رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أسفر صباح العيد وتهيأت للغدو إلى صلاته بعد صلاة الفجر والتمتع بهتاف التكبير فيه كما هي السنة.. هذا التكبير الذي يبدأ بسرد معاني العيد لا الوقوف على العيد نفسه فالله أكبر من كل شيء ولكن حال خروجي من المنزل نظرت إلى شاشة تليفزيون أورينت فإذا برنامج مختصر فيه إبداع الرسوم والكاريكاتير عن أطفال من سورية يسأل أحدهم أمه أين أبي فتجيب: يابني ذهب والدك إلى الجنة وطفلة تسأل أين أخي والجواب انه حي سيعود ولكن! وأم تبكي منتحبة على بنت لها في ميعة الصبا اختطفها الشبيحة في حمص وقد جاء العيد ولكنها لم تعد وتبكي الملوعة وتبكي وهي تذكر قصة مأساة زينب الحصني الشابة وماذا فعل بها من التقطيع أربع قطع والتشويه من قبل عصابة المقاومة والممانعة كذلك في عاصمة الثورة السورية بحمص الأبية التي لم تركع للمغول فهل ستركع لهذه الطغمة؟ خرجت إلى المصلى والحزن ممتزج بالسرور الذي يجب أن نشيعه ولو قليلا في العيد ثم قلت في نفسي: إن الشباب الحر في سورية يوم وقفة عرفات وقد سقط منهم أكثر من ثلاثين شهيدا أخذوا يزفونهم بكل فرح إلى الجنة فلماذا لا أفرح وقد هل يوم النحر عيد الأضحى وزف عشرات من الشهداء كذلك حتى تمنيت أي والله أن أكون واحدا منهم فطوبى وألف طوبى.
وعدت من صلاة العيد والتفكير لم يتوقف في خاطري وأدرت قناة الجزيرة فإذا الشبيح الأكبر ومعه وزير النفاق ومفتي الفساد في مسجد النور بمحافظة الرقة وليس في المسجد الأموي في دمشق ولا تسأل عن نفاق خطيبنا الشبيح الصغير الذي تزيا بزي العلماء وأخذ يكيل المدح والثناء لصاحب الإصلاح والمبادرات والسيد الذي يجب أن يكون المطاع وقد تناسى إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في عرفات ويقول: واسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع ما أقام فيكم كتاب الله أي وسنة نبيه، وكان قد ذكر الدكتور البوطي في كتابه فقه السيرة في حجة الوداع عند التعليق على هذا أن الحاكم إذا لم يقم بكتاب الله ويحكم به فلا طاعة له على الرعية ولا حصانة له ولا امتيازات ويا ليته كان ممن وافق قوله فعله ولم ينزلق مع أولئك الشبيحة ليكون العلم حجة عليه لا له، لكن نظرت في الصورة المقابلة وإذا بخطيب عالم رباني في بلدة جرجناز بمحافظة أدلب يقول: إن عمره قد بلغ الآن ثمانية أشهر فهو بعمر الثورة السورية ليؤكد أنه لم يكن مولودا على وجه الحقيقة منذ العقود الأربعة الاستبدادية في عهود الشبيحين الأب والابن، ففرحت وارتقت معنوياتي وزاد فيها أنه بعد انتهاء الصلاة من مسجد النور ابتدأت مظاهرات تهتف بسقوط الشبيح الكبير حتى قطع البث.. كل ذلك أقنعني أن العيد يعود ليعلمنا دروسنا في الاصطفاف مع الأحرار لا مع الأشرار وهكذا يمتزج الحزن بالسرور في العيد ولكن الذي لم يغب عن خاطري البتة وأنا والعرب والمسلمون والعالم نعيش موقف الجامعة العربية في مبادرتها الأخيرة التي هبت على غير عادة لحل ما أسمته الأزمة السورية اليوم وكانت من قبل تميل بتوجه أمينها العام نبيل العربي إلى عدم نزع شرعية أي زعيم عربي مع تأييد بشار والانخداع بإصلاحاته الخلبية قلت: لعل الأمر تغير واشتعلت نيران الغيرة والحماسة في صدور مسؤولينا العرب من جديد بعد أن تمادت عصابة دمشق وعاقرت القمع وبعد إعطاء مهلة أسبوعين لها قتلت فيهما 410 شهداء فضلا عن الجرحى والمعتقلين في ربوع سوريا وخاصة في حمص وتم اللقاء في القاهرة ووافقت سلطة دمشق بلا تحفظ على شروط المبادرة التي أهمها إيقاف العنف فورا وسحب الدبابات والأسلحة من المدن والبلدات والأحياء وإطلاق سراح جميع المعتقلين بسبب الاحتجاجات ثم بدء الحوار مع المعارضة وقد أحسنت في طرح هذه البنود التي هي مطلب الشارع في قسم منها لكن الأهم منه في ذلك أنها لم تتضمن أي نقاط لضمانات تنفيذ الخطة والاستجابة الفورية التي أعلنتها وكذلك لم تحقق مبدأ المحاسبة لكل القتلة الذين أزهقوا أرواح المتظاهرين العزل والمدنيين وهم بالآلاف وعلى رأس القتلة الشبيح الأكبر وأخوه وعصابتهما ولذلك فإن الخطأ في هذا كان خطرا لم يستوعب درس الشرع ولا القانون ويضاف إليه أنه أعطى الظالم مهلة أسبوعين أيضا لبدء الحوار، فإذا باللؤماء يزيدون في قمعهم وقتلهم وقصفهم بالطائرات والدبابات وقد سقط أمس واليوم 48 شهيدا وخاصة في بابا عمرو بحمص، ألم يتذكر المسؤولون في الجامعة كيف اتصل رأس العصابة بالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قبل أشهر وهو يؤكد له أنه غدا سوف يسحب الجيش والدبابات من الشوارع ثم لم يفعل حتى علق كيمون بقوله: إن الرئيس السوري ليس بصادق، قالها غاضبا وهو لا يعرف أنه:
