رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم أن السيناريو المصري يهيمن على الفضاء التونسي، إلا أن الفرق بيننا وبينهم أنهم يرون الضوء في نهاية النفق، إلا أننا مازلنا في طور البحث عن النفق.
(1)
قصدت تونس مستجيبا لدعوة للحديث في مستجدات المنطقة بعد تعثر الربيع العربي. وكنت قد أبلغت مسبقا بأنني سأتحدث إلى جمهور ثلاث جهات هي: مركز ابن رشد للدراسات المغاربية ومركز الفاضل بن عاشور للتنوير. ومركز الدراسات الأورومتوسطية للأبحاث والتنمية.. أخذت الرسالة على محمل الجد، وأعددت عدتي بالقدر الذي تيسر لي كي لا أخيب ظن الداعين والسامعين، إلا أنني ما أن وصلت إلى مطار قرطاج حتى غادرته بعد ثلاثة أيام لم أتحدث إلا عن مصر، لأنني لم أسمع سؤالا إلا عن أحوالها، حتى ما كان منها خارجا عن دائرة اهتماماتي، مثل التغريدات اليومية التي يسجلها ظرفاء المصريين والأغاني التي يتم التراشق من خلالها بين المعارضين والمؤيدين، حتى إنني في بعض اللقاءات كنت أحيل الإجابة عن بعض الأسئلة إلى ما تبثه شاشات القنوات المصرية أو إلى ما بثته الجزيرة مباشر مصر، باعتبار أن الجانبين يعبران عن الواقع من زاويتين متعاكستين، تعبر كل منهما عن طرفي الأزمة بدرجة أو أخرى.
مصطلح السيناريو المصري تردد كثيرا في المناقشات. ولاحظت أن المقابلة بين الحاصل في البلدين تتردد في كل لقاء، باعتبار أنه مقارنة بين ما شهدته أم الدنيا وما يجري في أم الثورات. والمقصود في الإشارة الأخيرة تونس بطبيعة الحال، التي سبقت مصر. (وهو تشبيه غير دقيق لأن ثورة الحراك اليمنى سبقت الاثنتين). ولا أخفى أنني استفدت من المقارنات المستمرة بين ما جرى في مصر وتونس، ليس فقط على صعيد المعلومات التفصيلية، ولكن أيضا لأنني وجدت أن أغلب ــ إن لم يكن كل ــ مظاهر الاحتجاج والتحدي التي مورست ضد الرئيس محمد مرسي جرى استنساخها على الفور في تونس باستثناء المشهد الأخير المتعلق بتدخل قيادة القوات المسلحة لعزل الرئيس. من تظاهرات الشوارع ونصب خيام الاعتصام إلى تشكيل جبهة الإنقاذ وإطلاق حركة تمرد والانسحاب من المجلس التأسيسي المكلف بوضع الدستور، حتى خطة الطريق التي أعلنت في الثالث من يوليو شجعتهم في تونس على إعلان خطة طريق بديلة أعلنت في مواجهة الحكومة. وحين أشرت إلى صدى أحداث مصر في الفضاء التونسي، ذكرني بعضهم بأن الثورة في مصر كانت من أصداء الحدث التونسي، الذي نبه الجميع إلى هشاشة الأنظمة المستبدة وإلى قوة الشعوب حين تحزم أمرها وترفع صوتها. ومنهم من قال إن الشباب التونسي نقل إلى الشباب المصري أثناء الثورة خبراتهم في التعامل مع قمع الشرطة وتجنب آثار القنابل المسيلة للدموع التي كانت تطلق على جموعهم.
الشاهد أنني إزاء سيل الأسئلة والتعليقات التي ظللت أتلقاها حول الشأن المصري، فإنني طويت الأوراق التي أعددتها للحديث عن تحديات الربيع العربي، وتفرغت للإجابة على تلك الأسئلة. لكنني صرت اشترط على من ألقاهم أن نخصص وقتا للتعرف على الشأن التونسي، من خلال المقارنة بين ما آلت إليه الثورة في البلدين.
(2)
لم تكن الأوزان الإستراتيجية والسكانية موضع مناقشة. حيث لا وجه للمقابلة في الثقل السكاني بين مجتمع التسعين مليون نسمة في مصر وبلد الملايين العشرة في تونس، ثم إن التحدي الذي تواجهه مصر التي زرعت إسرائيل على حدودها وللتنغيص عليها، يصعب مقارنته بتحدي السلفية الجهادية أو امتدادات تنظيم القاعدة في الجنوب التونسي. وربما كان الدور الحضاري الذي لعبته تونس في المغرب مقابلا للأهمية الإستراتيجية لمصر في المشرق. إلا أن الناظر إلى البلدين من على البعد يلحظ بينهما مشتركات عدة، فشعباهما قاما بثورة عارمة ضد الاستبداد، نجحت في إسقاط رأس النظامين وإن بقى الجسم في كليهما كما هو. والنجاح الذي حققته الثورتان رفع عاليا سقف التوقعات والآمال التي علقتها الجماهير على كل منهما. وفي مواجهة الخراب الذي خلفه النظامان فإن النظامين الثوريين في البلدين استشعرا ثقل التركة، ولم يتمكنا من تلبية أشواق الجماهير على النحو الذي تمنته، الأمر الذي أثار درجات متفاوتة من البلبلة والاستياء في البلدين. وقد شاءت المقادير أن يفوز التيار الإسلامي بالأغلبية في الانتخابات التي جرت في كل منهما. ومن ثم كتب على حكومتي ذلك التيار أن تتصدى لعلاج الفجوة بين تطلعات الجماهير والقصور الحاصل في إمكانات الواقع، (ثمة إحصاء رسمي في تونس ذكر أن البلاد شهدت 35 ألف إضراب خلال 18 شهرا بمعدل أقل من ألفي إضراب كل شهر).
