رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم نفهم حتى الآن من الذي أمر الشرطة بالاختفاء أثناء الثورة، ولا من الذي أمر بفتح السجون وإطلاق نزلائها لترويع الخلق، ولا من الذي أمر بإطلاق الرصاص على الجماهير الغاضبة، كما أننا لم نفهم من الذي أمر ورتب الهجوم على مقار جهاز أمن الدولة خلال الأيام القليلة الماضية، ومن الذي أمر بإتلاف وإحراق ملفات الجهاز في أهم المدن المصرية.
(1)
سيظل السؤال «من» معلقا في الفضاء بغير إجابة حاسمة، ومن ثم سيظل باب الاجتهاد مفتوحا في صدد الجهات التي حرضت وتلك التي نفذت وصاحبة المصلحة في هذا وذاك، لكن بوسعنا أن نعرف الإجابة على السؤال «لماذا»؟ ذلك أن أحدا لا يشك لحظة في أن الأطراف التي سعت إلى ترويع الناس في مصر بعد الثورة، لا تزال نشطة ولم يهدأ لها بال، وأن هذه الأطراف ذاتها هي التي أمرت بالتخلص من وثائق جهاز أمن الدولة، التي تبين أنها ترصد كل شيء في البلد، بما في ذلك ما يحدث في غرف نوم رجال السلطة والشخصيات العامة، إلى جانب رصد اتصالاتهم وأنشطتهم في مختلف المجالات السياسية والثقافية والرياضية، وليس ذلك غريبا من وجهة نظر مسؤولي الجهاز، لأنه إذا كان هو الحاكم الحقيقي لمصر، فربما كان منطقيا أن يكون ممسكا بكل خيوط المشهد.
ليس ذلك فحسب، ولكن هناك قرائن تدل على أن الرئيس السابق كان يحب النميمة ويحرص على أن يعرف الأسرار العامة والخاصة لكل المحيطين به ولغيرهم من الشخصيات العامة.
وقد سمعت من وزير داخلية سابق لا يزال على قيد الحياة أن وزارة الداخلية كانت تتنصت على كل هؤلاء طول الوقت، وأن مجموعة من الخبراء كانت تتولى تفريغ أشرطة التسجيل للحصول على أهم المعلومات التي تضمنتها، وأن تقريرا بخلاصة تلك المعلومات كان يعد كل صباح، وتطبع منه ثلاث نسخ واحدة للرئيس والثانية للهانم والثالثة للابن الوريث، ولم أكن وحدي الذي سمع هذه القصة، ولكن كان يجلس معنا على طاولة العشاء في إحدى المناسبات خمسة أشخاص لا يزالون بدورهم أحياء، ومما ذكره الوزير الأسبق أنه حين رفض القيام بهذه المهمة، فإن رفضه أخذ عليه، وكان من بين الأسباب التي أدت إلى إخراجه من المنصب.
(2)
عملية إتلاف وثائق وتقارير أمن الدولة تمت في ظل ظروف مريبة، فقد حدثت أثناء استمرار الغياب الأمني ــ وخلال الأربع والعشرين ساعة التي أعقبت خروج وزارة السيد أحمد شفيق ــ وقبل يوم من محاكمة السيد حبيب العادلي وزير الداخلية السابق ــ وتمت كلها في وقت واحد وبأسلوب يكاد يكون واحدا، الأمر الذي يثير سؤالا كبيرا هو: إذا كانت تلك الوثائق تتعلق حقا بأمن الدولة، فلماذا تمت إبادتها؟
الإجابة التي تخطر على بال أي مراقب هي أن الوثائق، التي حاولوا إبادتها تدين جهاز أمن الدولة وتكشف ممارساته البشعة وجرائمه بحق المجتمع عبر العقود الأخيرة على الأقل، هي شهادات إدانة للجهاز وللنظام تفضح أسراره وتقدم أدلة تعريته، ليس ذلك فحسب وإنما تبين تلك الوثائق مدى تغلغل عملاء، وأصابع ذلك الجهاز الإخطبوطي في نسيج المجتمع المصري، وقد رأت قيادة الجهاز أن التخلص من تلك الوثائق ضروري لطمس معالم الجريمة التي ارتكبوها.
