رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا اختلفنا حول تقييم العام المنقضي من ولاية الرئيس السيسي فليتنا نتفق على أن نضع قضية الحريات العامة على رأس أولويات العام الجديد.
(١)
حين اعتدى ضابط شرطة «فارسكور» بحذائه على محامي النقض فإن الحادث كان صادما لا ريب، لكنك إذا دققت في سياقه فستدرك أنه ليس مفاجئا تماما، وإذا ذهبت إلى أبعد وتحريت ملابساته وخلفياته في الإطار العام، فقد تجد وجاهة في اعتبار الحادث عنوانا لمرحلة مصرية جديرة بالرصد والإثبات. ذلك أننا إذا اعتبرنا أن الضابط رفيع الرتبة ممثلا لسلطة الجهاز الأمني، وأن المحامي المجني عليه رمز لرجل القانون، فسنجد أن الحادث كان في حقيقة الأمر تعبيرا رمزيا للمدى الذي وصلت إليه العلاقة بين الطرفين. ذلك أن الممارسات التي شهدناها خلال العام الأخير بوجه أخص كشفت عن أن الشرطة باتت تتصرف باعتبارها سلطة فوق القانون. حيث لم تحاسب على كل ما اقترفته من تعذيب أو قتل أو قنص. ولديها من الحيل والنفوذ ما يمكنها من الإفلات من أي عقاب. وهو ما أقنعنا بأن التصرف الذي لجأ إليه ضابط الشرطة هو نتاج ثقافة شائعة تعتبر أن ذلك الأسلوب هو الأصل في علاقة الشرطة بالمواطن العادي الذي قد يعد ضربه بالحذاء من قبيل التسخين الذي يسبق تأديبه وإعطاءه ما يستحق. وقد شاء حظ ضابط فارسكور أن المواطن الذي وقع بين يديه هذه المرة كان محاميا كبيرا كتبت له الحياة (آخرون قتلوا بسبب التعذيب ولم يمكنوا من الدفاع عن أنفسهم)، ثم إن الأمر أثار غضب زملائه المحامين. واستنفر النقابة والنقيب، الذي لم يتردد في إدانة ما جرى واعتباره عودة إلى أساليب الدولة البوليسية قبل يناير ٢٠١١.
حادث الاعتداء على محامي فارسكور مجرد صفحة في سجل حافل بالانتهاكات متعددة المظاهر التي سجلتها تقارير المنظمات الحقوقية، وأحدث تلك المظاهر تمثلت في حملة الاختفاء القسري الذي جرى التوسع فيه خلال الأسابيع الأخيرة. وإذ فجر الحادث الأزمة مع المحامين، فإن ذلك تزامن مع أزمة أخرى للداخلية مع أساتذة الجامعات الذين استفزتهم انتهاكات الشرطة لحرمها والضغوط التي يتعرضون لها وأحدثها اشتراط موافقة الأمن على المشاركة في المهام العلمية بالخارج. ثمة أزمة ثالثة مع المنظمات الحقوقية التي جرى التنكيل بأعضائها فمنعوا من السفر واحتجزوا في المطارات وجرى التحقيق مع إحداها لأنها تجرأت واقترحت مشروعا لمنع التعذيب، ذلك غير الأزمة مع نقابة الصحفيين جراء اعتقال ٦٢ من أعضائها لأول مرة في تاريخ النقابة. ثم هناك أزمة الداخلية مع نشطاء ٦ أبريل وغيرهم من شباب ثورة يناير الذين اعترضوا على قانون التظاهر أو المحاكم العسكرية. ولا ننسى في هذا السياق التدخلات والضغوط الأمنية على مقدمي البرامج التليفزيونية، الأمر الذي أدى إلى وقف بعض البرامج (باسم يوسف، مريم ماجد ويسري فودة مثلا)، وانتهى باستقالة مدير قناة «أون تي في» ألبرت شفيق... إلخ.
(٢)
صحيح أن الأجهزة الأمنية هي الطرف الظاهر في الأزمات والممارسات سابقة الذكر، إلا أننا نخطئ إذا اكتفينا بتوجيه الانتقاد أو الاتهام لتلك الأجهزة أو وزارة الداخلية وحدها، لأن الأخيرين إذا كانوا هم الفاعلين، إلا أنهم ينفذون سياسة دولة في حقيقة الأمر. لذلك أزعم أن الملف الأمني ينبغي أن يوضع على رأس قائمة الملفات التي ينبغي أن تفتح في سياق عملية التقييم المثارة الآن لخبرة العام الأول من حكم الرئيس السيسي، الذي حلف اليمين الدستورية وتسلم منصبه رسميا في الثامن من شهر يونيو عام ٢٠١٤.
