رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مائة يوم بالتمام والكمال مضت على انبثاق ثورة الخامس والعشرين من يناير يوم الجمعة الفائت مؤكدة قدرة الشعب المصري على استعادة حيويته التي فقدها على مدى ثلاثين عاما من حكم شديد الاستبداد والعنفوان ضده في عهد مبارك فلم يكن بالإمكان الخروج من هذه السنوات العجاف إلا عبر هذه الثورة التي شكلت تحولا نوعيا في مسار التاريخ المصري الحديث منجزة بذلك أهم ثورة اعتمدت على التحرك الشعبي وفي صدارته شباب الوطن الذين خرجوا في عفوية منظمة إلى حد ما وتمكنوا في ثمانية عشر يوما من إسقاط النظام وتهيئة البلاد لامتلاك ناصية الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وهي الشعارات التي رددتها جماهير الثورة مطالبة بالخلاص من القهر والإذلال والفقر والفساد الذي كاد يفرض سطوته على كل شيء في المحروسة وخلال المائة اليوم سعت الثورة خاصة بعد أن تولى رئاسة حكومتها رجل نابع من ميدان التحرير مركزها الرئيسي في مصر هو الدكتور عصام شرف بالتعاون مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى تحقيق جملة من التحولات المهمة في صدارتها تفكيك أسس ومحددات النظام السابق تمهيدا لإعادة بناء نظام جديد يتسق مع أهدافها وهو ما جسدته خطواتها باتجاه صياغة نسق دستوري مغاير أطلق عليه الإعلان بعد إجراء الاستفتاء على التعديلات التي تم إدخالها على الدستور السابق والتي تمثلت في تعديل شروط الترشيح لمنصب الرئاسة وتقليص الفترة الزمنية لتولي هذا المنصب الحساس بأربع سنوات على ألا تجدد إلا لفترة واحدة وإعادة الإشراف القضائي على العملية الانتخابية وغيرها من أسس أعادت الاعتبار لشفافية هذه العملية بعد أن أجهضها تماما زبانية النظام السابق على مدى العقود الثلاثة المنصرمة هذا أولا أما ثانيا فإن الثورة أطلقت حربها المقدسة ضد الفساد وأركانه والذي لم يكن أحد على دراية بحجمه ونوعيته التي طالت كل شيء تقريبا بالرغم مما كانت تكشف عنه وسائط إعلامية في مصر خلال السنوات السابقة بين فترة وأخرى وإن كانت رائحته منتشرة في أرجاء القطر إلى حد يزكم الأنوف لقد خدع الجميع في رموز كانت تحكم مصر إلى جانب مبارك والتي بدا أن أجندتها لم تكن خالصة لوجه الوطن وإنما كانت تنزع فقط للحصول على أكبر قدر من الثروة إلى جانب السلطة من خلال الحصول على أراضي الدولة بثمن بخس وبيعها بأسعار مضاعفة وكذلك الحصول على توكيلات الشركات الأجنبية مما أدى إلى تراكم الثروة في أيديهم على نحو قاد إلى بناء نوع من الطبقية الذي لم تشهده المحروسة في تاريخها تجاوز الحالة الإقطاعية التي شهدتها في ظل نظام أسرة محمد علي قبل ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 بل لقد خدعنا في حسني مبارك نفسه والذي بدأ سنين حكمه الأولى بعد انتخابه رئيسا في 1981 بخطاب يتحدث عن محاربة الفساد والتزام الشفافية والعدالة واستخدامه مفردات من قبيل أن "الكفن ليس له جيوب" وحرصه على إجراء محاكمات لما اعتبرهم من أصحاب الثراء غير المشروع في عهد سلفه أنور السادات وغير ذلك من لمسات أحسنت آلته الإعلامية توظيفها خلال هذه السنوات ولكن مع دخوله فترته الرئاسية الثانية - رغم تصريحاته بأنه لا ينوي الاستمرار في الموقع الأول في مصر- بدت الصورة تأخذ ملامح مغايرة فقد ظهر ولعه بالملابس المصنعة في الخارج وتمسكه بالسلطة ثم دخول حرمه إلى دائرتها عبر بوابة الأنشطة الاجتماعية والتي سرعان ما أصبحت تمتلك سلطة موازية لمبارك وهو ما رصدته شخصيا خلال متابعتي لأنشطة الحزب الوطني والبرلمان بمجلسيه: الشعب والشورى خلال عقد الثمانينات من القرن الفائت قبل أن أتوجه للدوحة في سبتمبر من 1988 وتنقطع صلتي بهذه المؤسسات التي أسهمت بنصيب وافر من إفساد الواقع السياسي المصري بما في ذلك قطاع من العاملين بالصحف والإعلام بمختلف اتجاهاتهما ثالثا: إن