في هذا الصدد استوقفتني وثيقتان ضمن ما نجا من الحريق، الأولى موجهة إلى مفتشي المباحث في جميع المحافظات، وموقعة باسم اللواء حسن عبد الرحمن رئيس جهاز أمن الدولة ومساعد أول وزير الداخلية نصها كما يلي: نظرا لما تشهده البلاد في الوقت الراهن من حراك سياسي وتصاعد الوقفات الاحتجاجية واستغلال بعض العناصر المناهضة لتلك الوقفات، واحتمال مهاجمة بعض المقرات الشرطية، ومنها بعض الفروع والمكاتب فقد ووفق على ما يلي:
ــ إلغاء جميع أرشيفات المكاتب الفرعية التابعة للإدارات والفروع الجغرافية والتخلص من محتوياتها عن طريق الفرم وليس الحرق، مع نقل المعلومات غير المتوافرة بالإدارة أو الفرع إلى أرشيف الإدارة أو الفرع.
ــ تسيير أمور العمل بالمكاتب في حالة طلب الكشف عن أسماء من خلال الاتصال بالإدارة أو الفرع بمعرفة أحد السادة الضباط لتحقيق المطلوب.
ــ إلغاء أرشيف «سري للغاية» بأرشيف الإدارات والفروع الجغرافية أو إعدام محتوياته عن طريق الفرم، والتنسيق مع أرشيف سري للغاية بالجهاز في حالة طلب معلومات.
ــ قصر تحرير مكاتبات «سري للغاية» مستقبلا على الأصل فقط دون الاحتفاظ بصور.
برجاء تنفيذ ذلك تحت إشراف سيادتكم، وتفضلوا بقبول فائق الاحترام، «التاريخ في شهر فبراير الماضي ولكن اليوم ليس واضحا في الصورة المستنسخة».
الوثيقة الثانية تتضمن مذكرة قدمت إلى رئيس أمن الدولة خلال شهر فبراير أيضا (اليوم ليس واضحا)، تعلقت بالتعامل مع الدعوات التي أطلقت لحل الجهاز بعدما ساءت سمعته، وأشارت إلى أن أصواتا لها توجهاتها الخاصة سعت إلى النيل من الجهاز «دون اعتبار لمقتضيات المصلحة القومية العليا والأمن القومي المصري».
أضافت المذكرة أن هناك رؤية يمكن طرحها في إطار السعي من جانب الدولة لاستيعاب المطالب «الإثارية» المطروحة عبر أبواق الدعاية الإعلامية، سواء المناهضة أو ذات الأغراض، التي توظف معالجاتها لطرح مطالب المتظاهرين، وتتبلور هذه الرؤية فيما يلي:
ــ الإعلان عن حل مباحث أمن الدولة بشكل صوري وإعلامي، والإعلان عن أن ذلك يتم في إطار تغييره، وكذلك السعي إلى امتصاص الدعاوى الإثارية والمناهضة في هذا الشأن.
ــ تغيير مسمى الجهاز إلى جهاز الأمن الداخلي ــ جهاز المعلومات الأمنية ــ جهاز الأمن الوطني، إلخ «بقية الوثيقة مفقود، ولكن الفكرة فيها واضحة، وهي تدعو إلى إحداث تغيير في اسم الجهاز فقط مع الإبقاء على وظيفته كما هي».
(3)
هل بوسعنا أن نقول إن جهاز أمن الدولة الذي سبقت الإشارة إلى أنه كان واعيا باحتمال تعرض مقرات الشرطة للاقتحام من جانب المتظاهرين قد تخلص فعلا من الوثائق الأخطر، وأنه قصد أن يترك بقية الوثائق لكي تتسرب بصورة أو أخرى، ومن ثم تصبح عرضة للتداول بما يفتح الباب لاحتمالات البلبلة وإثارة الفتنة، علما بأن الوثائق المتروكة خلت من أي إشارة إلى أركان النظام السابق، الذين كان أغلبهم ضالعين في مختلف صور الفساد.
