رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ها قد تكالب حلفاء المجرم الطاغية السفّاح القاتل "بشار الأسد" من كل حدب وصوب على سوريا وأهل سوريا ممن آمنوا بربهم ورفضوا الركوع إلا لله تعالى .. تكالبوا وتداعوا عليهم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ينهشون جسدها ويغتصبون طهرها وينجّسون ترابها ويعيثون فيها فساداً وقتلاً وترويعاً للمؤمنين الآمنين الموحّدين لربّهم لا المشركين بربهم والمتخذين من دونه أرباباً كما يفعل أعداؤهم المتكالبون عليهم والمتحالفون ضدهم.
لقد كان العدوان الثلاثي المعروف على مصر من قبل بريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني في خمسينيات القرن الماضي هو محاولة لإجبار مصر العربية المسلمة وتركيعها وإخضاعها لسيطرة هذه الدول المتآمرة الحاقدة على مصر وأهلها .. وهو في النهاية عدوان مبرر نوعاً ما لأنها حرب صليبية صهيونية ضد الإسلام والعالم العربي والإسلامي بأسره، أما العدوان الجديد في سوريا فإنه عدوان ثلاثي بل خماسي من نوع آخر.
هو عدوان ثلاثي منذ البداية .. من أنصار هذا المجرم "قاتل الأطفال" والعميل للصهيونية وحامي حماها .. عدوان من ثلاث جهات هي إيران ولبنان والعراق ورابعهم كلبهم "بشار الأسد"، وهو عدوان خماسي الآن بعد أن أصبح من خمس جهات هي إيران ولبنان والعراق وروسيا والصين وسادسهم كلبهم "بشار الأسد".. وعذراً لو اقتبست من سورة الكهف تلك الإشارة في العدد، وحاشا لله أن أقصد الإشارة في المعنى، فأهل الكهف فتية آمنوا بربهم وتفضل عليهم ربهم بأن زادهم هدى, لكن هؤلاء المجرمين لم يخافوا من ربهم بل ولم يطيعوه واتخذوا من دونه أربابا، وأهل الكهف فتية خلّد لنا الله تعالى ذكرهم في كتابه الكريم وأشار إلى معيّة "كلبهم" لهم في الكهف في إشارة إلى علو مكانته رغم نجاسته البدنية، ولكنه - أي كلب أهل الكهف - علا شأنه عندما لزم هؤلاء الفتية المؤمنين ورافقهم في الكهف هاربين بدينهم وإيمانهم وعقيدتهم من أهل الشرك والكفر والضلال، أما ما حدث من عدوان ثلاثي أو خماسي بمعيّة "كلبهم" فإنه على العكس تماماً حيث "تنجس" هؤلاء المجرمون بمعية هذا الظالم الفاجر السفّاح قاتل الأطفال "بشار الأسد" وتلطّخت أيديهم بدماء الأبرياء والأحرار من شعب سوريا المسلم، وليس بغريب هذا التحالف من الاشتراكيين والشيوعيين وغيرهم من المشركين في هذه الإبادة الجماعية لهذا الشعب المسلم لأن ذلك يتوافق مع حقدهم الدفين على الإسلام وأهله، فهم كانوا ومازالوا ينتظرون الفرص حتى يحاربوا الإسلام والمسلمين ويطفئوا نور الله .. ولكن هيهات يفعلون .. قال تعالى ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ) وقال تعالى ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)، وليس بغريب أن تتكالب على أهلنا في سوريا هذه الضباع والسباع والوحوش الضارية لتدعم حاكمها بالمال والسلاح والتأييد المطلق لإبادته لشعبه .. كما فعل منذ اندلاع الثورة السورية المباركة، وهذا ما جعل المجرم يزيد في إجرامه ويطلق عنان همجيّته ووحشيّته بل ويطلق كلابه من أجل قتل وترويع الآمنين المؤمنين، ناهيك عن