رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جدد الاعتداء الذي وقع أخيراً على رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان، ونجم اللعبة الوطنية الباكستانية المفضلة للباكستانيين (الكريكيت)، الحديث عن اعتداءات سابقة على رؤوساء حكومات سابقين، كان من بينهم بي نظير بوتو قبل 15 عاماً، حين كانت تخاطب حشداً من أتباعها في مهرجان انتخابي، في (راولبندي) قرب العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وذلك بعد عودتها من المنفى الاختياري، بتنسيق وترتيب مع الرئيس الباكستاني يومها برفيز مشرف، وقبل هذا الحادث بأكثر من نصف قرن قُتل رئيس وزراء باكستان لياقت علي خان في المكان نفسه تقريباً الذي قُتلت فيه بي نظير، وهو المكان الذي أُعدم فيه والدها بعد انقلاب ضياء الحق 1977، لكن يبقى الخيط السري بين كل هذه الأحداث، هو عجز القضاء الباكستاني عن الكشف عن الجهة الفاعلة والمنفذة والمدبرة لمثل هذه الحوادث، فضلاً عن معاقبتها، ويبدو أن هذه سمة الاغتيالات السياسية ليس في باكستان وحدها، وإنما في العالم كله.
على مدى أشهر ثمة آلية لضخ الدعايات ضد عمران خان، تتمثل في القول بأنه لا يحترم المقدسات، ويزدري أحياناً بها، ويستشهدون على ذلك بعدم إرفاقه الصلاة على النبي محمد، عليه الصلاة والسلام، حين يُذكر اسمه، ويعتقد المؤيدون لعمران خان أن هذه الدعاية هدفها خلق جو باكستاني، يدفع أحد الأفراد إلى اغتياله والتخلص منه، تماماً كما أقدم قبل سنوات مرافق سلمان تسير حاكم إقليم البنجاب على قتله في إسلام آباد، بعد أن اتهمه بالتجديف بحق النبي، عليه الصلاة والسلام، ويقول المؤيدون: إن هذا ما حصل مع المتورط بمحاولة اغتيال عمران خان، الذي أرجع سبب محاولة اغتياله في مقطع الفيديو الذي ظهر سريعاً بعد القبض عليه، إلى عدم احترام عمران للدين، حيث كانت الموسيقى تصدح خلال أوقات الأذان، ونحوها من اتهامات كالها المنفذ في مقطع الفيديو الذي نُشر له، وقد أسفر الهجوم في حينه عن مقتل شخص واحد، وجرح 14 آخرين من بينهم عمران خان الذي أُصيب في ساقه.
عمران خان 70 عاماً، السياسي الحديث على السياسة الباكستانية مقارنة بسياسيين حازوا عليها بالتوريث، وهو البشتوني العنيد، ونجم الكريكيت العالمي في الثمانينيات، يوم فاز بالكأس العالمية، فاكتسب شهرة باكستانية غير مسبوقة، فتبوأت باكستان في عصره مكانة عالمية في رياضة الكريكيت المفضلة باكستانياً. وظل عمران خان يبني شهرته هذه على أساسها حتى أسس حزب الإنصاف، فاستقطب سياسيين من أحزاب باكستانية عدة، ليفوز في انتخابات باكستانية عامة 2018، ملحقاً الهزيمة بـ"ديناصورات سياسية" باكستانية، تصدروا المشهد السياسي لعقود على طريقة لعبة الكراسي الموسيقية، وطوال فترة حكمه ظهر على غير ودّ مع المؤسسة العسكرية صاحبة النفوذ والتأثير، والدولة العميقة في باكستان، وهو ما قاد إلى الإطاحة به عبر حجب الثقة عنه أواخر فبراير الماضي.
وعلى الرغم من وقوف أحزاب رئيسية كبرى ضده، لكنه ظل قوة شعبية صاعدة، عجزت كل الأحزاب أن تحشد نصف ما حشد في مسيراته الشعبية، فأتت الانتخابات التكميلية في إقليم البنجاب لتثبت قوته الشعبية حتى بعد حجب الثقة عنه، حيث فاز بغالبية المقاعد الانتخابية في الإقليم، وهو ما شكل صدمة لخصومه، ومفاجأة حتى لأشد المحللين محافظة، كما أتى فوزه قبل أيام بمقعد في منطقة كرّم ايجنسي القبلية ضد تحالف مكون من 12 حزباً معارضاً له، وبفارق ضعف الأصوات، ما أدهش كل المحللين والخبراء.