كانت مواعيد عرقوب لهم مثلا
وما مواعيدهم إلا أباطيل
والآن نقول لأرباب هذه الجامعة ونحن نقرأ في الأخبار إذا صدقت ان الجامعة تعتبر أن سوريا لم تنفذ خطة الجامعة العربية فلعل ذلك يعدل من الموقف ويدين النظام ليفتح بابا جديدا من الحلول التي نبه نبيل العربي أنها ربما تكون كارثية تجاه سوريا حيث لم تلتزم ولذلك لم نجد عجبا أن يكون رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها حمد بن جاسم يؤكد أن المهم هو تطبيق مبادرة الجامعة لا مجرد الموافقة عليها وعندما سئل عن تهديد الأسد للمنطقة وإحراقها أحسن في الإجابة: إننا لا نريد اللف والدوران بل نريد إصلاحات جدية وباعتبار ان قطر هي رئيسة هذه الدورة للجامعة فقد اعتبر حمد بن جاسم رئيس الوفد المتابع ان الجامعة في انعقاد دائم، ولكننا مازلنا نرى أن الدم السوري في نزيف دائم ولذلك فلعل المهلة خفضت حيث قرأت في الأخبار الآن أن الجامعة ستعقد السبت المقبل اجتماعا طارئا لبحث الأزمة كما صرح المسؤول القطري لعل الدم الذي مايزال يسيل مدرارا وخاصة من الأطفال يحرك أكثر وأعمق وإن كان يجب هذه المرة ان تكون جازمة فقد أعطى بشار من مهل الأمم المتحدة وتركيا والجامعة ما غدا أضحوكة يتندر بها حتى الأطفال، وما ندري لماذا هذا الدلع والدلال الزائد له عن غيره من الحكام المستبدين.
لعلنا نقرأ أن مبادرة الجامعة وقد جاءت عربية بمباركة روسية-صينية-إيرانية، وأن أمريكا والاتحاد الأوروبي حريصون على تطبيقها يقودنا إلى القول إن المصالح هي التي تملي ذلك عندهم، أما روسيا والصين وإيران فلنصرة موقفهم الظالم الداعم للنظام وخاصة إيران التي ترى انه إذا نجحت المبادرة وتم الحوار وبقي بشار فستبقى وحزب الله وأحلافها في صولات وجولات، إذ أن بشار عندهم خط أحمر كما صرحوا، أما إذا قرأنا أن المبادرة سوف تفشل سيما أن الشعب السوري البطل لن يقبل بعد كل الذي جرى ويجري أي حوار مع بشار وجوقته مهما كلف ذلك من الضحايا مما يعني انه لو حدث تدخل دولي من نوع آخر من الطرف الآخر لحماية المدنيين ولو تصرف عسكريا فإن النظام الأحمق الذي يدعي التعاقل هو الذي يكون قد دفع إلى ذلك بفعله القمعي.
أقول: وفي كل الأحوال فإن المستفيد الأول هو إسرائيل التي أجزم أنها ما تزال تقنع أمريكا التي أصبحت أكثر وأكثر العوبة بيدها أن تبقى على نظام الأسد لأن بقاءه مصلحة إسرائيلية بلا شك وكل الوقائع تدل على ذلك إذ ما تزال الجبهة معها هادئة منذ أربعة عقود فهل تجد أفضل منه، ولذلك نجد أنها لا تصرح ولا تجعجع وإن كان مسؤولوها ومفكروها نطقوا منذ البداية بذلك بل قال الرهبان انهم يصلون لبقاء نظام الأسد.
لاريب أن الثورة لن تنكسر وان الليل سوف ينجلي وان الجامعة مطالبة ومنظمة التعاون الإسلامي والمجتمع الدولي بان ينحازوا لمصلحة الشعب دون نقصان في حقوقه وان يكون الحوار فقط للتفاوض على نقل السلطة إلى حكومة مدنية تعددية ذات تداول سلمي للسلطة ولو تم ذلك بالقوة لأن المستبد يتجاوز حدوده ما لم يقم أمامه سد من حديد كما قال ولي الدين يكن وكما قال عبدالرحمن الكواكبي: إن الحكم الذي يقوم على الظلم لا يدوم عاجلا أو آجلا.
غزة التي استمرت
من قال إن القصف قد توقف في غزة فليراجع حساباته ومن يقول إن وقف إطلاق النار الإسرائيلي قد... اقرأ المزيد
12
| 03 يونيو 2026
الحج بين روح العبادة وضجيج المظاهر!
• انقضى موسم الحج لهذا العام، ونجحت المملكة العربية السعودية في إدارة واحد من أكبر التجمعات البشرية في... اقرأ المزيد
24
| 03 يونيو 2026
من بناء القدرات إلى بناء القواعد.. ملامح السيادة التقنية
لا تُبنى التحولات الكبرى بالتكنولوجيا وحدها، بل بالقواعد التي تنظمها. خلال الفترة الماضية، شهدت قطر سلسلة من التطورات... اقرأ المزيد
24
| 03 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5046
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2712
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2331
| 02 يونيو 2026