رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرت القضية الفلسطينية بأزمات ارتبطت بتواريخ منذ مطالع القرن الماضي وصولا إلى الانقسام بين غزة والضفة ومرورا بحروب واجتياحات ومعاهدات واتفاقات ولكنها جميعا كانت تحمل في ثناياها أملا بالتحرك وقدرة القائمين على المشروع الوطني الفلسطيني رؤية صائبة في نظر أصحابها وخاطئة أو منحرفة في نظر خصومهم.. أما اليوم فالمشروع الوطني الفلسطيني كله متأزم من مقاومة وتسوية ونظريات ووقائع على الأرض.. أزمة لم يمر بمثلها من قبل؛ فالانقسام بين فتح وحماس وفقدان فرص كثيرة للتصالح يحتحته، وانغلاق مشروع التسوية وتحكمات الاحتلال بالسلطة والجمود الذي يلف غزة بالحصار وعدم القدرة على المبادأة يخنقه، والإرهاق الاقتصادي والبطالة والإعواز الذي يعيشه الناس يرهقه، والتهويد الذي يجري جريا في الدم واللحم الفلسطيني الحي ثم الاستيطان الذي بات يهدد الحياة العادية والنشاط اليومي للشعب الفلسطيني يفتته.. بالتالي فقد صار من المحرمات الدينية والمنكرات السياسية والموبقات الأخلاقية أن يقبل أحد بهذا الحال عن مجاملة لأحد أو عن خوف منه أو عن تقديم مصالحة الخاصة على اعتبارات الوطنية والتاريخ والأمة والقضية.
في كل الأحوال من الضروري تقرير جملة الحقائق الآتية لوضع الأمور في نصابها من البحث والنظر وهي مما لا يكاد يختلف عليها اثنان عدلان عاقلان عارفان بالحالة الفلسطينية ونوع وحيثيات أزمة المشروع الوطني التحرري.. وأقول:
حقيقة أنه ومع كل الاحترام للقيادة الرسمية للسلطة والشعب الفلسطيني بذاتها واعتباراتها وما تمثله فليس من حقها أن تستمر في مشروع ثبتت خطورته.. وها نحن أمام الجدار وجها لوجه.. فيما هي لا تزال تصر وبدون منطق على أنها قائدة المرحلة وأن مشروعها هو الأمل الموعود واللواء المعقود وأن لا تحرير ولا استقلال بدونها؛ فإن تساءلنا عن خططها وهوامشها وأدواتها ووسائلها وإمكاناتها (بالطبع سوى تسيير الحياة اليومية الجزئية لأهل الضفة) فلا نجد إلا لغة إنشائية ركيكة وجملة عبارات مكررة وانتظار ما يتفضل به العدو.. أما العمل السياسي لديها فمقطوع عن القوة الحقوقية والإعلامية وعن اللغة الدبلوماسية وعن العلاقات العامة وعن القوة الاقتصادية والعسكرية والمجتمعية عموما.. وهل يُقبل في عقل أو في دين أو في واقع أن تسعى ثورة للتحرير فيما هي تتعاون مع العدو أمنيا وتكتفي من العمل السياسي بتسوية ميتة ومفاوضات عقيمة وتنازلات مجانية وترجيات مهينة.
وحقيقة أن العدو الصهيوني عندما قبل بالسلطة وأدخل من أدخل من الثوار لفلسطين! لم يفعل ذلك ليقيم لهم كينونة سياسية أو دولة وطنية (هذه حقيقة أثبتتها تملصاته المستمرة من الالتزامات، وأثبتها التواطؤ الأمريكي معه، ويثبتها الواقع).. وعليه فتفكيك السلطة إذا تحتم – وأرى أنه تحتم - يجب أن ينظر إليه على أنه خطوة معاكسة للاستراتيجية الصهيونية.. ويجب أن يصير مطلبا فلسطينيا وطنيا يعني الانطلاق فورا إلى تفجير كل الإمكانات الفلسطينية في وجه الاحتلال ويعني إلقاء كرة اللهب الثوري في وجهه ووجه عملائه من الأنظمة المتصهينة وفي وجه الأمم المتحدة والرباعية المتواطئة معه.. ولابد من إلغاء كل الالتزامات والاعترافات والاعتمادات التي اكتسبها العدو من وجود السلطة سرا أو علنا.
وحقيقة أن القضية الفلسطينية بامتدادها القومي والديني والفكري وبأبعادها السياسية والتاريخية والأمنية وبماضيها وحاضرها ومستقبلها هي أكبر من كل الأشخاص والأحزاب والاتجاهات، وعليه فلتذهب إلى قعر جهنم كل الخلافات والمصالح والمحاور الشخصية والحزبية والاتجاهية التي تعطل التحرير أو تتقدم عليه فضلا عن أن تغتاله أو تخونه، فلا تجوز المقايضة بين المكاسب الوطنية العامة والتاريخية بأية مكتسبات أو عوائد شخصية كما لا يجوز أن تبنى المواقف على أساس الخوف الشخصي لأي كان ومن أي كان.. وهو – للأسف – أخطر ما تعاني منه قيادة الشعب الفلسطيني الحالية التي تتحرك تحت الخوف من مصير كمصير عرفات أو الطمع في السلامة والغنيمة لأنفسهم وذويهم وحزبهم.
