رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يرى صندوق النقد الدولي في ارتفاع أسعار النفط أنها نتيجة زيادة الطلب عليه في ظل أزمات متلاحقة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ووصفه بتعافٍ هش لا يمكنه أن يحقق عوائد ربحية عالية، لإنقاذ الاقتصاديات العربية والأوروبية من هوة الديون المتفاقمة.
وقد ذكر الصندوق أن أوروبا تعاني من التعافي الهش في اقتصاداتها، وتراجع ثقة المستثمرين، واتساع هوة الصراعات في منطقة الشرق الأوسط، الذي أدى بدوره إلى كبح رغبات المستثمرين في بناء مشروعات جديدة، وتوقف الصادرات في الكثير من الدول التي تنتشر فيها الاضطرابات.
وحذر أيضاً من ارتفاع أسعار الفائدة في الكثير من دول العالم، وأنه يتزامن مع التعافي غير المناسب لخروج أوروبا من كبوتها، وترافق كذلك مع النمو الهش للأسواق الناشئة، التي انعكست على المجتمعات الغربية وأدت إلى موجة من التذمر اجتاحت الأسواق.
أضف إلى ذلك الظروف الراهنة التي يمر بها الشرق الأوسط من تفاقم الاضطرابات السياسية، وتراجع ثقة المستثمرين في تنفيذ مشروعات جديدة، وضعف نمو المشروعات القائمة، وتذبذب أسعار العملات، وارتفاع أسعار النفط، وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، الذي انعكست آثاره على الجانب الاقتصادي بالدرجة الأولى، فتوقفت عجلة النمو وتراجع الأداء في الكثير من أنشطتها التجارية والتنموية.
من مظاهر الأزمة كما وصفها النقد العالمي، هو انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، وانخفاض معدل نمو الصادرات، وانتشار البطالة وقلة العمل المنتج، وحدوث ظاهرة التضخم، وارتفاع أسعار الفائدة والذهب والنفط.
وكانت التحليلات الاقتصادية أشارت في وقت سابق إلى انقسام الاقتصاد العالمي إلى اقتصادين، الأول: يضم الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان، وهو يعاني من الديون المثقلة التي ارتفعت نسبتها من 46% في 2007 إلى 70% في 2011، ويتوقع الخبراء أن تتفاقم إلى 80% في 2016.
والنوع الثاني: يضم الدول المتصاعدة مثل الصين، التي أسهمت بنسبة 66% في زيادة الناتج العالمي بين سنوات 2007 ـ 2011، والتي لم يتجاوز دينها الحكومي نسبة 28% في 2007 ومن المتوقع أن ينخفض إلى 21% في 2016.
هذا يدل على مدى الفارق الكبير بين ارتفاع معدلات المشكلة في دول اليورو، وانخفاض الديون في الاقتصاد الآسيوي.
أضف إلى ذلك ما ذكره صندوق النقد أن دول أوروبا فشلت في تحقيق نموذج ملائم للنمو، بسبب تراخي الدول الغنية في اتخاذ إجراءات حاسمة، لتقديم الدعم المالي للدول الأقل حظاً، وأوروبا ذاتها تعاني من الكساد والبطالة والفقر وانهيار البورصات وأنظمتها المالية.
وبلا شك فإن التأثير المتصاعد لأسواق المال سيؤثر على القرار السياسي لدول اليورو، وهو يشكل ضغطاً أكبر على الحكومات للتحرك لإنقاذ أنظمة المال المتهاوية.
فقد ذكر الصندوق أنّ العالم بحاجة إلى مزيد من الجهود للتعامل مع الديون الحكومية والمصرفية الهائلة، التي تواصل التأثير على معدلات النمو، وتقوض استقرار الأنظمة المالية، وأنه بسبب النمو المتأخر الذي تم الاتفاق عليه في 2010، إلا أنه لم ينفذ حتى الآن حيث إن عامل الوقت لم يعد مجدياً وكافياً لفعل شيء.
هذا التحذير الذي أطلقه مؤخراً بسبب فشل الدول الأوروبية في صياغة حلول مالية كبيرة وقادرة على إنقاذ بنوك صغيرة، وتزايد الاستثمارات المحفوفة بالمخاطر التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية، والصعوبات التي تقف عقبة أمام اقتصادات الدول الناشئة، والإنفاق الهائل على مشروعات البنية التحتية والإصلاحات.
وذكر أنه رغم تشجيع صناع القرار في أوروبا وأمريكا على طرح الإصلاحات الأكثر عمقاً في أسواق العمل الخاصة بهم، واللوائح والأنظمة التي تقيد حركة التجارة، وتهدف إلى وضع أجندة للسوق، وتحفيز معدلات النمو وخلق مزيد من فرص العمل.
ومما يفاقم من هذا التوتر، مخاوف الأوضاع المتأزمة في أوروبا الشرقية وأوكرانيا، الأمر الذي جعل المستثمرين يتجنبون المخاطرة في أسواق المال، تحسباً من انهيارات مفاجئة، أضف إلى ذلك مخاوف أصحاب المصانع والمزارع والمؤسسات الكبرى والشركات من تأثر سلبي لليورو، بسبب تزايد حدة الخلافات السياسية والتحركات غير المستقرة في تلك الدول.
ورغم أنّ البنك الأوروبي المركزي أفاد بأنه لا يرى أيّ دلائل على تقلص النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو، وقد تحسن وضعه في السنتين الأخيرتين، حيث ارتفع اليورو، إلا أنه سيؤجل تطبيق إجراءات تحفيز النشاط الاقتصادي وأن معدلات التضخم جاءت أقل من المتوقع.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي يرى انتهاء أزمة الديون، وأنه بدأ يستعيد نشاطه وقوته، إلا أن وصول معدل البطالة إلى 20% يبين أنّ الخروج من الهوة لا يزال يحتاج إلى وقت، وأنّ علامات الانتعاش كما يراها الاتحاد الأوروبي ليس واضحة المعالم.
أما في منطقة الخليج فقد توقعت تقارير دولية تباطؤ النمو في دول مجلس التعاون الخليجي العام الحالي، نتيجة اعتدال نمو إنتاج النفط وأن ارتفاع أسعار النفط والإنتاج الضخم للطاقة سيوفران الدعم القوي للمنتجات غير النفطية.
كما أنّ اقتصاديات التعاون ستبقى متأثرة بأسواق النفط العالمية، وأنّ المخاطر الرئيسية تأتي من التدهور المالي الخارجي، الذي يشكل خطراً على المدى القصير وتباطؤ الاقتصاد الصيني والآسيوي وزيادة أزمة اليورو والتقلبات السعرية.
وإزاء الوضع الراهن للاقتصاد الدولي تؤكد الحكومات الخليجية أنها ستواصل استخدام عائدات النفط المرتفعة لتحفيز اقتصاداتها، وأنّ الفوائض المالية من الموازنات السنوية ستعزز من أوجه الإنفاق إلا أنها تواجه تحديات رئيسية هي التنويع الاقتصادي وارتفاع الأسعار وإيجاد مصادر جديدة للدخل.
وبرؤية أكثر قرباً من الواقع.. فإنّ دولة قطر ستواصل دعمها لأنشطة الدولة الاقتصادية مدعوماً بالسياسات التنشيطية، التي تنتهجها الدولة في ظل التباطؤ العالمي، كما تشير التوقعات إلى زيادة دور القطاع غير النفطي في النمو المحلي بما سيعود على نمو القطاعات الفرعية خاصة الخدمات المالية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8766
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3816
| 30 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
3813
| 03 نوفمبر 2026