بمقدور عمران خان أن يعلن حلّ برلمان أقاليم البنجاب، و(صوبه سرحد) وعاصمته بيشاور، بالإضافة إلى إقليمي جلجيت وبلتستان، وكشمير الخاضعة للسيطرة الباكستانية، الأمر الذي يعني قانونياً حلّ الحكومة، والدعوة إلى انتخابات مبكرة، كما يطالب هو بنفسه اليوم، ولكن ما يمنعه من ذلك هو أنه حتى يتم اتخاذ قرار إعلان الانتخابات المبكرة، سيغيب هو وحزبه عن السلطة، وهو جزء من أقاليمها ويتمتع فيها بالأغلبية، وغيابه عن هذه السلطة سيجعل تحركه الشعبي صعباً، إذ قد يتعرض أتباعه، ومسيراته الحاشدة للاعتقالات والتضييق، ولذا فهو يفضل أن يأتي إعلان الانتخابات المبكرة من الحكومة الفيدرالية الحالية التي يقودها خصمه شهباز شريف.
الواضح اليوم هو أن المواجهة، لم تعد بين عمران خان والحكومة الحالية بزعامة شهباز شريف، لقد غدت بينه وبين المؤسسة العسكرية والأمنية، ولذا فقد سمّى غير مرة الجيش والمخابرات العسكرية بالاسم، وطالب حتى بإقالة مدير المخابرات العسكرية، الذي ظهر في مؤتمر صحفي نادر مع مدير العلاقات العامة في الجيش الباكستاني، وهو يهاجم عمران خان ويتهمه بالإساءة للجيش، لاتهاماته لهم بالتآمر مع أمريكا في الإطاحة به. وقد صعّد أتباع خان من تحركهم ضد المؤسسة العسكرية، حين تظاهروا أمام مقر قائد فيلق بيشاور العسكري، بعد الهجوم المسلح الذي وقع على زعيمهم، الأمر الذي قرأ فيه مراقبون تصعيداً لافتاً من عمران خان، وهو ما كان ليقوم به أي حزب سياسي باكستاني، حيث يعد الجيش أمناً قومياً في البلاد. وذهب على ما يبدو عمران خان في لعبة كسر العظم مع المؤسسة العسكرية إلى نقطة قريبة من اللاعودة حين نقل عنه أحد قادة حزبه أسد عمر بأنه أُبلغ من عمران خان عن ثلاث شخصيات تقف خلف قتله إن حصل وهم: رئيس الوزراء شهباز شريف، ووزير الداخلية رانا ثناء الله، والجنرال فيصل.
المتابع لوسائل التواصل الاجتماعي اليوم في باكستان يرى حجم الحشد والتعبئة غير المسبوقة ضد المؤسسة العسكرية، في أجواء قد تتقازم أمامها أجواء انفصال بنجلاديش عن باكستان، وهي الأزمة التي تعد باكستانياً بمثابة مقياس ترمومتر سياسي لأي أزمة تمر بها باكستان، وبمثابة مسطرة كذلك يقيس بها الباكستانيون أزماتهم في حال تعرضوا للخطر، أما الهجوم على الجيش اليوم وعلى الأجهزة الأمنية فيراه بعضهم هو ذاته الذي تحدث عنه الصراع بين باكستان الشرقية والغربية، وقد عكست ذلك كله تصريحات عمران خان الأخيرة حين قال إن الجيش الذي حرم مجيب الرحمن عام 1971 من الحكم بعد أن فاز بالأغلبية العظمى، هو نفسه من يحرمني ويعرقل نشاطي في الحكم أو في المشاركة بالانتخابات المقبلة. ويبدو أن وصية لورانس العرب قديماً: "لا تحاول أن تفعل الكثير بيديك، فمن الأفضل أن يفعلها العرب لك". أما في حالة الجيش الباكستاني فقد كانت وصيته لعقود ألا تفعل الكثير في باكستان بيديك، وإنما دع السياسيين يفعلونها لك، ويتحملون وزرها أمام الشعب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12117
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
8763
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3432
| 22 أكتوبر 2026