رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كأننا على موعد مع الهزيمة في شهر يونيو. ذلك أن مؤتمر باريس للسلام يجهزنا لهزيمة سياسية لا تقل فداحة عن هزيمة يونيو العسكرية التي حلت بنا قبل نحو نصف قرن.
(١)
أعلنت بباريس في الثالث من شهر يونيو "المبادرة الفرنسية من أجل السلام" التي اعتمدت المبادرة العربية ضمن مرجعياتها، وتم ذلك بعد أيام من إعلان تحالف نتنياهو وليبرمان قبول الأخيرة "بعد تعديلها". تمهيدا للدخول في مفاوضات الحل المنشود. وشاءت المقادير أن تحل في الخامس من شهر يونيو الذكرى التاسعة والأربعون للهزيمة العسكرية الفاضحة التي نزلت بمصر والعالم العربي في عام ١٩٦٧. وإذ استهدفت إسرائيل آنذاك قصم ظهر العرب، فإنها هذه المرة تحيك مؤامرة تستهدف طرحهم أرضا وإعلان نهاية الصراع بمشاركة ومباركة عربية.
ألَّب علينا المواجع وذكرنا بما نسيناه أو تناسيناه الصحفي الفرنسي الكبير إريك رولو الذي ارتبط اسمه بصحيفة "لوموند" طوال أربعين عاما، في مذكراته التي نشرت بالعربية في القاهرة، تحت عنوان "في كواليس الشرق الأوسط". ورغم أن المذكرات صدرت في باريس عام ٢٠١٢، فإن قراء العربية لم يتح لهم أن يطالعوها إلا في العام الحالي (بعد مضي سنة على وفاته)، من خلال ترجمة رشيقة قامت بها الدكتورة داليا سعودي قدم لها الدبلوماسي الجزائري المخضرم الأخضر الإبراهيمي وآلان جريش محرر لوموند دبلوماتيك والابن الروحي للكاتب الراحل.
أهمية الكتاب تكمن في أنه قدم عرضا مستفيضا لخلفيات الهزيمة التي لا يعرفها كثيرون في العالم العربي ويتناساها الساسة الضالعون في المؤامرة الخطرة التي تحاك الآن. وكان إريك رولو من أفضل المؤهلين للكشف عن تلك الخلفيات، ليس فقط بسبب موهبته العالية واتصالاته الوثيقة مع مختلف الأطراف التي فتحت أبوابها وأفشت أسرارها له، ولكن أيضا لأنه كان صحفيا نزيها لم يخف تأييده لحركات التحرر الوطني وحماسه للتجربة الناصرية. وفي الوقت ذاته فإنه لم يخْفِ أيضا معارضته للمشروع الصهيوني رغم ديانته اليهودية. ولا أعرف مدى تأثير أصوله المصرية على مواقفه، وإن كان واضحا في كتاباته أن انتماءه إلى اليسار كان له النصيب الأكبر من التأثير الذي دفعه إلى تبنى تلك المواقف.
(٢)
لست بصدد استعراض الكتاب الذي صدر في ٣٧٥ صفحة، لكنني سأتوقف فقط عند بعض المعلومات ذات الدلالة التي أضافها ونسيناها، والتي يتعين استحضارها ونحن نتأهب لاستقبال رياح المؤامرة الحالية. من ذلك أن الرجل تلقى دعوة من الرئيس جمال عبد الناصر لزيارة مصر نقلها إليه الأستاذ لطفي الخولي الذي زار باريس آنذاك حاملا رسالة بذلك المضمون من الأستاذ محمد حسنين هيكل. وحين جاء إلى القاهرة في عام ١٩٦٣ استقبله الرئيس عبد الناصر (كانت تلك بداية علاقة وثيقة ربطت بينهما) الذي قال له إن إسرائيل يجب أن تعيد الأراضي المحتلة وأن تسمح بعودة اللاجئين الفلسطينيين أو تعويضهم، وأضاف عبد الناصر أنه لا يوجد مشروع لتسويه حالة الحرب لأن إسرائيل لا توافق إلا على سلام بناء على شروطها، وحين سأله إريك: ما هو الحل الذي تقترحه؟ عندئذ رد عبد الناصر عليه قائلا: إن كان لديك حل تقدمه، فيسعدني أن آخذه في الاعتبار.
