رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في أيام غابرة من كان يتخيّل أن يقابل العرب بصمت أي مواجهة بين سوريا وتركيا، أياً كان نوعها، حتى لو كانت سوريا هي المبادرة وبنظامها هذا في أيام الرئيس الأب، ورغم كل المآخذ على سجله القمعي والدموي، لكن ها هي ممارسات الرئيس الابن تغير العقول والقلوب، المواقف والعواطف، لشدة ما أوغل في الخطأ والقتل والعنت.
التفاوض المتبادل بين تركيا وقوات النظام السوري هو مشروع حرب تبحث عمن يعطيها الضوء الأخضر الدولي، لكن موقفي الولايات المتحدة وروسيا كانا واضحين، كذلك حلف الأطلسي، وحتى إيران، فالأخيرة وإن كانت تعتبر الحرب التي يخوضها النظام ضد الشعب السوري "حربها"، إلا أنها مدركة أن أقلمة الحرب قد لا تكون لمصلحتها، والأكيد أنها ليست في مصلحة حليفتها سوريا. لكن هذا التقدير للموقف يقتصر على معطيات اللحظة الراهنة، وقد يتغير لاحقاً.
حرص رجب طيب أردوغان، غداة تصويت البرلمان على السماح للحكومة بـ"عمليات" خارج الحدود، تحديدا داخل سوريا، على تأكيد أن تركيا لا ترغب في الحرب، رغم إصراره على أن أي "اعتداء" سوري سيستدعي ردا مناسبا، كان هذا التوضيح موجها إلى جميع الأطراف، بمن فيهم الحلفاء في الأطلسي الذين أكدوا تضامنهم مع أنقرة بكل الألفاظ القوية ليشجعوها على استبعاد أي تصعيد خلال ردّها على الجانب السوري، لكن تكتم دمشق وعدم مصداقية إعلامها الرسمي يمنعان من معرفة حجم الرد التركي والخسائر الناجمة عنه، فالمصادر غير الموثوق بها تحدثت عن قتلى وجرحى وعن تدمير قاعدة جوية.
كان رضوخ دمشق للضغط الروسي الحاسم اضطرها للاعتذار لتركيا في وقت قياسي، وقد فهم أن موسكو لم تقبل بإمهال النظام كي يجري تحقيقا في القصف الذي أدى إلى قتل خمسة مدنيين أتراك في بلدة اكجاكالي الحدودية. فأي تحقيق كان سيستغرق بضعة أيام، ثم أن بعض مصادر النظام راح يروّج أن قوات المعارضة هي التي قصفت بغية دفع تركيا إلى التورط.
لكن الروس يعرفون حليفهم، ويعرفون ما هو ممكن أو غير ممكن في التعامل معه. لذا بادروا إلى تسويق الرواية التي تتحدث عن خطأ غير مقصود ومهدوا مسبقا للاعتذار وفقاً للأصول، ولعلهم طلبوا أيضا إرساله عبر الأمم المتحدة حيث كان مجلس الأمن الدولي يستعد للانعقاد وتدارس التوتر التركي – السوري، وبالتالي أراد الروس دخول الجلسة بعد نزع الفتيل.
في أي ظروف عادية، أو حتى في أحوال التوتر البارد يمكن قبول "رواية الخطأ" أما وقد بلغ التوتر سخونة غير مسبوقة فإن الخطأ غير مسموح به، في أواخر يونيو الماضي أسقطت الدفاعات السورية طائرتين تركيتين كانتا تقومان بمهمة استطلاعية اعتيادية، وفي السابق لم تكن سوريا تعترض على هذه الطلعات إلا أنها استغلت اقتراب الطائرتين من مجالها الجوي لإرسال إشارة سياسية إلى أنقرة، قتل الطياران، وهناك جدل الآن حول التقاطهما حيين ثم قتلهما ورمي جثتيهما في البحر، ضبطت تركيا نفسها ولعلها اعتبرت أن ثمة "خطأ" حصل من جانبها، إلا أنها استحثت حلف الأطلسي لتسجيل الواقعة وتوجيه تحذير إلى سوريا، هذه المرة اختلف الأمر، لأن مدنيين قتلوا، ولأن الظروف لم تعد تسمح بالسكوت.
