رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما لم تحدث مفاجأة غير متوقعة في العالم العربي خلال العام الجديد. فستظل ثلاثة من أسئلة المصير معلقة على جدرانه طول الوقت. واحد يخص الربيع العربي والثاني محوره سوريا. أما الثالث فلن يغادر فلسطين.
(1)
كما أنه مبكر جدا الادعاء بأن العالم العربي سيصنع مصيره وحده، فليس بوسع أحد منا أن يدعي أنه سيتصرف بمعزل عن محيطه. ولا أظن أننا سنختلف كثيرا على حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال هي «الراعي الرسمي» للعالم العربي. وقبل أيام غمزنا باتريك سيل الكاتب البريطاني المتخصص في الشرق الأوسط حين تحدث عن نفوذ إسرائيل الهائل في الولايات المتحدة ــ خصوصا في الكونغرس ــ وأبدى دهشته من أن «عربا كثيرين» لا يزالون يطالبون بحماية الولايات المتحدة، وهو ما اعتبر مفارقة وضربا من الجنون. (الحياة اللندنية 4/1).
حتى هذه الرعاية المفترضة لن تكون ضمن أجندة الرئيس الأمريكية في فترة حكمه الثانية والأخيرة. لسبب جوهري هو أنه سيظل مشغولا طوال السنتين المقبلتين بإنقاذ اقتصاد بلده المتهاوي، إلى جانب بعض القضايا الإستراتيجية الكبرى مثل التعامل مع التحدي الصيني وترتيب الأوضاع مع روسيا. لن تغيب الولايات المتحدة عن العالم العربي بطبيعة الحال، ولكنها قد تقترب منه في تعاملها مع الملف النووي الإيراني الذي يحتل أولوية في أجندة الحكومة الإسرائيلية، ولا يزال يثير المخاوف في دول الخليج. وفي حدود علمي فإن التوجس الخليجي تزايد مع حلول العام الجديد بعدما لاحظت المراصد السياسية رسائل الغزل النسبي التي تم تبادلها في الآونة الأخيرة بين واشنطن وطهران. وكان الرئيس أوباما قد استهل ولايته الأولى (عام 2009) بالدعوة إلى حوار إيجابي مباشر وغير مشروط بين البلدين، وهي الرسالة التي ترددت بذات اللغة عقب انتخابه لولايته الثانية، وقد لوحظ أن وزير خارجيته الجديد، وكذلك وزير دفاعه المرشح من مؤيدي ذلك الحوار المباشر، الذي يتصور أهل السياسة في الخليج أنه إذا توصل إلى اتفاق فسوف يكون على حساب الدول الخليجية. وفي السيناريو المرشح أن فرصة الحوار المباشر ستكون مرجحة في النصف الثاني من العام، بعد انتخاب رئيس جديد لإيران، خلفا للرئيس الحالي أحمدي نجاد الذي ستنتهي ولايته ولا يجيز له الدستور أن يترشح لولاية ثالثة، يقدرون أيضا أن إجراء المحادثات المباشرة في النصف الثاني من العام ستتم في أجواء مغايرة، يرجح أن تختلف فيه حسابات إيران الإستراتيجية، في ظل الانهيار المتوقع للنظام السوري الذي من شأنه أن يضعف الموقف الإيراني.
لن يكون العالم العربي بعيدا أيضا عن التطورات التي يفترض أن تحدث في تركيا. وأهمها مسعى إنهاء المشكلة الكردية بعد استعصاء دام نحو 30 عاما (أكراد تركيا يتجاوز عددهم 15 مليونا). إذ في الأيام الأولى من العام الجديد أعلن عن لقاء تم مع عبدالله أوجلان الزعيم الكردي المسجون لوضع اللمسات النهائية للاتفاق الذي يفترض أن ينتهي بنزع سلاح حزب العمال الكردستاني وإغلاق ذلك الملف الشائك، وهذه الخطوة سيكون لها صداها القوي في أوساط أكراد العراق وإيران وسوريا. ومعروف أن الأخيرة حاولت أن تستخدم ورقة الأكراد المقيمين لديها في ابتزاز تركيا وإثارة المتاعب لها.
إذا جاز لنا أن نتحدث عن «رعاية» أمريكية للمنطقة ومشروع إيراني وآخر تركي يحومان حول العالم العربي، فإننا لن نستطيع أن نغفل المشروع الإسرائيلي، الذي سنفرد له لاحقا وقفة خاصة. وستظل هذه الخلفية بمثابة محطات يتعين للمرء بها قبل الدخول إلى العالم العربي، الذي لا يزال مشروعه جنينيا في عالم الغيب.