التقط الرجل كلمات عبد الناصر واعتبرها بمثابة "بالون اختبار لجس النبض ودعوة للحوار"، على حد تعبيره، وفي أول زيارة له إلى تل أبيب، التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول الذي اعتبره رجلا معتدلا وميالا للحلول الوسط، ونقل إليه كلمات عبد الناصر، ووصف تلك اللحظة قائلا: "كنت أنتظر أي شيء غير رد فعله الحاد حين باغتني قائلا: ولا شبر واحد ولا لاجئ واحد". وكانت تلك الكلمات الوحيدة التي صدرت عنه بجفاء، وبعدها استعاد هدوءه وأجاب عن بقية أسئلته.
الموقف الذي تبناه القيادي الإسرائيلي "المعتدل" في ذلك الوقت المبكر التزمت إسرائيل به طول الوقت في كل مراحل المفاوضات. وقد عبر عنه المسؤولون الإسرائيليون في كل مناسبة. ذلك أنهم لم يكونوا مستعدين لأي كلام بخصوص الأرض أو عودة اللاجئين. بل كلما ازداد توسعهم في الأرض بقوة السلاح ازداد تمسكهم بها. وقد نقل عن نائب رئيس مجلس الوزراء إيجال ألون مثلا قوله: "إن إعادة مرتفعات الجولان إلى سوريا يعنى تفكيك دولة إسرائيل". كما نقل عن وزير الخارجية أبا إيبان قوله: "إن حدود ما قبل الحرب هي حدود أوشفيتز" (معسكر الإبادة الأشهر الذي أقامه النازيون لليهود) وهي نفسها الحدود التي سمحت لإسرائيل مع ذلك بالانتصار في ثلاث حروب متعاقبة في غضون عشرين سنة.
الرسالة هنا أن إسرائيل تعتبر كل ما وضعت أيديها عليه هو "أرض الأجداد" وعلى كل من يتطرق إلى الموضوع أن يضع المعلومة في اعتباره. الأمر الذي يفترض أن يثير السؤال التالي: على أي شيء يتم التفاوض إذن؟
(٣)
الرسالة الأخرى التي نتلقاها من المذكرات هي أن إسرائيل ليست مكترثة بالسلام في المنطقة، ذلك أن تسوية النزاع مع العرب قد يؤدي إلى تسديد ضربة قاتلة للمشروع الصهيوني. وهي الفكرة التي تبناها الصحفي الإسرائيلي مارك هليل الذي نشر كتابا بعنوان "إسرائيل في مواجهة خط السلام"، وأيدها علماء اجتماع إسرائيليون اعتبروا أن حروب الأعوام ١٩٤٨ و١٩٥٦ و١٩٦٧ نمَّت الوحدة الوطنية بدرجة فاقت أثر المدرسة والجيش.
أثار إريك رولو هذه النقطة في سياق حديثه عن حوار أجراه مع بن جوريون أحد مؤسسي الدولة في عام ١٩٦٥ ذكر فيه أن الإحساس القومي لدى الإسرائيلي تغذى على المدرسة والجيش والاقتتال مع العرب (إضافة إلى التوراة)، إلا أنه أضاف أن ذلك الصراع له الدور الأكبر في تعميق ذلك الإحساس. وخلال ذلك الحوار كرر بن جوريون لاءات ثلاث: رفض رد شبر من الأرض، ورفض أي لاجئ، إضافة إلى رفض أي تسوية مع الرئيس عبد الناصر.