إصرار ثوار يناير على محاكمة الرئيس السابق ونجليه ورموز نظامه يعكس حالة التضخم واتساع مساحة الإجرام تجاه الشعب ليس على صعيد الفساد فحسب وإنما على صعيد إفساد الحياة السياسية من خلال الاعتماد على التزوير في تشكيل المجالس البرلمانية والمحلية وغزل القوانين والتشريعات والتعديلات الدستورية على نحو يتناغم مع مشروع التوريث الذي كان يهدف إلى توصيل الابن جمال إلى السلطة خلفا لوالده وقد كشفت الوثائق عن أن شهر مايو الحالي كان هو الشهر الذي سيشهد انطلاقه بعد أن يعلن مبارك الأب رغبته في عدم الترشح للرئاسة في عيد مولده الذي يوافق الرابع من الشهر نفسه واللافت أن أسرارا كثيرة أخذت تتكشف عن أبعاد هذا المشروع الأخطبوطي الذي وظفت كل أجهزة السلطة المصرية خاصة الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام الحكومية والقطاعات المختلفة بالدولة لتنفيذه إلى الحد الذي كان يستعد فيه جمال مبارك للإقدام على انقلاب على المؤسسة العسكرية ذاتها من خلال الإيعاز لوالده بتعيين الفريق حمدي هيبة رئيس هيئة التصنيع الحربي والذي كان رئيسا سابقا لأركان القوات المسلحة وزيرا للدفاع بدلا من المشير حسين طنطاوي وأنس الفقي رئيسا لجهاز المخابرات بدلا من اللواء عمر سليمان وكلاهما كانا يشكلان عقبة أمام مشروع التوريث ووفقا لوثائق ويكليكس فإن المشير بالذات كان مناهضا بقوة لهذا المشروع ولعل ذلك يفسر سرعة الاختيارات التي أقدم عليها المشير وأعضاء المجلس الأعلى العسكري للقوات المسلحة انحيازا لثورة الشعب والتي رأوا فيها إجهاضا عمليا وجماهيريا لهذا المشروع رابعا: أعادت ثورة الخامس والعشرين مصر إلى مسارها القومي الصحيح ودورها الإقليمي الطبيعي بحكم البعد التاريخي وعبقرية موقعها وحجمها الديمغرافي وقوتها الناعمة والتي أهدرت بداية من تولي أنور السادات السلطة خلفا للزعيم الراحل جمال عبد الناصر ثم أجهز عليها حسني مبارك وتجلى ذلك في عودة الدوائر الثلاث للسياسة الخارجية للمحروسة إلى العمل بعد توقف أو جمود وهي الدائرة العربية ثم الإفريقية ثم الإسلامية ولعل إنجاز المصالحة الفلسطينية يشكل القطرة التي تسبق الغيث ومع ذلك فإن مهاما عدة ومتنوعة مازالت مطلوبة من الثورة وبإيقاع أسرع مما يتحقق على أرض الواقع في مقدمتها الانتهاء من بناء منومة أمنية تتوافق مع معادلة الحسم والعدل ضمن محددات احترام حقوق الإنسان تسعى إلى فرض هيبة الدولة وتنحاز إلى ما يسمى بالأمن الاجتماعي بعيدا عن الأمن السياسي والذي استغرق كل طاقة وموازنة المؤسسة الشرطية في مصر خلال الثلاثين عاما الماضية خاصة العقدين الأخيرين منها والتوجه إلى صياغة السياسات والبرامج العملية للعدالة الاجتماعية والمزيد من الانحياز للفقراء والسعي إلى التخلص من رموز النظام السابق خاصة الذين مارسوا الفساد والإفساد في الأرض والسعي بقوة إلى استعادة القدرات الذاتية لبناء مشروع للنهوض الاقتصادي والاجتماعي يعيد مصر إلى سيرتها الأولى عبر مخطط يتكئ إلى القطاع العام ولا يغفل القطاع الخاص الوطني ويتجنب مساوئ الخصخصة والرأسمالية المتوحشة التي طبقتها الحكومات المتعاقبة في زمن مبارك بالطبع المرء يدرك أن المرحلة الراهنة هي مرحلة انتقالية ولعل النهوض الحقيقي مرتقب له بعد أن تسلم القوات المسلحة الحكم لسلطة مدنية بعد إجراء الانتخابات البرلمانية التي ستجرى في سبتمبر المقبل ثم الانتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم غير أن ذلك لا يعني التوقف عن الحركة الثورية النشطة التي تعيد مصر إلى عبقرية مكانها ومحورية دورها وقدرتها على الإبداع الحضاري كما كانت على مدى آلاف السنوات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10314
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8274
| 03 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2412
| 08 سبتمبر 2026