رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعمدت في رسالتي إليكم أن أستخدم مفردة الأمة وليس الدول العربية، لأن ذلك ينطوي على دلالة لعلها بديهية، مؤداها أنكم تنتمون إلى سياق جماعي واحد وليس إلى دول مختلفة، وإن احتفظت كل دولة بخصوصيتها الوطنية، ومناسبة هذه الرسالة هي اجتماعكم الثالث والأربعون بعد المائة في إطار مجلس الجامعة العربية، الذي تحتضنه القاهرة اليوم، وسأكون صريحا وواضحا معكم، ولن أخفي عنكم مشاعري كمواطن، وإن لم تختلف كثيرا عن مشاعري كصحفي مهتم بشؤون الأمة.
وبعد تقديم واجب الاحترام لكم، أتطلع إلى أن تحدثوا هذه المرة تغييرا في نوعية وطبيعة قراراتكم، والتي تنطوي على أهمية خاصة، لأنها ستحال إلى قادة الأمة في قمتهم القادمة بشرم الشيخ يومي 28 و29 مارس الجاري، لأنها تمثل المرتكز والأساس الذي تستند إليه قرارات القادة، والتي يتطلع المواطنون إلى أن تكون هذه المرة، قادرة على التجاوب مع أشواقهم، في تجاوز ما تتعرض له الأمة من حروب، وانتكاسات لثورات الشعوب وعودة الطبقات التي كانت تحكم قبل هذه الثورات، ووأد الظواهر الإرهابية التي باتت تنتشر في شرايين الأمة، مثل انتشار النار في الحطب، والأهم من كل ذلك، اتخاذ الخطوات الضرورية والتي تأخرت طويلا ربما بفعل حسابات وتقديرات موقف غير صحيحة، خاصة على صعيد تحقيق الترابط والتكامل الحقيقي، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وعسكريا.
لم يعد ثمة مجال للمزيد من الخسائر والانهيارات والتراجعات، والتي جعلت أمتنا في ذيل قائمة التطور والنهوض الحضاري، رغم امتلاكها كل مقومات البقاء في مقدمته وصدارته، سواء من حيث القدرات البشرية أو الموارد والمكونات الطبيعية والثروات، وبعضها نمتلك فيه ميزات نسبية غير متاحة لغيرنا من الأمم، على النحو الذي يتوافر لدينا، فلماذا تبقى الأمة على هذا النحو من الإقامة في ذيل القائمة؟ لماذا لا تبحثون بجدية كل المعوقات التي قادت وما زالت تقود إلى هذه الحالة التي لا تنسجم مع موروثنا الحضاري، ومنظومتنا القيمية والدينية التي تحثنا بقوة على اقتحام كل مكونات الإنتاج والتميز والعطاء الحضاري في كل المجالات؟ قد يكون هذا الأمر سابقا لأوانه، ولا ينبغي طرحه في اجتماعات زاخرة بجدول أعمال مكون من 28 بندا، تتصل بكل هموم وقضايا وملفات الأمة السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية، ولكن يا أصحاب السعادة والمعالي، لو أن الأمة عالجت من قبل هذه الأسباب والمعوقات، ووضعت الحلول لها دون تردد، لما بلغت الأمور هذا الحد من التردي في الأحوال، ولما كنا في هذه الوضعية التي نضطر فيها اضطرارا إلى الاستعانة بقوات الآخرين للدفاع لحمايتنا، من نفر خرجوا من بيننا زاعمين أنهم بصدد إعادة دولة الخلافة الإسلامية، مثلما يحدث في العراق وسوريا الآن.
ولن أذهب بعيدا عن مفردات المرحلة الراهنة، لأنني على قناعة بأن الوقت لا يسمح بالتفكير بأكثر مما تتعرض له الأمة من اضطرابات وأحداث جسام غير مسبوقة في تاريخها كله، وبالتالي فإن اجتماعكم اليوم سيلقي عليكم العبء الثقيل لتقوموا بوضع الحلول لها، حتى تبدأ الأمة في استعادة بعض من عافيتها المفقودة، بيد أن ذلك يستوجب أن تضعوا في حسبانكم بالدرجة الأولى تحقيق الحد الأدنى من التوافق والتفاهم فيما بين مواقف حكوماتكم، لأنه لا ينبغي أن يكون اجتماعكم مخصصا اليوم لتحديد ملفات وبنود قمة باتت على الأبواب وثمة خلافات وتناقضات بين بعض دولكم يمكن بمناقشات هادئة بشأنها ومعرفة مسبباتها الحد من تداعياتها وتمهيد الأجواء لهذا الحد الأدنى من التوافق والتفاهم، فلا أحد يحلم بالتوافق والتفاهم الكامل، فذلك بات ترفا، وإن كانت الروابط والعوامل القوية فيما بين دولكم التي تنتمي إلى أمة واحدة تحتم ذلك.
