رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان رجلاً حنيفا يعبد ربَه اللهَ على دين أبي الأنبياء والمسلمين، إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام، وكان قد حبّب الله إليه الحنيفيَّة السمحة، حتى تزيّن قلبه بها، وأُشربها، كما أشربت عروقه الدم، وكرَّه إليه ما سوى دينه الحق، من اتباع باطل الأخلاق والأهواء، واعتقاد زُلفى الأصنام والأوثان، وما كان إلى ذلك من كفران وعصيان.
إذن كان مسلما لله خاضعا له مستسلما، كلَّ الخضوع والاستسلام، كان مسلماً والإسلام هو دين الفطرة السوية، ودين كافة الرسالات السماوية، التي أُنزلت على الرسل، فدانوا به لله ربهم، وبلغوه إلى من أرسلوا إليهم من أقوامهم، كما أُمروا، وكما ينبغي أن يكون الإبلاغ، وأداء الأمانة، وفق ما أمر الله وارتضى، إلى أن ختمت الرسالات، وختم المرسلون والنبيون، بسيدهم وإمامهم محمد، صلى الله عليه وسلم، الذي أُرسل رحمة وهداية ونوراً، للعالمين كلِّهم أجمعين، فكان خيرا عميماً، ومصباحا مضيئاً، عمَّ خيره الأصقاع، وفاض نوره وشاع، على ما طلعت عليه الشمس، مما هو على وجه الأرض، من الأحياء والكائنات، ذات الروح والحس.
إنه رجل يُدعى أبو ضمضم، فمن تُرى هو أبو ضمضم؟ وما يكون شخصه في الوجود؟
تالله إن له لنبأً عظيما، وإليك قصة نبئه العظيم.
أحبُ ما كان يحبه أبو ضمضم في حياته، هو التقرب إلى الله تعالى بالعمل الصالح، لم يكن سواه يشغل باله، ويستغرق همه، لِما أوتي من بصيرة نافذة نيرة، فقه من خلالها كيف يعبد ربه، وكيف يبتغي إليه الوسيلة، التي تبلغه مرضاته ومحبته، تلك البصيرة جعلت له حكمة يؤمن بها، ويعمل على نور هديها.
وتلك الحكمة عنده من أعظم المنن، وأسبغ النعم، فقد فهم معنى الإسلام في الدين، المبني على إشاعة السلام. وفَهِم معنى العبادة والعمل الصالح، اللذين لا يقتصران على المظاهر والأشكال، فهم كل أولئك على الوجه الصحيح القويم، الذي به يقبل منه ما يؤدي من عمل، ويثاب عليه من الله الثواب الجزيل.
من ذلك أنه يبغي التصدق والعطاء والجود، على الخلق في كل يوم وفي كل حين، يجد في هذا لذة وغبطة، تغمران قلبه ونفسه بالسعادة والسرور والارتياح، فكان حريصا على ذلك ما استطاع إليه سبيلاً، ولكن ماذا يفعل؟ وماذا في يده؟ وواحَرباه، وواحسرتاه.
فقد قُدِرَ عليه رزقه، ولم يرزق إلا الكفاف، وحسبه إياه، إذ هو خير ما يرزق العبد، وهو به راضٍ، فإنه لم يؤتَ سعة من مال، ولا فضلة من طعام، يجود بهما على الأنام، كما يحب ويشتهي.
هذه هي حاله التي جعلته يفكر في أمره، ويدبر شأنه، ويطيل التفكير والتدبير، ليجمعَ من دنياه ما تشتت وما تفرق، ويحسبَ منه ما له وما عليه، وما يجب له وما ينبغي فيلتزمه، وما يُحرم عليه ويُكره فيجتنبه، فكان أن اتخذ رأيا في نفسه، عزم على إنفاذه، وأصر على إحقاقه، ليتقرر في حياته، ويا له من رأي! لا تقرر مثله النفوس، ولا تعزم على مثله القلوب، سنعلم نبأه بعد حين.
كان أبو ضمضم يخرج من بيته مبكرا دَوْما في وقت السحَر، هذا هو دَيْدَنه الذي اعتاد عليه، وألفه، يخرج وهو مشرق الوجه، مبتسم الثغر، لما في نفسه من إيمان يُشيع فيها الرضا والقناعة والاطمئنان، إنه إيمانٌ حلّى نفسه بخلال وخصال قليلة الأمثال، اتسمت بها شخصيته، التي امتازت بها من بين الشخوص.
مما أضفاه عليه الإيمان، وصبغته به الحكمة، من خلالِ وخصالِ مكارم الأخلاق، الحِلمُ والصفحُ، اللذان مكّنا صدره أن يسع الناس كما هم الناس، بحماقاتهم وسفاهاتهم ومظالمهم، وكل ما برح لهم من سوء وشر، وقبح وعيب، ويا لله ولطفه وغوثه من كل أولئك. وليس ذلك فقط ما كان من أبي ضمضم من سعة صدر وقبول للناس، ولكن كان أيضا يتصدق عليهم وهو الذي يحب التصدق كما بيّنا سلفا.
