رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فاكرين أيام كنا نملأ عربة وعربتين من عربات الجمعية بخزين يصمد شهراً ولا نكاد ندفع "500" ريال؟ قد يقول قائل "زمان أول غير" ونقول لماذا "غير" ونسبة الزيادة السنوية على ما نشتري المفروض أن تكون أقل كثيراً قياساً بالأسواق المجاورة؟ الجواب لأن التاجر لم يعد يقنع بربح معقول، بل قد يطمع في أن تصل أرباحه إلى "500%" حتى يشعر بالارتياح والرضا، والناس الغلابة؟ "يطجون راسهم بالطوفة" يحدث كثيراً أن ندفع المطلوب على كاونتر أي مركز تسوق وما اشتريناه لا يتناسب مع ما دفعناه! كيف تدفع ربة البيت مئات كثيرة في "كلينكس" ومنظفات، وبامبرز، وفاكهة لا تصمد أسبوعاً؟ لا يتعب الناس من الشكوى، في كل مكان شكوى من الغلاء، والتجار في ذات الوقت "ودن من طين والثانية من عجين" ولا يتعبون من حمل ما جمعوه من الجيوب المتعبة، ومن الذي ندفعه صاغرين، ومتأففين! لا يهم السادة التجار إرباك ميزانية الأسر والضغط عليها إلى جانب ما تحمله أصلاً من تكاليف ضرورات تكلفها مادياً ما لا طاقة لها به، أصبح مألوفاً أن تتوحش الأسعار ويشتري الناس مضطرين ومجبرين، فكل شكوى تذهب أدراج الرياح والزيادة مستمرة، رغم أنوفنا شئنا أم أبينا! أذكر أنه عندما ارتفعت أسعار السمك منذ سنوات إلى أرقام خرافية تعد رحمة لما هي عليه الآن وقد غدت فلكية، أذكر أنني كتبت عن المقاطعة التي قرأتها في خبر مفاده أن ربات البيوت بجنوب فرنسا قدن مقاطعة شرسة ضد تجار اللحوم الذين رفعوا أسعارهم فجأة، وعندما دخل الموضوع "في الجد" وصمدت المقاطعة، ونزلت بالتجار خسائر مزلزلة عادوا صاغرين لأسعارهم القديمة بعد حملة ربات البيوت "لن نأكل اللحم".
اليوم وأنا أتصفح الأخبار قرأت عن الحملة الشعبية "خلوها تعفن" التي يقودها المستهلك بالسعودية بعد ارتفاع أسعار الدجاج ارتفاعاً غير مبرر والتي تهدد بتكبد الشركات المنتجة لخسائر بالملايين حال استمرار الحملة مما أدى إلى تدخل السلطات بقرار وقف تصدير الدجاج السعودي للأسواق الخليجية المجاورة، وقد أدى هذا القرار إلى انخفاض الأسعار بعد أن سجلت مشاريع إنتاج الدواجن خسائر فادحة، خاصة أنها لم تكن تتوقع صمود الحملة وتسارعها وتأثيرها ووصولها إلى مواقع التواصل الاجتماعي الذي ساهم في نجاح المقاطعة نجاحاً باهراً! وقد يسوق التجار مبرراتهم، وأعذارهم الواهية لكن بالتأكيد لن يطول تبريرهم طويلاً بعد أن تقصى المستهلك وأصبح معروفا لديه أن تكلفة الدجاجة على أصحاب المزارع لا تصل إلى خمسة ريالات بينما يشتريها بـ "16" ريالاً أو أكثر.
الخوف أن يؤدي قرار السعودية منع التصدير إلى أن يتخذ تجارنا هذا القرار ذريعة لزيادة جديدة بأسعار الدجاج ومشتقاته، وتدوير القرار ليصب في صالح أرباحهم، هنا يود المستهلك مواطنا كان أو مقيما أن تتدخل "حماية المستهلك" من الآن لتتتبع تكلفة الدجاجة بالمزارع المحلية وحتى تصل إلى يد المستهلك، مطلوب معرفة كم تكلف بالضبط، وكم ينبغي أن يربح التاجر دون أي غبن أو استغلال لحاجة المستهلكين، أعود لحملة "خليها تعفن" التي أنا معجبة بها جداً وأتصور لو أن المستهلك طبق هذا الشعار في كل ما يحيط به، وعلى كل الأصعدة فحقق المقاطعة وصمد! تصوروا لو قاطع الناس الحج عاماً؟ لو قاطعوا العمرة موسماً؟ لو قاطعوا شراء سيارات بعينها رفعت دون مبرر أسعارها؟ لو قاطعوا سلعة بعينها أيا كانت أهميتها لهم، تصوروا النتيجة المدهشة التي نحتاجها فعلاً إذ رغم توعد السادة المسؤولين بالدولة بالضرب بيد من حديد على يد الجشعين المتربحين لم يرعو هواة جمع الأرباح السريعة وظلوا على جشعهم وظلمهم للناس، المهم والأهم أن تنتفخ أرصدتهم، أؤكد مرة أخرى على أن بيد المستهلك سيفاً باتراً للاستغلال، والجشع، والتربح يتراخى في استخدامه ليزداد الغلاء توحشاً، مهم أن يستعمل المستهلك حقاً مشروعاً برفض الغبن اسمه "المقاطعة" على الأقل ليذوق السادة التجار كم هو مر طعم الكساد والخسارة بما أنهم يعادون شعورا اسمه الرحمة. ويا كل معترض على أي غلاء مجحف لأي سلعة اتركها، لا تشتريها، خليها تعفن، تقدر تخليها تعفن؟ هذا هو السؤال؟
* * *
طبقات فوق الهمس
* يهتز وجداني، ويتأمل قلبي وأنا أقرأ قول أنس رضي الله عنه "رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه" قول يستحضر غصباً شياكة الكبراء حاكمي الرعية على طول خريطتنا العربية، عطور فاخرة، أحذية ماركات، أربطة عنق حرير، ملابسهم المنتقاة بعناية فائقة ترف على ترف، ما يركبونه حدث ولا حرج، أما عمر الذي يزن أمة ففي قميصه أربع رقاع، سلام الله عليك يا عمر ورحمته وبركاته.
