رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في حين تتصاعد الثورة السورية ويُضيِّق المجتمع الدولي والغربي والعربي والتركي الخناق على النظام هناك ويصل الأمر إلى سحب سفراء وطرد سفراء بالجملة ويتوجه الملف السوري إلى مؤسسات دولية نافذة وصار النظام يخسر كل يوم رفقاء وأصدقاء وحلفاء بعد أن فقد توازنه السياسي وغطاءه الوطني .. يرد النظام السوري على كل ذلك عمليا بمزيد من القتل العشوائي لشعبه والتمادي أكثر وأكثر في كشف نفسه وإحراج حلفائه أخلاقيا ودبلوماسيا ، ويرد كلاميا بصفصفة المصطلحات اللغوية وتوزيع الاتهامات المجانية على من يسميهم أعداء سوريا والأعراب وعملاء الغرب .. ويا للأسف إن متكلما سوريا – رسميا أو شبه رسمي – وهو من المعدودين والمشتهرين هناك وعبر فضائية للنظام وحواشي النظام يقول مخاطبا ومهددا ومتوعدا شعبه : إننا لم نستخدم القوة بعد ، وإن لدى سوريا جيشا تعداده كذا وكذا ودباباته كذا وكذا ويستطيع أن يفعل كذا وكذا وكذا .. إلى آخر هذه التهريفة من التهديدات التي لا تعبر إلا عن نظام مأزوم فقد توازنه وشرعيته الأخلاقية وصار يرى نفسه في مواجهة مفتوحة مع شعبه ومناصري شعبه .. وأقول :
هذه الصنعة الزهيدة البائسة ( التي تقوم على القتل وتوزيع الاتهامات ) لن تقدم ولن تؤخر شيئا على مستوى صناعة الحل والخروج من الأزمة, فالقتل الذريع الذي نرى النظام يوغل ويتزايد فيه متوهما وموهما أنه قادر على ممارسته كل الوقت لأنه محصن بالموقف الروسي والصيني لا يمكن أن يحسم معركة أحد طرفيها الشعب بعموميته وبكل فئاته وتلاوينه الفكرية والطائفية والسياسية والطرف الآخر فيها فئوي مذهبي طائفي حزبي صار في نظر شعبه محتلا أجنبيا ومقارنا بالاحتلال الصهيوني ! وما يطلقه متكلمو النظام من الاتهامات لا يسمعها ولا يقتنع بها إلا هو وأعوانه ولسوف تطير أدراج الرياح دون أن تغني عنه شيئا لا بالنسبة للخارج البعيد الذي له مصادر معلوماته ولا بالنسبة للداخل القريب الذي طغت على مسامعه لغة الدم والهدم والوقائع المتناثرة والمتفاقمة في كل مكان .
وهل سأل النظام السوري والمتحدثون في الدفاع عنه أنفسهم إلى أي مدى يمكن أن يظل الموقف الروسي والصيني مؤازرا لهم خارج منظومة الأخلاق الإنسانية والأعراف الدولية ؟ وهل من ضمانة أن لا ترتد ماكينة القتل الرسمي عليه كنظام وعلى الروح الوطنية وعلى الجيش ذاته ؟ وهذا الواقع شاهد فالثورة السورية اليوم أعلى منها قبل أمس وقبل أسبوع وقبل شهر ، والانشقاقات مهما استصغرها أو أنكرها النظام هي حقيقة واقعة ومتفاقمة.. وحتى لو صدقنا جدلا أنها انشقاقات استثنائية وأنها قليلة فهي بالتراكم والانتقال أو بنظرية الملء والفيضان ستكون كثيرة وكبيرة ومؤثرة .. والقتل يستجر القتل والدم يستدعي الدم والهدم يقابله الهدم ، ومن كان يسكته بالأمس واليوم أنه بعيد عن الأحداث هل سيبقى ساكتا بعد أن تدخل حيه وبيته وأسرته وبعد أن يشيع حبيبا أو قريبا أو صديقا ؟