وحقيقة أن المستقبل وخياراته تنبنى عضويا وتلقائيا على الحاضر وعلى الماضي كتجارب ومحصلات، وللشعب الفلسطيني تجارب في السياسات والحركات والقيادات والإنجازات ويجب البناء عليها ولا يجوز تجاهلها.. وعليه فليس يصح تجاهل المقاومة ونجاحاتها وإنجازاتها وهي التي كنست الاحتلال من غزة ولاحقت العدو في عقر ما كان يعتبره بيته وعرينه ودحرت جيوشه وأسرت جنوده ثم حررت الأسرى الذين لم يكن من أمل لتحريرهم بغير ذلك.. هذه المقاومة يجب احترامها وتقديسها وتجاهل التفاصيل الصغيرة من الملاحظات الموضوعية أو غير الموضوعية التي تؤخذ عليها.
وحقيقة أن السلطة لا تملك الكثير من أدوات الحسم وهي تحت الاحتلال وفي ظل انشغال البعض العربي بهمومه الداخلية أو تشاغلهم بها ولكنها بالتأكيد تستطيع أن تفعل شيئا ما بما للقضية من وجاهة لدى شعوبنا ولدى الرأي العام الدولي وبما يعضدها من قرارات دولية وثوابت إنسانية وأخلاقية وبما تمثله هذه السلطة بالنسبة للشعب الفلسطيني، وما يجب أن تكونه من رافعة لكل الحالة الثورية في المنطقة وبما يخدمها من قانون ومؤسسات دولية.. ولنا أن نتخيل حال الكيان لو أن السلطة والفصائل على قلب رجل واحد ولو أنهم يعملون في الممكن المتفق عليه في حين تشتعل المنطقة بالثورات وتتغير فيها الولاءات وفي حين يعطل العدو كل السبل ويمارس كل أنواع الابتزاز والاستفزاز.. إنها إذن الانتفاضة الثالثة وعندها سنجد العدو هو الذي يتلطى على أبواب الوساطات للخروج من الأزمة.. هذا لا أقوله لإلقاء اللائمة على طرف دون الآخر ولا نسيانا للظرف الشائع الذي تعمل تحته السلطة ولا دفاعا عن خصوم السلطة الذين عليهم أن يقدموا الأسباب وربما هم يقدمونها أو معظمها؛ ولكن كما قلت ضمن الممكن ولأنها السلطة ولأن القضية هي القضية الفلسطينية.
وحقيقة أن الاختلافات الفلسطينية داخل السلطة أو بينها وبين أي من الفصائل كحماس وغيرها إنما هي اختلافات وتباينات طبيعية مهما كانت العناوين التي تقع تحتها وبالأخص ما يتعلق منها بالخيارات الكبرى ( مفهوم الدين، وحدود الوطن، ومناهج الإصلاح، وأمور السلم والحرب) وقد وجد أمثال هذه الاختلافات في كل الثورات التي لم تنقسم ولم يخوّن بعضها بعضا.. فلا يصح ولا يليق أن تصير سببا للانقسام والقطيعة، بقدر ما لا يصح ولا يجوز تناولها بفردية ولا أن يتكلم فيها من هب ودب ولا أن ترجم بسفاهات الرأي وسقيمات الفهم بحجة اختلاف وجهات النظر ؛ ولكن تتناول بمسؤولية جادة ووطنية صادقة واحترافية عالية وبعمومية شاملة فهذه الخيارات الكبرى وأضدادها ليست وجهات نظر.
آخر القول: المشروع الفلسطيني التحرري كله مأزوم من تسوية ومقاومة، ولا يجوز أن يظل الشعب الفلسطيني ساكنا متقبلا كل ما يقع عليه من غبن واستضعاف وتخريب مهما كانت وطنية القائمين على أمره؛ فالوطن يقتطع وإمكانيات إقامة دولة مستقلة تتلاشى والعالم العربي والإسلامي مشغول كل بهمومه الداخلية وجبهة الممانعة يعتريها ما نرى من الطائفية والانفكاك وربما ستأخذ وقتا لتعود للسكة.. فليس بعد هذا مجاملات ولا مناورات وعلى الشعب الفلسطيني وقواه الحية من فصائل ومستقلين ونخب وعامة أن يتحركوا في الهوامش الممكنة وصولا لما يظن أنه مستحيل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12117
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
8793
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3432
| 22 أكتوبر 2026