انتهاكهم للحرمات وقتلهم الأطفال واغتصابهم النساء وهدمهم البيوت وانتهاكهم لحرمات المساجد وإحراقهم للمصاحف دون مراعاة لحرمة رمضان ولا غيره من الشهور فمثل هؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث والنشور ولا باليوم الآخر.. أنّى لهم أن يرتدعوا خاصّة بعد أن وجدوا دعماً لا محدود من أصدقائهم وحلفائهم في إيران وعلى رأسهم أحمدي نجاد وفي العراق وعلى رأسهم نوري المالكي وفي لبنان وعلى رأسهم حسن نصر الله الذي كشف لنا قبح وجهه الآن ومن قبل في حرب جنوب لبنان الأخيرة التي تبين فيها مدى قذارة أساليبه ومدى دناءة حقده على أهلنا في لبنان حيث تعمّدوا في "حزب الله" إطلاق صواريخهم "العميلة" من قرى أهل السنة والجماعة لكي تقوم القوات الإسرائيلية بالرد على مصدر تلك الصواريخ فتصيب قرى سنيّة فتتحقق بذلك أهدافهم "الشريفة" في الدفاع عن "عقيدتهم" بأسلوب أقل ما يقال عنه بأنه "حقير" كيف لا وهو يتشابه مع ذلك الأسلوب الذي انتهجه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عندما فضحته الوثائق السرّية بأنه قد أصدر أوامره للقوات الأمريكية الغازية بإطلاق النار على مدنيين من أهل السنة بصورة تجعلك تتقزز من هذه الأساليب الدنيئة والحرب الطائفية الشنيعة التي يقودها رموز هذه الإبادة في تلك الدول.
وجميعنا يدرك بأن في إيران فئة مؤمنة موحّدة تناهض هذه الحرب الطائفية والإبادة الجماعية ضد إخوتهم في سوريا، وكذلك الحال في العراق ولبنان حيث يأبى هذان الشعبان الأصيلان أن يشارك أحد من وطنهم من قريب أو بعيد في هذه الحرب القذرة ضد شعب سوريا المسلم المسالم، وأعلم أن أغلبهم يتبرأون من أفعال وجرائم حكومة المالكي الطائفية البغيضة ومن أفعال وكذبات حزب "الشيطان" في لبنان الذي يستمد قوّته وتمرّده وعصيانه من الخارج بشكل يؤكد بصورة قطعية عدم ولائهم لوطنهم ولا لقضايا أمتهم الإسلامية طالما أنهم يمكرون بشعب مسلم في سوريا وفي لبنان من قبل ومن بعد، وجدير بالشعب العراقي واللبناني الأصيلين أن يقفا ضد هذا التخاذل من قبل المرتزقة في العراق أو الخونة في لبنان الذين تلطّخت أيديهم بدماء الشعب السوري وأن يطالبوا بطردهم إلى حيث تقع ثكنتهم العسكرية التي يتلقون منها تعليماتهم ومخططاتهم الإجرامية.
نعم هو عدوان ظالم غاشم ثلاثي أو خماسي من تلك الجهات التي عرفناها وآخرين لم نعرفهم ولكن الله يعرفهم ويمكر بهم، عدوان قذر على شعبنا المسلم في سوريا التي ما اكتفى حاكمها بما فعله والده الهالك من ظلم وقتل لأهلها، فإذا به يريهم القتل والتنكيل والتعذيب وشتى صنوف العذاب، ظانّاً بأنه سينجو بفعلته هذه أو أن الإعلام والرأي العام العالمي سيدعه وشأنه في قتل شعبه كيفما يشاء، فوالله الذي لا إله غيره، إن دماء الشهداء والأطفال لن تذهب سدى ولن ينفعه ولن ينجيه من عقاب الله لا "فيتو" من روسيا ولا الصين ولا العالم بأسره .. ألا إن نصر الله قريب.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
13683
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1440
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
801
| 10 فبراير 2026