في البلدين أيضا قادت القوى المدنية، الليبرالية واليسارية والقومية، المعارضة ضد الحكومة، وعبرت عن ذلك من خلال الفعاليات التي سبقت الإشارة إليها. الأمر الذي غرس بذرة الاستقطاب في المجتمع وحول فضاءه إلى معسكرين متقاطعين ومتناقضين. من ناحية أخرى أثبتت الأحداث أن التيار السلفي له حضوره المعتبر في البلدين. إلا أنه في مصر تحالف مع سلطة الإخوان وانخرطت فئاته في العملية السياسية وظل بعيدا عن العنف طوال فترة حكم الرئيس مرسي. أما في تونس فالأمر اختلف لأن السلفيين هناك لم ينخرطوا في العملية السياسية وإنما تعاملوا بحذر مع حكومة حركة النهضة، ثم تبين أن تنظيم القاعدة اخترق تنظيمهم من خلال الحركة التي سميت أنصار الشريعة، وأشارت التحقيقات إلى ضلوع عناصرها في قتل اثنين من قيادات المعارضة. ولا يستطيع المرء أن يتجاهل حقيقة أن حكومة الانقلاب اعتبرت الإخوان وحلفاءهم متهمون بالإرهاب بعد الاعتصامات والمواجهات التي شهدتها مصر، في حين أن حكومة حركة النهضة اتهمت أنصار الشريعة بالإرهاب في تونس.
(3)
إذا كانت تلك هي القسمات التي تلوح للمراقب عن بعد، فإن الاقتراب من المشهد يبرز تفاصيل وتباينات في الخرائط السياسية لا تلتقطها العين المجردة لأول وهلة. وأزعم في هذا الصدد أن قراءة المشهد من زاوية التفاصيل تجعل الكفة تميل لصالح تونس، حيث ترى فيه عناصر ليست مرئية أو مرصودة في الساحة المصرية. من ذلك مثلا أن إدارة الدولة ليست منوطة بحزب النهضة الإسلامي وحده، ولكن يشترك فيه حزبان علمانيان آخران هما حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل الديمقراطي. ورئاسة الدولة ممثلة في الدكتور المنصف المرزوقي من نصيب حزب المؤتمر، أما رئاسة المجلس التأسيسي فهي من نصيب حزب التكتل الذي يمثله الدكتور مصطفى بن جعفر. أما حزب النهضة الحائز على الأغلبية فقد منح رئاسة الحكومة التي يمثل الحزب فيها السيد على العريضي. وقد استقر الرأي على أن تشكل «الترويكا» على ذلك النحو رغم أن حزب النهضة له 90 مقعدا في المجلس التأسيسي المنتخب ولم يفز الحزبان الآخران بأكثر من 12 مقعدا لكل منهما (مجموع أعضاء المجلس 217 عضوا).
من ناحية أخرى، فإن الجيش في تونس التزم طوال الوقت بالحياد بين الأحزاب المتصارعة ووقف بالكامل خارج السياسة، وذلك عنصر أسهم في الحفاظ على مدنية الصراع وأبقى على التنافس بين الأحزاب في إطاره السياسي الذي تحسمه الجماهير من خلال صناديق الانتخاب.
من ناحية ثالثة يلاحظ المرء أن المجتمع المدني في تونس أقوى منه بكثير في مصر، التي دمرت فيها هياكل ومنظمات المجتمع المدني طوال عقود الاستبداد التي خلت. ويشكل الاتحاد العام للشغل (اتحاد العمال) أقوى تلك المنظمات، ويصطف إلى جواره الاتحاد العام للصناعة والتجارة والرابطة التونسية لحقوق الإنسان ونقابة المحامين. ولهذه المنظمات دورها الفاعل في الصراع الدائر حتى أنها قدمت خارطة طريق لمواجهة الأزمة السياسية الراهنة، عرفت باسم المبادرة الرباعية.
قوة منظمات المجتمع المدني تجاوزت بكثير قوة الأحزاب السياسية التي يصل عددها إلى نحو 140 حزبا، كأن الاستبداد في تونس ركز على إضعاف الأحزاب السياسية ولم يكترث كثيرا بتنامي دور المنظمات الأخرى العمالية والصناعية والحقوقية. وترتب على ذلك أن عرفت الساحة شخصيات سياسية قوية نسبيا وأحزابا سياسية ضعيفة. وفي الانتخابات التشريعية التي أجريت في عام 2011 نجح قادة الأحزاب في حين فشل تمثيل الأحزاب التي حصل بعضها على مقاعد لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.