(2)
قصدت وصف المشروع العربي بأنه «جنيني»، في إشارة إلى أننا نتحدث عن حقيقة وليس وهما، رغم أنها لم تتبلور بعد، ولم نعرف لها ملامح بعد، كأي جنين دبت فيه الروح وإن لم يعرف له رسم أو اسم.
ما أعنيه بوضوح أن الذي يتصورون أن الربيع العربي مقصور على دول دون أخرى، أو أنه مجرد هبَّة عارضة أو نوع من «الفوضى الخلاقة»، هؤلاء يغمضون أعينهم عن الحقيقة ويخدعون أنفسهم. ذلك أن الربيع ترددت أصداؤه في كل بلد عربي، إذ الثابت أن الجماهير العربية فتحت أعينها واستعادت وعيها. وأدركت أن لها حقوقا ينبغي أن تصان وعوجا في واقعها ينبغي أن يقوم. وتعاملت مع ذلك بدرجات متفاوتة من الجرأة. فمن لم يستطع أن يرفع صوته ويتظاهر في الشارع، فأمامه أبواب التواصل الاجتماعي المفتوحة أمام الجميع، بوسعه أن يدخل إليها وأن يخاطب الجميع من خلالها.
من هذه الزاوية أزعم أن العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه صار موزعا بين ربيع صاخب وآخر صامت. الأول رفع صوته وتكلم، والثاني أوصل صوته دون أن يتكلم. الأول سمعناه مدويا والثاني قرأناه ووجدناه بدوره مدويا. جميعهم أعربوا عن عدم رضاهم على واقعهم، فمنهم من دعا إلى تغيير الأنظمة. وحين يدقق المرء في الصورة سيجد أن دعوات التغيير مسموعة بشدة في المشرق والمغرب الذي شهد له ما أسميناه الربيع الصاخب. في حين أن أصوات الإصلاح تتردد في دول الخليج بوجه أخص، التي أزعم أنها أصبحت معقلا للربيع الصامت. وإذ تابع الجميع ما شهدته شوارع المشرق والمغرب من مليونيات وتجاذبات واشتباكات، فإن تعامل دول الخليج مع تجليات الربيع الصامت تراوح بين فض المظاهرات التي خرجت إلى الشوارع في البحرين والكويت، والملاحقة الأمنية التي شهدتها دولة الإمارات وسلطنة عمان، والخلط بين الأساليب الأمنية ومحاولة استرضاء الجماهير كما حدث في السعودية، التي عكست موازنة السنة المالية الجديدة ذلك التوجه الأخير، حين خصصت مبالغ طائلة للتعليم وتوفير الخدمات الطبية وإنشاء المدن الرياضية ودور الرعاية الاجتماعية، كما خصصت لأول مرة رواتب للباحثين عن عمل.
على صعيد آخر فإن الربيع العربي سيمر في العام الجديد بمنعطف غاية في الأهمية، أزعم أنه سيؤثر على مستقبل الإسلام السياسي في المشرق والمغرب. فإما أن يمنحه دفعة إلى الأمام أو يؤدي إلى تراجعه وانكساره. يتمثل ذلك المنعطف في الانتخابات التي ستجرى في فترة الصيف بكل من مصر وتونس. ذلك أن نتائج تلك الانتخابات ستحدد مدى رضاء الشعوب عن أداء الحركة الإسلامية في البلدين. حيث أزعم أن النجاح سيكون له أثره البعيد في العالم العربي، أما الفشل فسيكون مدويا، وسيخرج الإسلام السياسي من اللعبة لعدة سنوات مقبلة.
(3)
على صعيد آخر لعلي لا أبالغ إذا قلت إن العنوان السوري سيكون أهم عناوين السنة الجديدة، لأن السقوط الوشيك للنظام قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة المشرق العربي، وربما إلى إحداث تغيير في توازنات الشرق الأوسط.
وللعلم فإن ذلك البلد الذي يبلغ تعداد سكانه 22 مليون نسمة يضم أغلبية من أهل السنة (75٪) وإلى جوارهم علويون (13٪) وشيعة وإسماعيليون (3٪) ودروز (3٪) ومسيحيون (10٪) وأكراد (3٪)، ورغم أن العربية هي لغة الدولة فإن المجتمع يضم آخرين يتحدثون اللغة الكردية والتركمانية والشركسية.
خلال أكثر من 40 سنة من الحكم الاستبدادي، استند النظام على أجهزة الأمن والطائفة العلوية، حتى أنه ربط مصيره بمصيرها، وصارت الأجهزة الأمنية والشبيحة تعتمد على أفراد تلك الطائفة. وسقوط النظام سيكون له تأثيره على خريطة الدولة السورية، ومحيطها. إلا أن هناك من يتحدث عن احتمال تقسيمها بين السنة والعلويين والأكراد. وهناك سيناريوهات أخرى تصور مستقبل الدولة. فمن قائل إنها ستصبح دولة ضعيفة تسيطر على العاصمة فقط مثل أفغانستان، وقائل إنها ستكون دولة فاشلة كالصومال، أو دولة مقسمة مثل يوغوسلافيا. أو دولة طوائف مثل لبنان.
