رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عند الحديث عن حركة حماس الفلسطينية فالسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو (لماذا لا تستطيع إسرائيل الاعتراض على الدعم والاحتضان القطري لحركة حماس أو تقديم الشكاوى بحقها لمجلس الأمن الدولي) رغم حالة العداء مع الكيان الصهيوني أو على الأقل عدم وجود اعتراف رسمي بين الجانبين؟؟
الأردن مثلا في عهد الراحل الكبير الملك حسين بن طلال كان يحتضن هذه الحركة - رغم توقيع معاهدة السلام (وادي عربة) - لا بل دافع عن حركة حماس بشراسة عندما جرت محاولة اغتيال مشعل والجميع يعرف كيف تصرف الأردن ودافع أيضا عن كرامته وسيادته الوطنية وأجبر الحكومة الإسرائيلية على توفير العلاج للسيد خالد مشعل والإفراج عن الشهيد مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين رحمه الله تعالى ووقفت إسرائيل عاجزة أيضا أمام الموقف الأردني فلماذا؟؟
للإجابة على السؤال أعلاه نقول إن طبيعة المعالجة هنا ليست سياسية بقدر ما هي قانونية تأصيلية وهي لا تدخل في باب الصراع الفلسطيني الداخلي وليست ترويجا لحركة بعينها لأن ما ينطبق على حماس ينطبق بالضرورة على باقي الفصائل الفلسطينية المقاومة أو حتى حزب الله اللبناني الذي كنا نعتبره حتى عهد قريب حركة مقاومة عربية لحين انحراف بوصلة البندقية لديه نحو الشعب السوري لا الاحتلال الإسرائيلي ففقد بذلك جوهره المقاوم وأصبح ورقة إيرانية توظف وفقا لمصالح المشروع الصفوي لا العربي في دحر الاحتلال.
قبل تقديم إجابات على السؤال ننوه هنا لمسألة بالغة الأهمية فقياسا مع الفارق حول انحراف حزب الله اللبناني من حالة مقاومة عروبية لفصيل إيراني نقول بأن الحكمة العربية تستدعي احتضان المقاومة الفلسطينية وعدم تركتها لقمة سائغة تتقاذفها المشاريع الدولية ومصالحها في المنطقة ونؤكد على فكرة أساسية ذكرناها في مقال سابق بأن دفع حماس للحضن الإيراني بإضعاف أو محاصرة الدعم القطري لها جريمة بحق العروبة سيذكرها التاريخ، لذا كان من الواجب على شرفاء الأمة احتواء القرارات القضائية المصرية المشوبة بعيوب مخالفة القانون المصري والقانون الدولي لدخول التأثير السياسي والأمني عليه الأمر الذي أفقد القضاء استقلاليته ودفع باتجاه اعتبار حماس تنظيما إرهابيا لاسيَّما أن هذه الحركة المقاومة لم تمثل بأي شكل أمام القضاء المصري لبسط دفاعها عن التهم المسندة إليها تحت بند (أمور مستعجلة) مما يشكل إجحافا وإهدارا لحق الدفاع الطبيعي ويجعل الحكم بالنتيجة متهاترا لا لون ولا طعم ولا رائحة له لافتقاره للحجية وخلوه من القانون ومما يعجب له المرء أن من كان يتم دعوته للحضور إلى القاهرة قبل أشهر بات بقدرة قادر إرهابيا!!