بسبب خصومة النظام السابق مع حركة النهضة فإن ساحة العمل العام ظلت مفتوحة للتيارات اليسارية والعلمانية، الأمر الذي مكنها من الانتشار في أوساط النخب ومنظمات المجتمع المدني، وكانت النتيجة أن احتفظت حركة النهضة بقوتها في الشارع ووسط الجماهير، في حين ظل نفوذ التيارات الأخرى قويا في محيط النخب. وترتب على ذلك أن حركة النهضة ظلت حريصة طول الوقت على إجراء الانتخابات والاحتكام إلى الصناديق، في حين ظلت المنظمات الأخرى تماطل في إجراء الانتخابات وتفضل حسم القضايا العالقة من خلال التفاوض الذي أطلقت عليه شرعية التوافق التي أريد لها أن تكون بديلا عن شرعية الصناديق.
ونحن نرصد التفاصيل لا نستطيع أن نتجاهل هامش المرونة الواسع الذي تتمتع به قيادة حزب النهضة ممثلا في السيد راشد الغنوشي، الذي ظلت عيناه مثبتة طول الوقت على وحدة الجماعة الوطنية وضرورة مواصلة مسيرة الثورة. وهذه المرونة دفعته إلى عدم التمسك بالإشارة في الدستور إلى مرجعية الشريعة، كما دفعته إلى التنازل للقوى الأخرى عن الوزارات السيادية التي استحقتها النهضة بحكم أغلبيتها. بقدر ما دفعته إلى التفاعل الإيجابي مع خريطة الطريق التي قدمتها الرباعية، الأمر الذي حال دون انسداد آفاق الحوار السياسي.
(4)
لم يهدأ الشارع التونسي منذ قامت الثورة في عام 2011، وحين خرجت إليه 35 ألف تظاهرة خلال الثماني عشر شهرا الأخيرة، فذلك يصور ذلك جانبا من الأجواء السائدة في البلاد، ذلك أن النظام الحاكم هناك يواجه تحديات جمة من مصدرين أساسيين هما: اتحاد الشغل الناشط الأبرز في جبهة الإنقاذ، الذي يهيمن عليه اليسار، ولم يتوقف عن مناكفة حكومة حزب النهضة منذ تشكلت، ومعه التجمعات العلمانية الأخرى. ورغم ما بين تلك القوى من شروخ وخلافات إلا أن ما يجمع بينها هو الاصطفاف في مواجهة الائتلاف الحاكم الذي تقوده النهضة. التحدي الآخر مصدره المجموعات السلفية المتطرفة وعلى رأسها «أنصار الشريعة»، التي تشير القرائن إلى اتصالها بتنظيم القاعدة. وقد نسبت إليها بعض عمليات العنف التي وقعت وعلى رأسها اغتيال اثنين من قيادات اليسار المعارضين هذا العام هما: شكري بلعيد ومحمد البراهمي. وتسبب قتل الأول في إسقاط حكومة السيد حمادي الجبالي. وبعد قتل الثاني في شهر يوليو الماضي تجددت مظاهرات الغضب وارتفعت الأصوات داعية إلى إسقاط حكومة خلفه على العريض وإلى حل المجلس التأسيسي. وثمة إجماع بين المحللين على أن التغيير الذي حدث في مصر في 30 يونيو والثالث من يوليو أسهم في رفع منسوب التعبة المضادة للحكومة ورفع المطالبات التي وصلت إلى حد الدعوة إلى إقالة رئيس الجمهورية ذاته.
إذا كانت مناكفات المعارضة وتهديدات السلفيين يشكلان أهم مصدر للاحتجاجات التي تخرج إلى الشارع التونسي، فإن التحديات الأخرى المتمثلة في الانتهاء من إعداد الدستور أو مواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت بعد الثورة، بسبب بطء حركة الاقتصاد والتراجع النسبي للسياحة، هذه كلها تستثير النخبة من ناحية وتؤجج غضب الشارع من ناحية ثانية. وتلك كلها تحديات لا مفاجأة فيها، في مرحلة الانتقال من حكم الاستبداد والفساد إلى حلم إقامة نظام ديمقراطي جديد. من هذه الزاوية فالمشكلة لا تكون أساسا في وجود التحديات، ولكنها تكمن في كيفية التعامل معها. وفي أحد اللقاءات هناك قلت إنه طالما أن الجميع اختاروا أن يحتكموا إلى الحوار الذي يتجدد هذا الأسبوع. وطالما هناك بقية من عقل ورشد في إدارة ذلك الحوار فلا خوف على تونس. وتلك رسالة ليس لتونس وحدها، ولكن لنا في مصر أيضا.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1006
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
657
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8922
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4845
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3915
| 23 سبتمبر 2026