من ناحية ثانية، فإن سقوط النظام السوري سيكون له صداه المباشر في لبنان، وسيضعف بشدة من قوة حزب الله الذي كان يتلقى الإمداد الإيراني عبر سوريا. وإضعاف حزب الله سيضعف إيران إستراتيجيا، كان يمثل تهديدا لإسرائيل خصوصا بعدما عرف أن لدى الحزب صواريخ يمكن أن تضرب العمق الإسرائيلي، وإضعاف إيران إستراتيجيا سيغري إسرائيل بتدمير مشروعها النووي وهي مطمئنة. ولن يقتصر التأثير على لبنان وإيران ولكنه سيشمل العراق أيضا. الذي ينتظر السُّنة فيه فرصة الانتفاض ضد النظام القائم في بغداد، الذي يشعرون في ظله بالاضطهاد. وقد عبروا عن مشاعرهم مؤخرا حين تظاهروا في محافظة الأنبار، وخرجوا رافعين أعلام الجيش السوري الحر.
أما الأردن الذي تتردد فيه أصوات الغضب ضد النظام بصوت مسموع ومتجاوز أحيانا للخطوط الحمراء، فلن يكون بعيدا عن أصداء سقوط نظام دمشق، كذلك ليس معلوما كيف يكون الصدى في تركيا التي يسكنها حوالي 16 مليونا من العلويين أكثرهم أيدوا نظام الأسد وتظاهروا لصالحه في أكثر من مدينة، ومنهم من اشتبك مع عناصر الجيش الحر في القرى الحدودية.
هذه التداعيات التي سيرتبها السقوط في داخل سوريا وفي محيطها تشير بوضوح إلى أن ذلك المصير لن يكون نهاية لمشكلة سوريا فقط، وإنما سيكون أيضا بداية لمشكلات أخرى لسوريا وللدول المحيطة بها في الإقليم.
(4)
تلوح في الأفق مؤشرات تدل على أن العالم العربي مقبل في العام الجديد على مجموعة من التحديات يطل منها شبح الفرقة والتشرذم. فأخشى ما أخشاه مثلا أن تكون بصدد تأجيج الصراع السني الشيعي. ذلك أن النظام الجديد في سوريا لن يكون متصالحا مع إيران أو الشيعة الذين ساندوا نظام الأسد. كما أن هناك حساسيات إزاء حزب الله في لبنان الذي لم تهدأ فيه المشاعر الطائفية. وليس سرا أن السنة في العراق لهم مراراتهم إزاء الشيعة القابضين على السلطة منذ سقوط صدام حسين. وإذا أضفت إلى ذلك أن بعض الدول النفطية المشتبكة مع إيران تغذي العداء للشيعة، وتحدثت في وقت سابق عن التصدي لما سمي بالهلال الشيعي، فلن نستغرب إذا قادنا كل ذلك إلى مواجهة بين السنة والشيعة ستحترق فيها أصابع الجميع.
لن أستبعد أيضا صداما بين السلفية بمدرستيها الدعوية والجهادية وبين تيارات الاعتدال الإسلامي الموجودة على الساحة. ونحن نلاحظ مقدمات ذلك الصدام في تونس والمغرب والسودان وليبيا. وهي في مصر الآن تنافس لم يصل إلى درجة الصدام بعد.
يلحظ المراقب أيضا مقدمات تنافر بين الملكيات ودول الخليج العربي من ناحية وبين دول الربيع من ناحية ثانية، وقد يصل الأمر إلى احتشاد تلوح به فكرة الاتحاد الخليجي الذي يفترض أن يطرح أمره للبحث بين دول مجلس التعاون في منتصف العام الجديد. ولذلك التنافر قرائن ظهرت في الآونة الأخيرة، حين احتمى عدد من عناصر الأنظمة التي سقطت ببعض الدول الخليجية، ومنها دول قدمت دعما قويا ماليا وسياسيا لتلك العناصر في الخارج، وامتداداتهم في الداخل.
إذا أضفنا إلى ما سبق الصراع الحاد الذي تشهده دول الربيع العربي بين التيارات الإسلامية الصاعدة والقوى العلمانية والمدنية، فستصبح صورة العام الجديد مسكونة بمؤشرات غير مريحة كثيرا وغير مطمئنة.
بقي العنوان الفلسطيني الذي أزعم أنه سيشهد تطورا مهما ومثيرا في العام الجديد، سنتوقف عنده ومعه في الأسبوع المقبل بإذن الله.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4356
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3180
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1224
| 28 سبتمبر 2026