يؤيد هذه الفكرة أن بعضا من تلك الوثائق تتحدث عن العلاقات الشخصية والأمور شديدة الخصوصية، ومضمونها يصلح مادة للنميمة والثرثرة ولا علاقة له بالشأن العام أو بالسياسة.
من الوثائق التي تثير البلبلة وتبعث على الحيرة واحدة صدرت عن مكتب وزير الداخلية منسوبة إلى «التنظيم السياسي السري»، وتحدثت عن تكليف القيادة رقم 77 بتاريخ 2/12/2010 الخاص ببحث إمكانية «تكتيف الأقباط وإخماد احتجاجاتهم المتتالية، وتهدئة نبرة البابا شنودة في خطابه مع النظام»، واقترحت الوثيقة أن يتم تنفيذ عمل تخريبي ضد إحدى الكنائس الكبرى بالقاهرة بمعرفتنا، ثم تقوم بإلصاق تلك التهمة أثناء التحقيقات في أحد القيادات الدينية المسيحية التابعة للكنيسة عن طريق جعل جميع تحريات المعمل الجنائي والنيابة العامة تتجه نحو القيادة القبطية، ثم نطلع البابا شنودة على نتيجة التحقيقات السرية، ونفاوضه بين إخماد الاحتجاجات القبطية المتتالية على أتفه الأسباب وتخفيف حدة نبرة حديثه على القيادة السياسية، وعدم تحريض رعاياه الأقباط للتظاهر بالاحتجاج، ودفعه نحو تهدئة الأقباط للتأقلم مع النظام العام بالدولة، وإما إعلان قيام القيادة الكنسية بتدبير الحادث وإظهار الأدلة على الملأ أمام الرأي العام الداخلي والخارجي لتنقلب جميعها على الكنيسة، وذكرت الوثيقة أنه إزاء ذلك «من المؤكد أن البابا شنودة سوف يمتثل للتهديد، وسوف يتحول موقفه إلى النقيض، بما يضمن تهدئة الأوضاع تماما».
ما يثير الدهشة أن تلك لم تكن فكرة مجنونة خطرت للمسؤولين في مكتب الوزير ممن ينتسبون إلى «التنظيم السياسي السري»، وهو جهة لم نسمع بها من قبل، ولكنها نفذت بالفعل في كنيسة «القديسين» بالإسكندرية، حيث حدث تفجير كبير أثناء خروج المصلين في احتفالهم في الكنيسة برأس السنة الميلادية الجديدة، مما أدى إلى مقتل 21 شخصا، وليس ذلك مجرد استنتاج، ولكن إحدى الوثائق التي عثر عليها فضحت السر العجيب، تاريخ الوثيقة 11/12/2010، وهي منسوبة إلى مكتب الوزير، وعنوانها، خطوات تنفيذ التكليف 77 بتاريخ 2/12 تحت إشراف الرائد فتحي عبد الواحد، وورد في النص ما يلي:
تنفيذا للتكليف رقم 77 بتاريخ 2/12/2010 اجتمعنا مساء أمس الساعة 20، 20 لمدة ساعة ونصف الساعة بكل من المدعو محمد عبد الهادى والمدعو أحمد خالد والمدعو عبد الرحمن علي، واتفقنا على جميع بنود الخطة الموضوعة لتنفيذ المهمة، كما اتفقنا على أن يتم تسلم المتفجرات المتفق بشأنها جاهزة وفي انتظار ساعة الصفر، وقد وجهنا المدعو أحمد خالد وعبد الرحمن علي بعدم مغادرة محل الإقامة المحدد لدينا إلا بإخطار مسبق لنا، كما وجهنا المدعو محمد عبد الهادى بإخطارنا بجميع تحركاته وما ينوي القيام به من أعمال خلال الفترة المقبلة لحين تنفيذ العملية، أما مسرح العملية فقد وجهنا عناصر الشرطة السرية المكلفة بمراقبته وإعداد تقارير يومية وموافاتنا بها يوميا!