لقد اعتذر الرئيس في حديثه أمس الأول بمناسبة بدء العام الثاني لولايته عن إساءات الشرطة، ووجه حديثه إلى المصريين عامة وإلى المحامين بوجه أخص، لأسباب مفهومة. وذلك موقف نبيل من الناحية الأخلاقية، لكنه ليس كافيا ولا شافيا من الناحية السياسية والعملية، ذلك أن تصرف ضابط شرطة فارسكور والانتهاكات أو الإساءات التي تصدر عن الشرطة بحق المواطنين ليست أخطاء فردية، ولكنها تنفيذ رديء لسياسة الدولة، حوله إلى ثقافة سائدة في قطاع كامل يحتاج إلى إعادة نظر في السياسات التي يهتدي بها ويكلف بتنفيذها، وفي الأساليب التي يستخدمها. وذلك كله لا يعالج بالاعتذار الذي قد يهدئ النفوس ويرطب الأجواء، ولكنه لا يقوم العوج ولا يعالج الداء.
إننا ينبغي أن نحترم الاعتذار ونحتفي به، لكن من حقنا أن نقول إنه حين ألغيت السياسة وجرى التعويل على الأمن في كل ملفات الشأن الداخلي، فإن تغول الأجهزة الأمنية يصبح شيئا طبيعيا وإطلاق يدها في تقرير مصائر البشر دون حساب يغدو أمرا متوقعا ومفهوما.
لقد أصدرت رئاسة الجمهورية تقريرا عن إنجازات الرئيس السيسي في عامه الأول، وكانت الملاحظة الأساسية على التقرير أنه ركز على الاقتصاد وتجاهل السياسة، وما ذكره كان صحيحا وإن عبر عن الطموحات بأكثر مما وصف الواقع، لكن ما سكت عنه أو تجاهله له دلالاته التي تؤيد ما أدعيه، وهي الملاحظة التي لا تخطئها عين الباحث، وأحدث شهادة في هذا الصدد وقعت عليها فيما كتبه الدكتور عمرو الشوبكي أمس (٨/ ٦) في جريدة «المصري اليوم» حيث ذكر أن «غياب الرؤية السياسية والتجاهل التام للواقع السياسي الذي تعيشه البلاد مشكلة رئيسية في التقرير الرئاسي».
لقد قرأنا أن الرئيس افتتح في مناسبة بداية عامه الجديد ٣٩ مشروعا جديدا بتكلفة ٥ مليارات و٨٨٤ مليون جنيه، لكننا لم نقف على أي ملمح مضيء في الأفق السياسي يطمئننا إلى أننا نتوقع انفراجا في العام الجديد، بالتالي فإننا لم نجد أملا في طي صفحة القوانين الظالمة وانتهاكات حقوق الإنسان ويوقف ملاحظة منظمات حقوق الإنسان، والتوسع في المحاكمات العسكرية، انتهاء بإيجاد مخرج لمشكلة وجود أكثر من ٤٢ ألف مواطن في السجون والمعتقلات منذ عامين تقريبا.
(٣)
قبل أي استطراد في الموضوع ينبغي أن نتفق على أن إجراء عملية التقييم بعد مضي عام واحد على استلام السلطة لا يخلو من تعجل وتعسف، خصوصا في بلد كبير مثل مصر له مشاكله العديدة على مختلف الأصعدة. مع ذلك فبوسعنا أن نسترشد بالمؤشرات والمقدمات التي برزت خلال العام المنقضي، ذلك أننا لا نستطيع أن نزعم أن العام المقبل سيكون منفصلا أو مقطوع الصلة بالعام الذي سبقه، كما أننا لن نبالغ إذا قلنا إن ما تم زرعه خلال العام المنقضي سنجني بعض حصاده على الأقل في العام الجديد.
سنضيع أو نغرق إذا دخلنا في التفاصيل، وربما أفادنا في هذا الصدد أن نسترشد بالتفريق بين السياسة التي تمثل الخطوط أو المحاور الأساسية والإدارة التي تتولاها الأجهزة التنفيذية، وأزعم في هذا الصدد أن جهدا كبيرا يبذل في الإدارة يتمثل في الأداء النشط للحكومة تبذله الحكومة أو فيما تنهض به القوات المسلحة في العديد من المجالات، وذلك شق ليس لي فيه كلام، ناهيك عن صعوبة الإحاطة بتفاصيله. ولكنني معني بتوجهات السياسة التي تعبر عن الرؤية الإستراتيجية للنظام القائم، في هذا الصدد بوسع المرء أن يسجل النقاط التالية:
١ــ إن مصر لم تخرج تماما من عباءة نظام مبارك السابق على ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ الذي تمت تبرئة كل رجاله، وكأن أحدا منهم لم يخطئ بحق الشعب وأن الذين قاموا بالثورة هم المخطئون، فالسياسة الخارجية التي تجنب الباحثون التطرق إليها لم تطرأ عليها تغير سوى في الدرجة فقط.
فالعلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة ظلت كما هي والعلاقات مع إسرائيل في أفضل أحوالها، في حين أن العلاقة مع حماس والمقاومة الفلسطينية انتقلت من سيئ إلى أسوأ، أما السياسة الداخلية فبدورها لم تتغير في إطارها العام. وشهادات الدكاترة إبراهيم العيسوي ومحمود عبدالفضيل وإبراهيم عوض ومصطفى كامل السيد وأحمد عبدربه وغيرهم من أساتذة الاقتصاد والعلوم صريحة وحاسمة في هذا الصدد.
٢ــ إن فكرة العدالة الانتقالية التي هي بمثابة الجسر الذي يضمن الانتقال من نظام استبدادي إلى نظام آخر ديمقراطي جرى ابتذالها وإجهاضها، لأن الانتقال لم يتم ولم يعد مرغوبا فيه. ذلك أن تلك العدالة المنشودة كما يعرفها أهل الاختصاص ترتكز على عناصر أربعة هي: الكشف عن الحقيقة ومحاسبة مرتكبيها ــ تعويض الضحايا وجبر أضرارهم ــ إرساء مصالحة وطنية بين الدولة والمواطنين ــ القيام بإصلاحات سياسية وقانونية لإرساء دولة الحق والقانون، ولمنع حدوث أي انتهاكات لحقوق الإنسان. لكن كل الذي فعلناه أننا أنشأنا وزارة للعدالة الانتقالية عصفت بكل ذلك، ودخلت في نفق الإصلاحات التشريعية ولم تخرج منه.
٣ــ افتقد النظام القائم إلى وضوح الرؤية السياسية والاقتصادية، وإذ ظل الغموض يكتنف هاتين الدائرتين، فإن الغموض ذاته ظل مخيما على آلية صنع القرار السياسي، وفي حين لم تتضح وجهة النظام على الصعيدين السياسي والاقتصادي، فإن أحدا لم يعرف من وكيف يصدر القرار السياسي ولا ما هي طبيعة الورش المحيطة بالرئيس، الأمر الذي أبقى على الرئيس السيسي وحده في صدارة المشهد، وحمله ربما بأوزار غيره.
٤ــ حين تصدرت لافتة «الإرهاب» رأس عناوين السنة الماضية وجند الخطاب التعبوي كل منابره لأجل ذلك، فإن ذلك عبر عن وجود مشكلة حقيقية لا ريب، لكن تلك المشكلة لا تصلح لأن تكون مشروعا سياسيا. ومع استمرار حلقات العنف وعدم وجود أفق لحل المشكلة، فإن المجتمع أصبح يدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها. وإزاء انسداد الأفق السياسي فإن الأمل في الاستقرار ومن ثم دوران عجلة النشاط الاقتصادي أصبح أمرا بعيد المنال.
٥ــ الحديث عن التراجع الكبير في مجال الحريات العامة أصبح قاسما مشتركا في التعليقات التي حاولت تقييم خبرة السنة الماضية. وللأسف فإن ذلك استصحب تراجعا مماثلا في الثقة بالقضاء المصري الذي كان ضحية قوانين جائرة وتحريات ملفقة ورطته فيما شوه صورته على نحو يتعذر إصلاحه في الأجل المنظور.