باعتقادي أن أهم وثيقة عربية تصدت لهذا الموضوع كانت "وثيقة مفهوم الإرهاب والمقاومة " بمبادرة من مركز دراسات الشرق الأوسط والصادرة في شهر مايو عام 2003 كرؤية عربية إسلامية لمجموعة منتخبة من المفكرين العرب من خمس عشرة دولة عربية تجاوز عددهم المائة والخمسين شخصية من الشخصيات الوازنة والمختصين والخبراء وقد جرى تنقيحها وإعدادها مرورا بخمس مسودات وبعد ذلك توقيعها من رؤساء وزارات سابقين وحقوقيين ومفكرين وسياسيين وأكاديميين وكتاب وأساتذة جامعات وصحفيين ومحاضرين ومسؤولي مراكز الدراسات، أما جنسيات الموقعين فلقد شملت دول الأردن وسوريا ولبنان والعراق واليمن والسودان والبحرين والسعودية والكويت والإمارات والجزائر والمغرب وتونس بالإضافة طبعا إلى قطر وفلسطين ومصر التي وقع منها لوحدها أربع وعشرون شخصية مثل الدكتور عبدالعزيز حجازي رئيس الوزراء المصري الأسبق والدكتور سعدالدين إبراهيم واللواء طلعت مسلم والأستاذ فهمي هويدي والدكتور محمد فائق والدكتور محمد سليم العوا والأستاذ صلاح عبدالمقصود وآخرون..
ورغم أن الوثيقة صادرة في العام 2003 إلا أنها تحدثت عن واقعنا العربي اليوم ولفتت إلى حالة الانتقائية في التطبيق لقواعد القانون الدولي والشرعية الدولية وتوظيفها سياسيا في الصراع والكيل بمكيالين عندما يتعلق الموضوع بالقضايا العربية وعزت ما تقدم كسبب رئيسي في زيادة أعمال العنف في مناطق مختلفة من العالم وتحدثت عن عدم وجود مفهوم موحد جامع مانع الإرهاب خصوصا أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت بعمليات التفاف حول هذا المفهوم لأغراض سياسية ولحرمان الشعب الفلسطيني تحديدا من حقه في المقاومة المشروعة للاحتلال الإسرائيلي المخالف لكل الشرائع والمواثيق الدولية.
تقول الوثيقة:
" ومع الإقرار العالمي بحق تقرير المصير، في مداولات الأمم المتحدة، وفي الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية لعام 1966، وبتحوله من مجرد مبدأ إلى حق قانوني، فقد أصبح من المحتم القول بأنه يقع على كل دولة واجب الامتناع عن الإتيان بأي عمل قسري يحرم الشعوب غير المستقلة من حقها في تقرير مصيرها سواء أكانت خاضعة للاحتلال أم للاستعمار".
وهنا نقول إن القرار القضائي المصري باعتبار حركة حماس إرهابية هو من قبيل الأعمال القسرية التي تحرم الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير باعتباره شعبا تحت الاحتلال.
وتستطرد الوثيقة في حديثها عن الفهم المعياري والموضوعي للأمم المتحدة وما خلصت إليه مداولاتها من اعتبار الاحتلال والاستعمار والهيمنة والنفوذ بعد الاستعمار كأحد أسباب العنف فجرى بذلك تمييزه عن الإرهاب ككفاح مسلح مشروع ومن أنشطة حركات التحرر الوطني فتضيف:
" وفي إطار هذا المفهوم عقدت الجمعية العامة ثلاث عشرة اتفاقية دولية واستندت في موقفها هذا إلى العديد من القرارات والتوصيات الصادرة عنها، ولعل أولها توصيتها رقم (1514) لسنة 1960 الخاصة بمنح البلدان والشعوب المستعمرة استقلالها، والتي اشتهرت فيما بعد بقرار "تصفية الاستعمار" وكذلك توصيتها رقم (3103) لسنة 1973 بشأن المبادئ المتعلقة بالمركز القانوني للمقاتلين الذين يكافحون ضد السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي والنظم العنصرية، لا بإضافة المشروعية على عملهم فحسب، وإنما بشمول هؤلاء المقاتلين أيضاً بقواعد القانون الدولي المعمول به في النزاعات المسلحة مثل اتفاقيات جنيف لعام 1949 الخاصة بجرحى الحرب وأسراهم وحماية المدنيين".