وللأسف أن ذاك الذي يستكثر على شعبه ومواطنيه بدبابات جيشه وبطياراته وبعديد جيشه قد نسي أن الجيش في المفترض هو جيش الشعب وحاميه وهو منه وله ، ومنه تمويله وتسليحه .. وغفل عن أنه بذلك يحول الجيش من جيش الشعب وجيش الوطن إلى جيش النظام والعائلة والطائفة والفكرة والحزب وصار ما يحكم العلاقة بين الشعب ونظامه وجيشه عقلية المغالبة وكسر العظم .. وحينئذ فما قيمة الأوطان وما الأرضية التي ستجمع الوطن والتي سيتحرك عليها الجيش ؟
السؤال لهؤلاء ( الفلاسفة الأشاوس وللقنوات الفضائية التي توفر لتهريفاتهم وتخريفاتهم مساحات وساعات اليوم نهارا وليلا ومع كل حدث ليتبجحوا على قومهم ويتمططوا على شعبهم بالمواقف الوطنية والقومية للنظام ) السؤال : هل كانت تلك المواقف محمية بالجيش وحده وبالقوة العسكرية المجردة فقط ؛ أم كانت محمية بمعادلات الوحدة الوطنية وباستعداد الشعب لتوفير حاضنة وطنية له ؟ وهل سوريا بجيشها عديده وعتاده ودباباته وطياراته هل هي أقوى من العراق عشية غزته أمريكا وأسقطته في يومين بعد أن وفرت لنفسها ولغزوها قاعدة انطلاق داخل العراق نفسه ( بصرف النظر عن كونهم بعيدين أو قريبين من المنطق الوطني والقومي ) هذا ما يجب أن يفهمه النظام السوري والمتكلمون باسمه والمتطاولون على شعبهم المظلوم المقهور بقوة جيشهم واستعدادهم للمغامرة في الدماء البريئة ..
وأما أن قطر وتركيا ودولا أخرى يتدخلون في الشأن السوري الداخلي – ولست متكلما هنا باسم أحد منهم وإنما بمنطق المناقشة الموضوعية والجدال المنطقي - هل يستطيع أحد أن يزعم أن هاتين الدولتين تحديدا - قطر وتركيا - كانتا قبل يوم واحد من الثورة السورية ومن المجازر التي ارتكبها النظام بحق شعبه متهمتين بالتدخل في الوضع الداخلي السوري ، أو بأنهما تدعمان جهة أو طائفة أو تيارا أو شخصا على حساب النظام ؟ أم أن العكس تماما هو الصحيح ، وأنهما كانتا مع سوريا ونظامها وحلفائها وكانتا تسميان النظام السوري بالشقيق والحليف والأخ ووقفتا معه في كل المواقف الوطنية والقومية وفي السراء والضراء ! والسؤال : هل عليهما أن تقفا متفرجتين بل مؤيدتين لهذا الشر المستطير على حساب الشعب الذي هو أصل الشرعية وأساس السلطة لتخرجا من الاتهام والافتراء ؟ وإذا رفضتا الحل الأمني والعسكري واستجابتا لنداء الدم فهل تصيران مدانتين ومتهمتين بالتدخل في الشأن الداخلي السوري ؟ وأي شأن داخلي هذا الذي يسمح لنظام أن يتحول إلى عصابات وميليشيات تقتل المدنيين وتذبحهم على الهوية وتقصف القرى والمدن على اسمها وتوظف الشبيحة للقتل بثلاثة آلاف ليرة يوميا ؟
آخر القول : واضح من التصعيد الذي يقوم به النظام السوري ضد شعبه منذ الفيتو الروسي – الصيني في مجلس الأمن ضد مشروع القرار أنه – أي النظام – يشعر بالحصانة والحضانة للقيام بمزيد من القتل وسفك الدماء ، ويبدو أن المتحدثين باسمه لا يملكون أكثر من الثرثرات الإعلامية .. ما يعني أن المشكل السوري مرشح للتفاقم وللتدويل ولتداخلات معادلات كثيرة وغير متناهية خاصة وعامة داخلية وخارجية .. وهو ما يجب أن يفهمه ولم يفهمه حتى الآن النظام السوري الذي صار يعاكس كل مصالحه وبات يخسر كل حلفائه ..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
5235
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3837
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3153
| 30 أكتوبر 2026