رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما من أحد يشك في صحة الرسالة التي بعثها الرئيس المصري محمد مرسي إلى نظيره الإسرائيلي شمعون بيريز, يشكره على تهنئته بحلول شهر رمضان.لقد نشرت صحيفة الشرق القطرية بُعيد إرسالها مباشرة, صورة عن الرسالة إلى جانب الخبر عنها.الصحافة الإسرائيلية نشرت صورتها وأيضاً صورة عن رسالة السفارة المرفقة بها.جاء ذلك بعد تكذيب هذا النبأ على لسان المتحدث باسم الرئاسة المصرية: ياسر علي من خلال القول:"فيما يتعلق بما نشر مؤخراً عن إرسال الرئيس محمد مرسي رسالة شكر إلى الرئيس الإسرائيلي, فإن رئاسة الجمهورية تنفي ما نشر في هذه الصدد" كما أوردت وسائل الإعلام الحكومية.
من الواضح:أن الإخوان المسلمون وحاشية الرئيس لا يريدون أن يجري نشر الرسالة المعنية في وسائل الإعلام. بمعنى آخر يريدون لهذه المسألة وللقضايا الشبيهة الأخرى أن تبقى طي الكتمان.الإخوان المسلمون يرون في الصراع مع إسرائيل" بأنه صراع وجود لا صراع حدود".وإسرائيل بالنسبة إليهم هي"الكيان الصهيوني الغاشم" وهم ضد التفاوض مع إسرائيل والجلوس معها.لطالما تغنوا "خيبر خيبر يا يهود،جيش محمد سوف يعود".اليهود بالنسبة إليهم هم"قردة وخنازير" . هم وقفوا ضد اتفاقية كامب ديفيد واتفاقيات أوسلو واتفاقية وادي عربة.ينادون بطرد السفراء الإسرائيليين من الدول التي لها تمثيل دبلوماسي مع إسرائيل, ولطالما قاموا بتظاهرات كبيرة ضد وجودها, وينادون بإغلاق أية ممثليات إسرائيلية في بعض الدول العربية. في المؤتمرات الدولية لا يجلسون حيث تتواجد وفود إسرائيلية ...إلى آخر ذلك.هذه القضايا وغيرها: تشكل بمثابة الفكر الأيديولوجي لهم المستند على الخلفية الدينية الإسلامية،لذلك من المفترض ألا يجري المساس بها(فهي لا تخضع لمواقف التكتيك السياسي) مطلقاً, ولا أن يتم ممارسة عكسها, وإلا وقع التناقض بين الأيديولوجيا المعتنقة, بما تمثله من أبعاد نظرية وبين الممارسة العملية, بما يعنيه ذلك من انفصام بين النظرية والممارسة , وهو ما يؤثر على هوية الحزب أو الجماعة, ما يعنيه ذلك من ازدواجية متناقضة بين الإيمان وتطبيقاته الفعلية.
رسالة الرئيس مرسي تتجاوز الناحية البروتوكولية ,لأنها لو حملت هذا المضمون لاقتصرت على شكر التهنئة فقط، لكنها تتجاوز ذلك إلى"تطلع لبذل أفضل جهودنا - مرسي ومصر - من أجل إعادة عملية السلام لمسارها , لتحقيق الاستقرار لشعوب المنطقة, ومن بينها الشعب الإسرائيلي".
بداية: فإن الإسرائيليين ليسوا"شعباً" ولا"قومية" ولا"أمة" فهم تجمع فسيفساني من كافة الأعراق والأجناس جاءوا مهاجرين إلى فلسطين،استقروا فيها بعد الاستيلاء على أرضها وتهجير شعبها.اغتصبوا فلسطين اغتصاباً، أي أنهم مغتصبون ليس إلاّ. هذا ما لا نقوله نحن فقط , وإنما علماء الأجناس العالميون ومنهم يهود. يقوله مفكرون وكتّاب يهود من بينهم: شلومو ساند الذي كتب مؤلفاً حول الموضوع بعنوان"اختراع الشعب اليهودي".
اعتراف مرسي بوجود"الشعب الإسرائيلي"يعني ولو بطريق غير مباشر: اعتراف ضمني" بالحق التاريخي لهذا الشعب في فلسطين"هو تصديق للرواية الصهيونية عن"أرض الميعاد" و"شعب بلا أرض لأرض بلا شعب" بما يعنيه الأخير من نفي لوجود الشعب الفلسطيني.الانتباه إلى التعابير مسألة فائقة الأهمية, فقد قاتلت الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من الدول الغربية في مجلس الأمن عام 1967, في قراره رقم 242 الداعي إلى انسحاب إسرائيلي من "أراض تحتلها إسرائيل"وليس من"الأراضي التي تحتلها" .معركة مشهورة خيضت في النسخة الإنجليزية من القرار الذي جاء من "أراض". في برقية الشكر: هذا التعبير يؤشر أيضاً إلى الاعتراف بأن منطقة "48" هي أيضاً "أرض إسرائيلية" وإلا أين سيسكن هذا الشعب"؟.