* عوقب موظف بلفت نظر لأنه كرر مكاتباته لمسؤول كبير دون عبارة "سعادتك" (اتغظت جداً) لاحتفائنا بالألقاب، نموت في الألقاب من أول الدال قبل الدكتور وحتى حضرتك، لماذا الألقاب إلى هذا الحد مهمة وقد نادى الناس أعظم من عرفت الأرض (يا محمد) صلوات الله وسلامه عليه ودون فخامتك، وسعادتك، ولا معاليك، ولا، ولا، ولا، بالتأكيد لم يخطر ببال الذي عاقب الموظف خاطر في سؤال يقول هل سيظل أصحاب السعادة في الدنيا هم بعينهم أصحاب السعادة في الآخرة أم.. الله أعلم.
* لا تتألم ممن ظن بك سوءا، فالآية صريحة (إن بعض الظن إثم) ومن يحتمل تبعة الإثم وحسابه فليملأ منه كراتين كله بحسابه.
* دائماً زهقانة، متململة، مش طايقة هدومها! ليه؟ متململة من الفراغ، طيب فكرتي تزوري مرضى مستشفى الأمل ليستغفر لك سبعون ألف ملك؟ لأ، جربتي تلتحقي بأي مركز تحفيظ قرآن لحفظ الزهراوين البقرة وآل عمران اللتين ستكونان مظلة حافظهما والشمس تذبح العباد وهم في كرب شديد؟ لأ، طيب حاولتي تراجعي دروس أولادك بدل الخادمة الفلبينية التي تنطق الانجليزية بأخطاء فادحة؟ لأ، جربتي تشرفي على ترتيب دولاب أولادك؟ لأ، جربتي تلتحقي بالعمل الخيري؟ لأ، نصيحة حبي نفسك لأنك إذا أحببتها ستقومين بكل ما تقدم برضا وحب ولن تجدي وقتا لحك راسك، جربي.
* عبارة فاتنة قالها الرافعي.. إذا لم تزد الحياة شيئا تكن أنت زائداً على الحياة.
* لكي تأخذ قراراً جيداً يجب أن تكون مستمعاً جيداً.
* لا تتجاهل المسافة بينك وبين الآخرين، إنها مسافة تكفل الاحترام، وحفظ الكرامة من الإهانة، إسقاط الحواجز قد يصنع مهازل.
* بربوع مصر انتقد د. عمرو حمزاوي البرلماني السابق ما أسماه بالهجمة على الفنانين وأهل الفن، ووصف نقد الفن بأنه قمع لحرية التعبير، وللدكتور عمرو أقول نفسي اعرف أي فن واي ابداع في التبذل، والعري، والرقص، والهز، أي ابداع في المشاهد الخليعة والعبارات الخادشة الخارجة؟ وهل انزعاجك خوف على حرية التعبير ولا لأن مدامتك فنانة وعيب تكسر وتضرب في شغل المدام؟
* * *
إنسانيات
* سألته لماذا تحرص على (أعوذ بك يا الله أن أرد إلى أرذل العمر) قال كلما مررت على بيوت العجزة وتصورتني بينهم ومعهم وحيدا دون دفء السؤال وقد انشغل عني الأهل والولد بمطحنة الدنيا جرى على لساني هذا الدعاء دون وعي.
* الذين لا يتكلمون يتألمون، هل سألت صديقك الصامت ما بك؟ ربما لو تكلم عرفت كم أهنته، وكم أوجعته، وكم أبكيته وأحزنته، وكم احتمل دون أن يفتح فمه بكلمة، وربما عرفت أن نبله منعه حتى من العتاب مجرد العتاب.
* عندما تهجر السكينة قلوبنا ينبغي أن نسأل أنفسنا فقط لماذا؟
* عجبت من الذي يطالبك بكل حقوق الواجب وهو الذي لم يلتفت عمره لأي واجب.
* عندما تضيع ذهبك بيديك عبثا تبحث عمن يعيده إليك.
* لا تأمل كثيراً فيمن لا أمل فيه حتى لا تتألم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10314
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8274
| 03 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2409
| 08 سبتمبر 2026