بعد الاعتذار السوري توقف القصف، لكن المراقبين اعتبروا أن جولة انتهت في انتظار الجولة التالية. ولم تتأخر هذه، إذ أن تبادل القذائف استؤنف في اليوم التالي، ثم توقف، وكأن الجانب السوري يريد أن يرسخ واقعا أو أمرا واقعا، فهو يريد بالتأكيد إقحام تركيا عسكريا بأي شكل، علما أن أي حرب لم يعد مقدرا لها أن تنقذه من السقوط، لكن ثمة أسبابا تدفعه إلى ذلك، من بينها أن الأزمة دخلت مرحلة دقيقة، فالأسابيع الأربعة الآتية التي تسبق الانتخابات الأمريكية يريد النظام استغلالها لخلق وقائع جديدة على الأرض، خصوصاً أنه لم يتمكن من الحسم في الداخل وباتت عملياته تقتصر إما على التدمير المنهجي أو المجازر والإعدامات الميدانية المبرمجة، من دون أن يغير ذلك شيئا على الأرض، ولعله يعتقد أن استدراجه تركيا يمكن أن يجبر الولايات المتحدة على الاتصال به من أجل وقف المواجهة، أو يمكن أن يضطر حلفاءه لتغيير تكتيكاتهم ومسايرته في تخطيطاته، وقد تكون لديه معطيات تجعله مطمئناً إلى أن إيران ستبدل موقفها وتجاريه، إذ حصل في السابق أن مررت طهران تحذيرات مبطنة للأتراك.
لاشك أن انقلاب تركيا كان أكثر إيلاما مما توقعه النظام، لكنه كان انقلابا شبه معلن منذ اللحظة التي بدأ فيها النظام يستخدم آلة القتل، وقبل ذلك أطلقت أنقرة إنذارات بلهجات متفاوتة، وعرضت وساطات وكانت مستعدة لمساعدة النظام لو أنه حاول ضبط العنف وطرح مبادرة سياسية معقولة، إلا أنها استنتجت في النهاية أنه نظام ميؤوس منه، ولا يبحث إلا عمن يساعده على المزيد من القتل، ومنذ الشهر الرابع للأزمة حتى اليوم لم يصدر عن دمشق ما يمكن أن يكذب هذا الاستنتاج، بل كانت أنقرة اختبرت النظام في حماة "أواخر يوليو 2011"، إذ وعد بالانسحاب منها ووقف العمليات، وما حصل أنه حرك آلياته لتصورها الكاميرات ثم اعادها بعد مغادرة الوفد التركي، ومنذ ذلك اليوم حسم الأتراك موقفهم وقرروا الانخراط الكامل في دعم المعارضة سياسياً وعسكرياً.
نتيجة لهذا الدعم أصبح معظم شمال سوريا خارج سيطرة النظام، باستثناء بعض الجيوب، وأصبحت الطريق من الحدود إلى داخل حلب مفتوحة ولم تعد المنافذ الحدودية تحت إشراف دمشق. وتذهب التوقعات حالياً باتجاه تعزيز تسلح المعارضة لتمكينها من فرض "المنطقة الآمنة" بنفسها ومن دون الحاجة إلى تدخل خارجي أو حتى إلى غطاء جوي. وهذا في حد ذاته يشكل سبباً للتصعيد الحالي، فروسيا تمانع إنشاء منطقة آمنة، كذلك إيران، وهما متضامنتان مع النظام في اعتبار أن الدور التركي غيّر طبيعة الأزمة وسيكون فاعلاً في تعقيد مساومات المرحلة المقبلة مع الولايات المتحدة.
أهمية تنمية وإدارة الموارد البشرية
تُعد الموارد البشرية الركيزة الأساسية لنجاح المؤسسات وتحقيق أهدافها، إذ إن العنصر البشري هو المحرك الرئيس للإنتاج والتطوير... اقرأ المزيد
24
| 05 يونيو 2026
رمز QR.. مسح سريع وخسارة كبيرة
أصبح رمز الاستجابة السريعة (QR) جزءًا من تفاصيل يومنا؛ نمسحه لقراءة قائمة طعام، أو لدفع رسوم موقف سيارة،... اقرأ المزيد
24
| 05 يونيو 2026
كيف نردع المتنمرين ؟
إن التنمر ينتشر غالبا بين الأطفال والمراهقين، سواء في المدرسة أو بين أبناء الأقارب أو غيرهم، وذلك يرجع... اقرأ المزيد
21
| 05 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5706
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2757
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2418
| 02 يونيو 2026