الإسرائيليين)، إن فيما يتعلق بمعتقداتهم الإستراتيجية في كافة المجالات: السياسية، الاقتصادية، العسكرية - الأمنية، الاجتماعية، أو في ما يخوضونه من تكتيكات سياسية، تتبلور في مختلف السياسات التي تنتهجها إسرائيل عامة منذ قيامها وحتى اللحظة،من خلال رؤى وممارسات عملية، ومنها ما يتعلق بالتسوية مع الفلسطينيين ومع العرب بشكل عام.
هذا الوضع الإسرائيلي الشائك، المتشابك والمعقّد ليس مرشحاً لإحداث تغيير نوعي فيه على المدى القريب والمنظور، فما يزيد على ستة عقود من عمر هذه الدولة، لم يكن قادراً على إنتاج سوى المزيد من التطرف في الطرح السياسي، والمزيد من الانغماس في الرؤى الأيدلوجية.
هذا الوضع الإسرائيلي (الذي نصوّر في هذه المقالة جزءاً يسيراً من تعاليمه وشوفينيته) لا يمكنه إنتاج سلام حقيقي مع الفلسطينيين والعرب، سلام قائم على العدل والمساواة والتكافؤ وغيرها من التعابير والمفاهيم الإنسانية. هذا الوضع غير قادر على إنتاج حل الدولتين، أي قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة مثل كافة أنحاء دول العالم الأخرى، لأن ذلك يتناقض بالكامل مع ما جرى طرحه من سمات لطبيعة هذا العدو. أما فيما يتعلق ببعض الأصوات الإسرائيلية التي تنادي بحل الدولتين فهي أصوات قليلة، لا تتخذ سمة الظاهرة، وبالتالي لا تشكل مظهرا ضاغطا.
انطلاقاً مما تم ذكره، إسرائيل بمفاهيمها الآنفة الذكر، قادرة فقط على إنتاج صيغة واحدة في التسوية مع الفلسطينيين على المدى المنظور. وهي الحكم الذاتي على القضايا الحياتية، حتى لو تم تسمية منطقة هذا الحكم. بدولة أو إمبراطورية لا فرق، المهم أنها حكم ذاتي ليس إلا، فإسرائيل غير قادرة على حل الدولتين. هذا ما أثبتته أوسلو و20 سنة من المفاوضات بعدها... فهل آن الأوان لفهم حقيقة هذه الدولة؟ نجيب بنعم، فكفى مراهنة على السراب.. يحسبه الظمآن ماء فإن أتاه يجده شيئا آخر!لكل ذلك: علينا أن نعيد قراءة الصهيونية وتمثيلها السياسي: إسرائيل. وعلى الفلسطينيين والعرب إجراء مراجعة سياسية شاملة لوجود إسرائيل منذ إنشائها في عام 1948 وحتى هذه اللحظة.
أوباما..نتنياهو: لقاء المصالح
أعلن البيت الأبيض رسميا. أن أوباما سيلتقي نتنياهو في نيويورك. على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد... اقرأ المزيد
515
| 23 سبتمبر 2016
الاحتيال والجرائم على الانترنت
يحمل التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال الاجتماعي. وجهين: الإيجابي. الذي يستغله المجموع. والآخر السلبي. الذي يستغله المجرمون واللصوص... اقرأ المزيد
505
| 15 سبتمبر 2016
أوهام ليبرمان وكيانه
كَسر إرادة الشعب الفلسطيني في المقاومة. كما نشر ثقافة الهزيمة في أوساطه! هذا ما حاوله ويحاوله القادة الصهاينة.... اقرأ المزيد
530
| 08 سبتمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2226
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1104
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
570
| 12 أكتوبر 2026