رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بالأمس احتفل العالم باليوم العالمي للمرأة، وهو عادة سنوية تعبيراً عن إنجازات المرأة في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وقد اعتبر يوم الثامن من مارس من كل عام في فلسطين وكوبا وروسيا الاتحادية والصين يوم عطلة للنساء، وتعود جذور الاحتفال بهذه المناسبة إلى انعقاد أول مؤتمر للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي الذي عقد في باريس عام 1945 ويعتبر هذا الاتحاد الديمقراطي للنساء الرديف للأحزاب الشيوعية في ذلك الزمان.
لقد اختلف المهتمون بأمر هذه المسألة في بدء الاحتفال بها، البعض يقول إنها نتيجة لمؤتمر باريس عام 1945 والبعض الآخر يردها إلى عام 1857 وهو خروج آلاف النساء للاحتجاج في شوارع مدينة نيويورك على الظروف اللا إنسانية التي تمارس ضد المرأة وإجبارها على العمل تحت ظروف قاسية بحقوق أقل، الأمر الذي جعل شرطة المدينة تتدخل بطريقة وحشية لتفريق المظاهرات، وفي الثامن من مارس من عام 1908 قامت النساء العاملات في مصانع النسيج بالتظاهر من جديد في مدينة نيويورك وكن يحملن لافتات لم تكن مسبوقة في أي مظاهرة احتجاجية وهي: "قطع من الخبز المجفف وباقات ورد"، وكان شعار تلك المسيرات "خبز وورد"، كانت تهدف المسيرات إلى المطالبة بتخفيض ساعات العمل بالنسبة للمرأة ومنع تشغيل الأطفال وحق المرأة في المشاركة السياسية، وفي عام 1977 اعتمدت الأمم المتحدة الثامن من مارس يوماً عالمياً للمرأة.
لقد حققت المرأة الأوروبية الكثير من مطالبها عبر مراحل تاريخية طويلة رغم قسوة الكنيسة (رجال الدين المسيحي) في الغرب، لقد كان رجال الدين المسيحيون ينظرون إلى المرأة على أنها مصدر إفساد للإنسان وهي فخ الشيطان وهلاك الروح، لقد وصفها يوحنا بقوله الشهير ليس هناك بين كل وحوش الأرض المفترسة من هو أشد أذى وضرراً من المرأة، وقد قال الفلاسفة الغربيون الكثير عن المرأة ويقع اختياري للفيلسوف الروماني نيتشه إذ يقول "المرأة خلقت لخدمة الرجل ولا تكون إلا تابعة له أما الرجل فخلق للحرب، والمرأة لاستراحة المحارب.. لكن المرأة الغربية استطاعت مواصلة نضالها من أجل استرداد حقوقها في الغرب وما انفكت تعمل لتوسيع دائرة نفوذها.
(2)
لقد سبقنا نحن معشر العرب منذ عصور ما قبل الإسلام كل الأمم في نيل المرأة حقوقها، فهذه ملكة سبأ التي أقامت علاقة ود مع النبي سليمان عليه السلام وقامت بزيارته في القرن العاشر قبل الميلاد وعلى أثر تلك الزيارة راجت التجارة بين الشام واليمن، لم تكن ملكة سبأ المرأة اليمانية التي كان لها شأن في التاريخ وإنما لحقت بها "أروى بنت أحمد" التي حكمت اليمن وعسير ونجران وعمان، وكانت ملكة محبوبة عند شعبها، ونذهب بعيداً عن اليمن فنجد هند بنت النعمان ملك الحيرة كانت تقود الجيوش لحماية ثغور العراق من الغزوات واستطاعت أن تحقق انتصارات على كل الغزاة "سميراميس" الملكة الأسطورة من أهل العراق، حكمت العراق وقادت حملات عسكرية لتوسع دائرة نفوذ العراق فقادت جيشاً جراراً لغزو مصر والحبشة، وجهزت جيشاً لغزو الهند لكنها لم توفق في غزوتها تلك.
(3)
في صدر الإسلام كان للمرأة العربية شأن كبير، فهذه أم حكيم لعبت دوراً أساسياً وشجاعاً في تحرير مصر من الرومان، وتمكن جيش الروم من أسرها ولكن عمرو بن العاص أنقذها من الأسر، وهذا عمر بن الخطاب الخليفة الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عين امرأة قاضية كي تبت في الخلافات المالية بين التجار، وتصدر أحكامها الإلزامية بين الناس، وكانت تقمع الغش في التجارة وتحارب الفساد والربا، وكانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وفاطمة بنت عباس كانت تصدر الفتاوى وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
ما هو حال المرأة في وطننا العربي اليوم؟ لقد نالت المرأة في بعض الدول العربية بعضاً من حقوقها السياسية والاقتصادية والثقافية إلا أنها ما برحت في حدودها الدنيا، وفي بلاد عربية أخرى ما برحت المرأة تطالب بأبسط الحقوق وهو حقها في قيادة السيارة.
لا يخالفني الكثير من أهل الرأي بأن المرأة العربية تتعرض لأقسى وأشد وأعظم صنوف التعذيب والامتهان دون أن يتحرك ضمير العالم ودون أن يتحرك ضمير القيادات السياسية العربية ولا حتى أولئك المتشددين في تحجيب المرأة للدفاع والثار للمرأة العربية التي تعاني، ماذا حدث ويحدث لنساء العراق في السجون والمعتقلات حالات اغتصاب جماعي كما عبر عن ذلك شهود الوقائع، لقد بلغ الحال بصرخات سجينات في المعتقلات العراقية يطالبن أسرهن والمقاومة العراقية للاحتلاليين بتدمير السجون والمعتقلات فوق رؤوسهن، فقد أصبحن حاملات سفاحاً (راجع كتاب: المرأة العربية في المواجهة النضالية والمشاركة العامة ص 15) وانتهاك أعراض أسر خارج السجون دون رادع، وما الذي يحدث للأسيرات الفلسطينيات في السجون والمعتقلات الإسرائيلية من ذبح عفافهن وكبريائهن وامتهان كرامتهن، وماذا يحدث اليوم في سوريا، بل ماذا يحدث في السجون العربية للنساء اللاتي جار عليهن الزمن وأودعن السجون والمعتقلات، نحن نحتاج إلى صرخة شعبية عامة تقول (وا معتصماه)!! نريد حركة نسوية عربية جامعة كما فعلت نساء مدينة نيويورك اللاتي أشرنا إليهن أعلاه يحملن "الخبز والورد" ويكون شعار مسيرتهن "أنقذوا شرف وعفاف أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم من الدنس".
• آخر القول: يجب أن يكون يوم المرأة العربية يوماً مشهوداً دفاعاً عن أمهاتنا وبناتنا وأخواتنا من كل اعتداء ويجب إعطاؤهن حقوق المواطنة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ومساواتها بالرجال في الحقوق والواجبات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12189
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10896
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3690
| 22 أكتوبر 2026