(4)
مساء يوم الخميس الماضي ظهر ضابط شرطة سابق اشتغل بالصحافة على شاشة إحدى القنوات الخاصة، وظل يندد بالفوضى ضاربة الأطناب في البلاد، واتهم الإخوان المسلمون بأنهم ضالعون في تلك الفوضى، كما تعددت الكتابات التي لوحت بفزاعة الإخوان، وحذرت من إجراء الانتخابات بعد ستة أشهر سيوقع البلد بين أيديهم، لأن المنافسة ستكون بينهم وبين مرشحي الحزب الوطني، وأثارت كتابات أخرى مسألة الفوضى الحاصلة في البلد، والأضرار الاقتصادية التي ترتبت عليها، كما أثارت قضية انتشار الجرائم في الأقاليم (غياب الشرطة سبب لها)، وقرأنا لمن قال إن الثورة أصبحت بحاجة إلى ثورة أخرى، ولمن قال إنه أصبح يكره الثورة لأنها فتحت الباب لشرور لا يعلم مداها إلا الله.
كأن المطلوب أن يندم الشعب المصري على الثورة التي أطلقها وأيدها، وأن يتحسر على حكم مبارك ونظامه، بسبب من ذلك فإنني أشك كثيرا في ملابسات اقتحام مقار أمن الدولة وفي براءة، الذين يثيرون مخاوف الناس من المرحلة المقبلة، ولا أتردد في القول بأنهم يروجون له يقدمون أكبر خدمة للثورة المضادة، إن لم يكونوا جزءا منها، علموا بذلك أم لم يعلموا.
حين يسبق التنظيمُ التطويرَ .. من يحمي مستقبل التدريب؟
في القطاعات التي تتحرك بسرعة، لا يكون التأخر مجرد بطء إداري، بل قد يتحول إلى خسارة في الكفاءات... اقرأ المزيد
216
| 28 يونيو 2026
الأمانة القيادية.. عندما تصبح المسؤولية منظومة لا منصباً
حرص ديننا الحنيف على إعداد شخصيات قيادية قادرة على تسيير شؤون الحياة والبشر وأهلاً لعمارة الأرض التي أبت... اقرأ المزيد
189
| 28 يونيو 2026
يعيشون على الهامش!
يحدث كل يوم أن يمرّ أشخاص كثيرون أمامنا من غير أن يتركوا أثرًا في انتباهنا، مع أنهم يحملون... اقرأ المزيد
75
| 28 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
4905
| 23 يونيو 2026
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
3468
| 28 يونيو 2026
انحسار النفوذ الغربي مكّن طوفان الأقصى من تسريع تشكّل النظام الدولي القادم، فبعد الف سنة من الحروب على المنطقة يتم التوقيع على مذكرة التفاهم، فالحروب لم تتوقف على المنطقة منذ الحملات الصليبية الأولى التي كانت بعد الألفية الأولى أي عام ١٠٩٦م والتي رعتها الكنيسة لانتزاع بيت المقدس والسيطرة على موارد الشرق واستمرت على مدى مائتي سنة، وما نعيشه وما عشناه خلال العقود الماضية إنما هو تجلٍّ من تجليات آخر الحروب الصليبية تحت مسميات مختلفة لكنها في صلبها واحدة، كما أن الصهيونية الإنجيلية أحد تجلياتها، فبعد تحول الغرب لمفهوم العلمانية أصبحت تلك الحملات تنعت بالاستعمار والكولونيالية، حيث جاءت الحملات الاستعمارية من البرتغال عام ١٥٠٠م، وبعدها نابليون عام ١٧٩٨م وهو اول من اقترح زراعة كيان وسط العالم العربي ضمن خطابه لليهود في ١٧٩٩، وتزامنت الحملة الفرنسية مع الحملات الكولونيالية والاستعمار البريطاني ثم