هنا نذكر الإخوة في مصر بأن "أم الدنيا" كدولة راسخة في المنطقة قد وقعت على جميع الاتفاقيات وأسهمت في إعداد التوصيات المذكورة ولا يجوز بحال أن تسمو التشريعات الداخلية على الاتفاقيات الدولية والقرارات ذات الصلة باعتبارها جزءا من المنظومة القانونية للدول المصادقة عليها مما يجعل القرار القضائي باعتبار حماس حركة إرهابية مخالفا للقانون والتشريع الوطني المصري نفسه وكذلك مخالفا للاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها الدولة المصرية.
وتأكيدا على ما تقدم فنشير هنا إلى ما أوردته هذه الوثيقة المهمة بقولها:
".... وفي هذا السياق اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة مرارا بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف مثل قرارها رقم (3236) لعام 1976.. وبحقه في استرجاع حقوقه بالوسائل المتاحة كافة بما في ذلك الكفاح المسلح".
وتعليقا على ذلك نقول إننا يحدونا الأمل برجوع الدولة المصرية إلى مكانها ووضعها الطبيعي المفترض في دعم حركات التحرر الوطني في العالم وعلى رأسها حماس بغض النظر عن أي صراع داخلي مصري وعدم تصدير أزماتها الداخلية للخارج وضرورة العودة لممارسة دورها التاريخي في الدفاع عن الحقوق العربية المسلوبة وألا تمارس الوصاية على القضاء ليعود عن اجتهاده وقراره الغريب إلى الحق الذي هو أولى بالاتباع لاسيَّما أن اعتبار حركة حماس تنظيما إرهابيا يعطل ويوقف الجهد المصري في إنجاز المصالحة الفلسطينية البينية والتي يستفيد الاحتلال فقط من حالة الانقسام الحاصلة أو من هكذا قرارات قد تعمم لتطال جميع فصائل المقاومة الفلسطينية أو حتى حركات التحرر للشعوب ونضالها في سبيل الحرية وهنا وبكل وضوح فإنني أدعو القيادة القطرية الحكيمة الراشدة لأحداث التوازن كبديل نزيه وموضوعي لحالة التخلي السياسي المصري عن القضية الفلسطينية بتوفير الغطاء الأبوي للأطراف الفلسطينية لاستكمال مشروع المصالحة بجهد قطري عرف عنه تاريخيا دعوته للوفاق ونزع فتيل الأزمات في حتى يعود القرار السياسي المصري إلى رشده ولقد بات من الواضح أن السياسة المصرية قد فقدت توازنها.
عودا إلى البدء وحول التساؤل عن عدم قدرة الاحتلال الإسرائيلي الاعتراض على دولة قطر مثلا في دعمها للشعب الفلسطيني فإن الإجابة قدمته هذه الوثيقة المهمة بقولها:
" كما أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تقديم دول العالم المساعدات للشعوب التي تناضل في سبيل تقرير المصير، وأن تساعد جهود الأمم المتحدة في هذا المضمار، حيث يمكن لهذه الشعوب أن تتمتع بدعم خارجي في الكفاح المسلح الذي تخوضه ضد دولة استعمارية أو عنصرية أو الاحتلال الأجنبي، دون أن تحتج الأخيرة بأن هذا الدعم يعد من قبيل التدخل في شؤونها الداخلية وذلك وفق قرار الجمعية العامة رقم (3070) لعام 1973 في البند الثاني والثالث".
ومن هنا كان الدعم القطري للشعب الفلسطيني مشروعا مائة بالمائة لا بل واجب على كل دولة عربية وإسلامية في سبيل تحرير فلسطين أو أي جزء منها بكافة الوسائل المتاحة.
في المقال القادم سنتحدث عن مفهوم الإرهاب ومشروعية التصدي له سواء أكان إرهاب دولة أم جماعات أم أفراد بالاستناد لهذه الوثيقة المهمة ويبقى أن نقول إن من يقوم بتصنيف حركة مقاومة مثل حماس وكتائبها أو من يدعمها تحت خانة الإرهاب يمكن أن يضع أي شيء تحت بند الإرهاب ولو كانت الأزهار التي تنبت في الربيع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5748
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2985
| 29 سبتمبر 2026