فرضت الحياة على أبي ضمضم، كما فرضت على غيره، ابتغاء الرزق، والسعي إلى طلبه، والمشي في الأسواق لتحصيله، لا محالة من ذلك ولا بد، مما ألزمه مخالطة الناس، والتعامل معهم، بما يقتضيه التعامل من الشد والجذب، والأخذ والطلب، والمنح والسلب، على اختلاف طباعهم، وتباين صفاتهم، بما لهم من نفوس وأخلاق، ليست كلها بلا ريب على سواء واحد.
إلا أن أبا ضمضم كان لا يعامِل كما يعامَل، ولا يكيل بما يكال به، كأنه عالَم وحدَه بين عوالم أخرى لا تمت له بصلة ولا سبب، من ذلك أنه لا يأخذ غيره بما جنت نفسه الجانية في حقه، بحيث لا يظلم من ظلمه، بل يعفو عنه ويصفح، ولا يعيب من عابه، ولا يرى شتيمة من شتمه، بل يترفع ويسمو بنفسه، وإن هذا لشيءٌ عجاب، ومن هو كذلك، محال بالطبع أن يصدر عنه أي سوء وأذى لأحد.
اتفق لأبي ضمضم ذات يوم، أن واجه فيمن يواجه من الناس، رجلاً جِلْفا فظاً، شاء القدر أن يجمعهما في طريق واحد، ليكون كلاً منهما ابتلاءً للآخر، يكون اختبارا لهما، يأخذان منه ويتعلمان عبرة ودرساً مما تلقيه الحياة لنفع الناس.
تعرض ذلك الرجل لأبي ضمضم، في أثناء معاملته، وأساء له بقوله، وأغلظ عليه في فعله، وكان ما كان منه في حقه، غير أن أبا ضمضم، أبدى الحسنى، وقال قولا حسنا كريما، ثم أعرض مودِّعا بسلام، وعلى وجهه ابتسامة تقرب أن تكون ضحكاً.
لم يكن من ذلك الرجل إلا العجبُ والدَّهَش والحَيْرة، حتى إنه سأل من كان شاهداً ما حدث بينهما، وقال: من ذلك الرجل؟ أيعرفه أحدكم؟
فقال بعضهم: نعم أنا أعرفه حق المعرفة، فإنه جاري، وبابه إلى بابي، إنه أبو ضمضم.
فرد الرجل قائلاً: أبو ضمضم!! ما أغرب اسمه! الذي ليس بأغربَ من خُلقه كذلك، والله إنه لرجل غريب.
فقال جار أبي ضمضم: أنا أعرف من أمره ما يذهب عنك الغرابة، ويذهب عنك الدهشة.
إنني أسمعه يقول إذا أصبح كل يوم، خارجاً من بيته: اللهم إني قد تصدقت بعِرضي اليوم على الناس.
فقال الرجل: والله ما ازددت منه إلا عجبا وغرابة، ذلك المتصدق علينا بعرضه، فما علمنا رجلا من قبله، تصدق على الناس بعرضه، لله هو، ولله أبوه! ما أكرمَهْ وما أجودَه! هذا الذي لا نطيق له جزاءً، فإن جزاءه لا يملكه له إلا خالق العِرْض، في يوم العَرْض.
بهذه النفس الطاهرة النقية، وهذه الأخلاق الزاهرة البهية، جاء ذكر أبي ضمضم، على لسان خير البرية، إذ قال بينما كان جالساً بين أصحابه: (أتعجزون أن تكونوا مثل أبي ضمضم؟ قالوا: ومن أبو ضمضم، يا رسول الله، قال: أبو ضمضم رجلٌ فيمن كان قبلكم، كان إذا أصبح قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي اليوم على من ظلمني).
حَبْر الأمة وتَرجمان القرآن عبد الله بن عباس
قبل الهجرة النبوية بنحو ثلاث سنين، جاء العباس بن عبد المطلب، يسعى إلى رسول الله، عليه الصلاة والسلام،... اقرأ المزيد
22807
| 03 يوليو 2016
الزاهد الصادق.. أبو ذر الغِفاري
قرعت الأنباء أُذني أبي ذر الغفاري، بظهور رجل بمكة، يزعم أنه نبي، ويدعو إلى عبادة الله وحدَه، وعدم... اقرأ المزيد
7070
| 02 يوليو 2016
امرأة من طراز فريد قصة «أم سُليم»
لو كان النساء كأم سليم بنت ملحان الأنصارية، لفضلت النساء على الرجال، إي وربي إن هذا لحق، سنعلم... اقرأ المزيد
50277
| 01 يوليو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11505
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
5319
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3705
| 22 أكتوبر 2026