تلاهم مشروع بانرمان رئيس وزراء بريطانيا لزرع كيان يفصل المشرق العربي عن المغرب العربي يدين للغرب ولا يسمح باستقرار المنطقة العربية لأنها تملك الموارد والسيطرة على المنافذ البحرية وخطوط التجارة، ورأينا كيف أن مضيق هرمز طوّع القوى الاستعمارية الكولونيالية في المنطقة، فمنذ الحملة الصليبية الأولى وحتى عام ١٩٤٨ لم تستقر المنطقة ولم تنعم بالأمن والسلم، لكن اليوم أمن وسلم المنطقة هو أساس أمن وسلم العالم والاقتصاد العالمي، تغيّرت الأحوال وأصبحت المنطقة مركز اهتمام العالم ومصدر رزقه، فبدل الاهتمام بنيويورك أصبح الاهتمام بالخليج. التوقيع على مذكرة التفاهم واستمرار التفاوض وإصرار الولايات المتحدة على المسار التفاوضي يعني إيقاف الحروب والهيمنة على المنطقة العربية والاسلامية وقبول الولايات المتحدة على الجلوس في مجلس الأمن وقبول قرار مجلس الأمن يعني قبول القانون الدولي وأن الولايات المتحدة كأي دولة أصبحت تحت القانون الدولي الذي تعاملت معه بفوقية في الماضي، حيث نمت المنطقة وتوسعت وأُنشئت اقتصادات وصناعات وصناديق سيادية ومنظومة ادارة حرصت على مصلحة شعوب المنطقة، مما جعل من المنطقة أساسًا للاقتصاد العالمي. كل كيان من كيانات سايكس وبيكو أصبح دولة مؤثرة ولها نموذجها في السياسة والدبلوماسية والوساطات، وأصبحت كل دولة تملك قاعدة صناعية يحتاجها العالم، لم تعد دويلات ضعيفة بل نمت لتكون شريكًا استراتيجيًا وحليفًا قادرًا على حل مشكلات ومعضلات دول المنطقة ودول الغرب. فمن أفغانستان إلى غزة إلى إيران لم يكن بإمكان الغرب التخارج من تلك الأزمات دون قطر، وأوروبا بدون قطر لا تستطيع الحصول على حاجتها من الطاقة والطاقة النظيفة، وبإضافة ما تقوم به المملكة والإمارات يتضح أهمية الدور العربي من مصر إلى قطر. وفي أجواء كتلك يصبح الغرب وإن واجه دولة في المنطقة مثل إيران في حاجة ماسة لدعم دول المنطقة، وعليه فإن الاكتفاء بنسج علاقات سياسية ودبلوماسية واقتصادية هي السبيل لتحصيل مصالحه من دول المنطقة أصبح أمرًا واقعًا. هذه الاتفاقية ستلجم الهجمة الاستعمارية بعد أن أنهك الغرب ولم يعد قادرا على تقمص دور المهيمن في الوقت ذاته أصبحت فيه دول وشعوب المنطقة والعالم على وعي وعلم بأهمية المنطقة والحاجة لحمايتها من خلال كيانات إقليمية ودولية، فالعالم يحتاج الخليج في مأكله وصناعاته والطاقة الضرورية لحركة الاقتصاد والحياة وليس في حاجة لنيويورك. تستمر المنطقة في بناء سيادتها ومنعتها وعلى كل منعطف تزداد قوة ومنعة والاحداث الاخيرة حضّرت المصير الواحد للامة وعبثية الفردية وخطورتها على الدول والشعوب، فقدراتها تؤهلها للقيام بدور قيادي ريادي يحتاجه العالم اليوم من الاقتصاد إلى الاستثمار إلى الموارد الأولية إلى السياسة والدبلوماسية، وستصبح دول المنطقة هي الضامن للأمن والسلم العالمي والشريك المحايد لآسيا والغرب وأفريقيا.
2175
| 22 يونيو 2026