(٤)
للأسف فإنه في ظل الاحتقان والاستقطاب المخيمين على المجتمع المصري فإن فرصة إجراء تقييم موضوعي ونزيه لتجربة السنة الماضية ليست متاحة، ليس فقط بسبب العصبية التي يتسم بها أغلب المتحاورين، ولكن أيضا بسبب الترهيب والتخويف الذي يتعرض له أصحاب الرأي الآخر، والرسائل والإنذارات التي توجه عبر المتحدثين المنسوبين إلى النظام أو من خلال التقارير التي تسرب عن ترتيبات ومخططات الأجهزة الأمنية، ذلك كله يدفع كثيرين إلى الصمت إيثارا للسلامة، وإذا صح ذلك التحليل فإنه يعني أن مشكلة الحريات العامة وضماناتها هي التحدي الأكبر الذي علينا أن نواجهه في العام الجديد، وإذا كان الحقوقيون يجمعون على أن العام المنصرم هو الأسوأ في الانتهاكات التي عرفتها مصر خلال العقدين الأخيرين على الأقل، فإن ذلك يلقي على عاتق كل الوطنيين في مصر مسؤولية الاحتشاد لوقف ذلك التدهور، الذي أزعم أنه الإشارة الأهم إلى تفريغ ثورة يناير ٢٠١١ من مضمونها، والعلامة الأبرز على عودة النظام القديم.. وكأنك يا أبوزيد ما غزيت.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2565
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2340
| 15 أكتوبر 2026
حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في شركتها، فإن طريقة التعامل مع طلبه تكشف كيف تُدار المؤسسة. هل تُراجع خبرته وحاجة العمل، أم تكفي موافقة والده؟ وإذا اختلف الملاك على تعيينه، فمن يحسم الأمر؟ قد يبدو السؤال متعلقًا بوظيفة واحدة، لكنه يختبر قدرة الشركة على اتخاذ قرارات تحظى بالقبول، خصوصًا حين تتسع العائلة ويتوزع أصحابها بين أجيال وفروع متعددة. تقدم مجموعة يوسف بن أحمد كانو مثالًا خليجيًا يستحق التأمل. فبحسب تقرير نشره معهد الشركات العائلية بجامعة سنغافورة للإدارة في أبريل 2019، امتدت أعمال المجموعة عبر ستة أجيال. ونقل التقرير عن فيصل خالد كانو ممارسات لتنظيم مشاركة العائلة في الأعمال. ومن هذه الممارسات يمكن استخلاص منهج عملي لمعالجة مشكلات تواجه كثيرًا من الشركات العائلية. يبدأ المنهج بإعداد أفراد العائلة قبل منحهم المسؤولية. فقد ذكر التقرير اشتراط عملهم خارج المجموعة ثلاث سنوات قبل الانضمام إليها، وربط شغل الوظائف بالكفاءة. يتيح هذا الإجراء للابن اكتساب خبرة في بيئة يُقيَّم فيها بعيدًا عن مكانة والده، ويتعلم خلالها تحمل المسؤولية والتعامل مع مدير وزملاء يحتاج إلى كسب ثقتهم بأدائه. ويقدم المسار المهني لمشعل حمد كانو مثالًا على اكتساب الخبرة خارج أعمال العائلة. فبحسب سيرته المنشورة على موقع مجموعة كانو في الإمارات، التحق بالشركة عام 1991 مساعدًا لمدير الملاحة، ثم عمل مدققًا لدى آرثر أندرسن في دبي، قبل العودة إلى المجموعة نائبًا للرئيس عام 1997. وهكذا تضمن مساره إلى القيادة خبرة داخل الشركة وخارجها. ولنأخذ مثالًا افتراضيًا لتطبيق المبدأ: يتقدم أحد الأبناء لإدارة المبيعات. إذا كانت سياسة التوظيف واضحة، تُراجع خبرته ونتائجه ومتطلبات الوظيفة، ويُقيَّم وفق معايير معلومة. وإذا لم يكن جاهزًا، يُحدد له ما يحتاج إلى استكماله. بذلك يتحول النقاش من «لماذا لم يُعيَّن ابننا؟» إلى «هل استوفى شروط الوظيفة؟». وهذه نقلة تحمي الشركة، وتساعد العائلة على تقبل القرار. لكن تنظيم التوظيف لا يكفي؛ فهناك ملاك لا يعملون في الشركة، ولهم مصالح تحتاج إلى تمثيل. ولهذا تناول التقرير وجود مجلس عائلي في كانو يضم أجيالًا مختلفة، إلى جانب دستور عائلي قابل للتطور يؤكد اتباع الإجراءات واحترام التسلسل الإداري. يعالج هذا الترتيب مشكلة انتقال مطالب الملاك مباشرة إلى الموظفين. فقد يفضل أحدهم توزيع الأرباح، ويريد آخر تمويل التوسع، ويعترض ثالث على أداء نشاط. وتحتاج هذه المسائل إلى قناة للنقاش، حتى لا يجد المدير نفسه أمام تعليمات متعارضة من أفراد يحمل كل منهم صفة المالك. والدرس القابل للتطبيق هو تحديد مسار كل مسألة: أين تُناقش مطالب العائلة؟ وما الذي يُرفع إلى مجلس الإدارة؟ وما الذي يدخل ضمن صلاحيات الإدارة التنفيذية؟ وضوح هذه القنوات يسمح للمالك بعرض ملاحظته ومتابعتها، وللمدير بأداء عمله وفق مرجعية معلومة. وتحتاج العلاقة إلى اتفاق مكتوب يُرجع إليه عند الخلاف. يمكن أن يبدأ بشروط عمل أفراد العائلة، وحدود التدخل في الإدارة، وتعارض المصالح، وآلية تسوية النزاعات، وطريقة مراجعة الاتفاق. ويُختبر نجاحه عندما يطبق على شخص صاحب نفوذ؛ فالتزامه يمنح بقية الأفراد سببًا للثقة في القواعد. بعد تنظيم العلاقة بين العائلة والشركة، يأتي تنظيم القرار التجاري. فقد أوضح تقرير 2019 أن اللجان التنفيذية للأقسام السبعة آنذاك جمعت قيادات من العائلة وأعضاء من الإدارة العليا، بحيث يُتخذ القرار عبر اللجنة بدل انفراده بيد شخص واحد. تكمن فائدة هذا الترتيب في إخضاع المقترح لأكثر من زاوية نظر. عند بحث توسع جديد، قد يرى صاحب الفكرة فرصة نمو، ويسأل المسؤول المالي عن التمويل، ويتحقق مدير التشغيل من القدرة على التنفيذ. وتساعد المراجعة على كشف ما قد يغيب عن صاحب المقترح، مهما كانت خبرته. وللاستفادة من المبدأ، تحدد الشركة القرارات التي تحتاج إلى مراجعة جماعية، والبيانات المطلوبة لاعتمادها، والمسؤول عن تنفيذها. ثم تراجع النتائج: هل تحقق المتوقع؟ وأين اختلف الواقع عن الافتراضات؟ بذلك يصبح القرار قابلًا للتقييم والتصحيح، ويقل احتمال تحول نقده إلى خلاف شخصي مع من اقترحه. ويمتد تنظيم القرار إلى تحديد هدف الأموال المستثمرة. فقد ميّز التقرير بين توجه مكتب العائلة نحو حفظ الثروة على المدى الطويل، وتوجه الأعمال الأكثر ريادية واستعدادًا لاقتناص الفرص. وهذا يعالج اختلافًا شائعًا بين من يريد دخلًا مستقرًا ومن يبحث عن نمو ويتقبل مخاطره. فقبل السؤال عن جاذبية الاستثمار، ينبغي تحديد الغرض من الأموال: هل تحتاجها الأسرة لاستقرار دخلها؟ أم خُصصت لتوسع تجاري؟ وما حاجتها إلى السيولة؟ وما حجم الخسارة الذي تستطيع تحمله؟ وضوح الإجابات يمنع مناقشة الاستثمار نفسه بأهداف متعارضة، ويجعل تقييمه أكثر انضباطًا. وتكتمل هذه الترتيبات بمراجعة مهنية. ويُظهر الموقع الرسمي الحالي لكانو وجود أعضاء مستقلين في مجلس الإدارة، إلى جانب إطار للحوكمة ومدونة للسلوك وآلية للإبلاغ عن المخالفات. وتتيح هذه الأدوات مساءلة القرارات والممارسات متى توفرت المعلومات والصلاحيات اللازمة. لا تثبت المعلومات المنشورة أن هذه الممارسات وحدها صنعت استمرار كانو، لكنها تكشف ترتيبات يمكن الاستفادة منها: خبرة تسبق المنصب، وقناة تنظم مطالب العائلة، وقواعد تضبط الصلاحيات، ومراجعة جماعية للقرارات، وأهداف واضحة للاستثمار. ويمكن البدء بتحويل هذه المبادئ إلى سياسة توظيف، واتفاق بين الملاك، وجدول للصلاحيات، ثم اختبار استخدامها في القرارات اليومية. وتضع تجربة كانو أمام كل مؤسس سؤالًا مباشرًا: إذا غبت غدًا، فهل يعرف أبناؤك كيف يختارون المدير، ويعتمدون الاستثمار، ويحاسبون المقصّر، ويحسمون الخلاف؟ إذا كانت الإجابة تعتمد على حضورك، فبناء المؤسسة لم يكتمل بعد. يبدأ العمل بتحديد هذه القواعد وتجربتها في حياتك، حين تستطيع تصحيحها وترسيخ احترامها. فالمؤسس يترك لأبنائه ثروة، لكنه يترك لهم أيضًا طريقة إدارتها؛ وقد تتبدد الأولى إذا ترك الثانية لاجتهاداتهم.
1104
| 18 أكتوبر 2026