إن مكابدات شعوب في أقطار عربية تواجه الحروب الأهلية والمذهبية والطائفية، تستوجب منكم، يا أصحاب السعادة والمعالي وزراء خارجية الأمة، أن تسارعوا بوضع محددات واضحة وقاطعة لإنهائها، فما يجري في سوريا واليمن وليبيا فضلا عن العراق، لا يجب أن يستمر بأي حال من الأحوال، ولا ينبغي أن يكون موضعا لتباين أو مساومة، أو صفقات مع أطراف خارجية على حساب هذه المكابدات، خاصة بعد هذا السيل من التدفق في سفك الدماء والقتل والذبح للأبرياء وتدمير البنى التحتية، فضلا عن الموروث الحضاري على أيدي جماعات تفهم الإسلام بالمقلوب وليس وفق رؤية السلف الصالح والذين كانوا أكثر استنارة منها، لأنهم حافظوا على كل مقتنيات الشعوب التي دخلت في دين الإسلام، سواء بالفتح أو بالتجارة أو بغيرهما، فبقيت حتى يومنا هذا ولم تتعرض للتدمير أو التخريب أو النهب أو المتاجرة فيها مثلما يفعل "داعش" وغيره من تنظيمات الإرهاب.
الأمر جد خطير ولا ينتظر منكم سوى اتخاذ القرارات التي تنطوي على آلياتها التنفيذية حتى يمكن عرضها على قادة الأمة ليتم تطبيقها على الفور وبعضها قد لا ينتظر حتى انعقاد القمة القادمة، المهم دخولها حيز التنفيذ لحماية مقدرات شعوب الأمة وبالطبع ليس بمقدور صحفي متواضع مثلي أن يملي عليكم ما يمكن أن تقرروه في هذا الشأن، لكني على دراية بأن ثمة دراسة شاملة أعدها الدكتور نبيل العربي، الأمين العام للجامعة بعنوان صيانة الأمن القومي العربي وقدم لكم محتواها في اجتماعكم الاستثنائي منتصف يناير المنصرم وقررتم إحالتها إلى المزيد من الدراسة وأظن أنها باتت جاهزة للعرض عليكم وهناك حماس شديد من قبل الأمانة العامة للجامعة بأن تحظى ما تتضمنه هذه الدراسة من خطوات عملية ومحددة بتقديركم لإقرارها ثم إحالتها إلى القادة، خاصة أن هناك قرارا مهما أصدره اجتماعكم العادي في سبتمبر الماضي يتعلق بحماية الأمن القومي العربي وهو ما يعني أن هناك أرضية متوافرة للانطلاق منها للبدء في فرض محددات هذه الحماية حتى لا تسقط الأمة في براثن الخوف والإرهاب والتقسيم على أسس مذهبية وطائفية تريدها القوى المناهضة لها لتحقق مشروعها في إعادة رسم خارطة المنطقة وفي المقدمة الدول المنتمية للأمة.
وقبل أن أختم رسالتي حتى لا أطيل عليكم – أصحاب السعادة والمعالي – أرجوكم، لا تتجاهلوا قضيتنا الأولى والمتمثلة في استمرار الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، وغيرها من الأراضي العربية منذ أكثر من سبعة عقود، ضعوها في حساباتكم، ولكن بعيدا عن اللغة الإنشائية التي اعتدنا عليها في بياناتكم وقراراتكم السابقة، هذه المرة أتطلع إلى إجراءات جلية القسمات تفعل قرارات سابقة للقادة ولكم، بشبكة أمان للشعب الفلسطيني بمائة مليون دولار شهريا، كخطوة تسهم في صموده في وجه الهجمة الشرسة من حكومة التطرف بقيادة بنيامين نتنياهو، التي قطعت عنه مستحقاته وحقوقه المتمثلة في عائدات الضرائب والجمارك، فضلا عن تمكينه من مواجهة تهديدات الكونجرس الأمريكي الذي يمثل الذراع السياسية لهذه الحكومة بوقف المساعدات المالية، فمن الأولى بهذا الشعب؟ أليس نحن أبناء هذه الأمة التي ننتمي إليها جميعا؟.
إنني أعلم أنه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، غير أنني أحلم هذه المرة بأن تشهد اجتماعات اليوم، إشارات على انبثاق روح عربية جديدة لتغزل زمانا، بصراحة، اشتقنا لأن نبصره بأعيننا ونلمسه بأصابعنا، خاصة أنني على دراية بأنكم تمتلكون جميعا حسا قوميا رفيع المستوى ورؤية واسعة الأفق لقضايا الأمة.
لكم مني المحبة والسلام..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4341
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3156
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1209
| 28 سبتمبر 2026