من ناحية ثانية"فإن بذل أفضل الجهود لإعادة عملية السلام إلى مسارها الطبيعي"تعني فيما تعينه: وضع مصر خارج – الصراع مع الدولة الصهيونية، وكأنها طرف ثالث محايد غير معني بالطرفين الذي يجري بينهما الصراع . إسرائيل لا تريد سلاماً لا مع الفلسطينيين أو العرب،تريد فرض رؤيتها للحل مع الجانبين: مع الفلسطينيين دون حقوقهم الوطنية في العودة وتقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة، وفي ظل مصادرة أراضيهم واستيطانها وفقط عليهم القبول بالحكم الذاتي على القضايا الإدارية للسكان , ومع العرب دون شروط مسبقة . لقد رفضت إسرائيل بكافة أشكال طيفها السياسي ما سمي "بمبادرة السلام العربية". لا تريد تقديم أية "تنازلات" من جانبها لا للفلسطينيين ولا للعرب. الأخيرون وفقاً للمنطق الصهيوني: عليهم أن يأتوا"للسلام مقابل السلام" وليس "السلام مقابل الأرض".
الجملة أيضاً تعني: اعتراف بنهج المفاوضات مع العدو الصهيوني, في الوقت الذي يصر فيه هذا العدو على خضوع الجانبين الفلسطينيين والعربي لشروط المفاوضات الإسرائيلية، ومنها الاعتراف "بيهودية"دولة إسرائيل, بكل ما يعنيه ذلك من تداعيات. هذا في الوقت الذي يرفض فيه الإخوان المسلمون هذا النهج جملة وتفصيلا؟ً فكيف بالرئيس مرسي يقول: بأنه سيبذل ومصر الجهود من أجل إعادة عملية السلام إلى مسارها؟.
قد يرى البعض: بأنه جرى تحميل الرسالة بما لا تحتمل أو التبرير بمقولة: "براغمانية الإخوان المسلمين"أو التبرير بأنها "استحقاقات منصب الرئاسة"ولكن نرد على هذا القول من:
أولاً: المفاوضات التي خيضت في واشنطن بين وفود من الإخوان المسلمين, من خمس دول عربية وبين الولايات المتحدة حول العلاقة مع إسرائيل واتفاقية كمب ديفيد ومواضيع أخرى غيرها. والاطمئنانات التي خرج بها الوفد الأمريكي من المباحثات, بأن القضيتين لن تتبدلا مقارنة مع ما اختطه الرئيس المخلوع حسني مبارك.
ثانياً: التطمينات التي جاءت في خطابات الرئيس المصري, بما يفهم منها: بأن مصر في عهده ستظل متمسكة باتفاقية كامب ديفيد, وبالطبع بملحقاتها السرية والعلنية.
ثالثاً: تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون : بأن الولايات المتحدة لا تضع فيتو على تسلم الاتجاهات الإسلامية لحكومات بلدانها، والذي لم يكن ليقال لولا مجموعة التطمينات التي تأكدت منها في المباحثات المتعددة التي جرت مع هذه الأحزاب.
رابعاً: التطمينات التي نقلتها كلينتون لإسرائيل حول هذه القضية تحديداً, والتي نقلها أيضاً للجانب الصهيوني الكثيرون من المسؤولين الأمريكيين منهم: وزير الدفاع بانيتا ووليام بيزير بعد مباحثاتهم في القاهرة.
خامساً: وأخيرا رسالة الرئيس مرسي إلى شيمون بيريز.
كل هذه الأسباب تقع خارج إطار "الجانب البروتوكولي" وتصب في خانة "النهج السياسي الجديد" الذي يخططه الإخوان المسلمون, إذا ما تسلموا الحكم في إحدى الدول العربية, وهو ما يشي "بازدواجية الخطاب السياسي لديهم".هذا ما رأيناه في "التهدئة" مع إسرائيل في قطاع غزة, وفي رسالة الرئيس مرسي إلى رئيس الدولة الصهيونية, فلماذا يجري إنكار الرسالة؟ ولماذا لا يتم توضيح هذا النهج؟ فالتوضيح يظل الأفضل مقارنة مع الازدواجية.
أوباما..نتنياهو: لقاء المصالح
أعلن البيت الأبيض رسميا. أن أوباما سيلتقي نتنياهو في نيويورك. على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد... اقرأ المزيد
509
| 23 سبتمبر 2016
الاحتيال والجرائم على الانترنت
يحمل التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال الاجتماعي. وجهين: الإيجابي. الذي يستغله المجموع. والآخر السلبي. الذي يستغله المجرمون واللصوص... اقرأ المزيد
505
| 15 سبتمبر 2016
أوهام ليبرمان وكيانه
كَسر إرادة الشعب الفلسطيني في المقاومة. كما نشر ثقافة الهزيمة في أوساطه! هذا ما حاوله ويحاوله القادة الصهاينة.... اقرأ المزيد
530
| 08 سبتمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3120
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026