من النقاط المهمة التي ذكرها في هذا الصدد أن عبد الناصر كان مقتنعا في البداية بأن الصراع لن يحل عسكريا، ولذلك سعى إلى التوصل إلى حل عادل يلبي حدا معقولا من حقوق الفلسطينيين، إلا أن إسرائيل هي التي رفضت أي تفاهم حول الحل. آية ذلك أنه وجه الدعوة إلى ناحوم جولدمان رئيس المؤتمر اليهودي العالمي لزيارة مصر والتفاهم حول الموضوع، وقد استقبل الرجل الدعوة بحرارة وحمل الفكرة إلى تل أبيب قبل البدء في تحريك الملف، إلا أن رئيسة الوزراء آنذاك جولدا مائير صدته ورفضت فكرة الزيارة، وما حدث مع جولدمان تكرر مع رسائل أخرى وجهها عبد الناصر للقادة الإسرائيليين، الذي رفضوا في كل مرة دعواته للتفاهم. لأنهم لم يريدوا مخاطبة زعيم عربي له كبرياؤه ويقف على قدميه، وظلوا يؤثرون الحديث مع المهزومين والمنبطحين.
كان إريك رولو في القاهرة خلال الأيام التي سبقت الخامس من يونيو عام ١٩٦٧، وتصاعدت فيها مؤشرات التوتر بين مصر وإسرائيل بسبب قرار عبد الناصر إغلاق خليج العقبة في وجه السفن الإسرائيلية في القاهرة. أيضا تواجد السفير الأمريكي روبرت أندرسون مبعوث الرئيس الأمريكي ليندون جونسون الذي أوفده لإدارة الأزمة. وكان المبعوث الأمريكي قد التقى الرئيس عبد الناصر الذي أعرب عن رغبته في تفادى النزاع المسلح واقترح إرسال نائبه زكريا محيى الدين إلى واشنطن في ٧ يونيو لاستكشاف إمكانية التوصل إلى تسوية مرضية للطرفين مع موشيه ديان الذي عين لتوه وزيرا للدفاع. وإلى أن يتحقق ذلك فإن عبد الناصر ذكر أنه سيغمض عينيه عن عبور سفن الشحن الإسرائيلية ذات الطبيعة غير الإستراتيجية باتجاه ميناء إيلات عبر خليج العقبة، وفي اليوم التالي للقاء بعث عبد الناصر إلى جونسون بمضمون مقترحاته التي أكد فيها بقوة رغبته في تسوية النزاع سلميا. إلا أن الرئيس الأمريكي خدعه وكذب عليه. ففي حين طلب منه عدم المبادرة بالنزاع المسلح، فإنه كان قد أعطى لإسرائيل موافقته على شن هجوم ضد مصر. وأدى ذلك إلى عنصر المفاجأة الذي أعطى الدولة العبرية تقدما حاسما مكنها من تحقيق مرادها.
(٤)
خطة تدمير الطيران المصري التي حملت اسم "فوكس" كانت معدة لدى الإسرائيليين منذ عام ١٩٦٣، بعدما أدركوا أن عدوان عام ١٩٥٦، الذي شاركت فيه بريطانيا وفرنسا، لم يحقق لهم ما يريدون. ذلك أنهم خلال تلك الفترة كانوا قد جمعوا معلوماتهم وأعدوا عدتهم للانقضاض على مصر واجتياح الجيران بما يضيف إلى إسرائيل ثلاثة أضعاف مساحتها. ومع حلول صيف عام ١٩٦٧ اعتبرت قيادة الأركان الإسرائيلية أن قرار شن الحرب وتوجيه الضربة قد نضج. وكانت العقبة التي واجهتهم أن رئيس الحكومة ليفي أشكول كان محبذا للحل السلمي ورافضا فكرة الحرب الوقائية. وشهدت إسرائيل خلال تلك الفترة صراعا غير مسبوق في تاريخها بين رئاسة الأركان والحكومة. إذ كانت تلك المرة الأولى التي يطمع فيها العسكريون في فرض قرار سياسي على السلطة المدنية. وحسب وصف الكاتب فإن الصراع أخذ عدة أشكال، من ممارسة للضغوط وعمليات الابتزاز إلى رشق بالسباب ونصب تحديات وتهديدات مستترة بالانقلاب. في هذا السياق دأب الجنرال "ياريف" رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان) على إرسال تقارير يوما بعد يوم تنذر بأعلى مستويات الخطر. فتارة يكتب أن طائرات مصرية حلقت فوق المنشآت النووية في ديمونة استعدادا لقصفها. وتارة يكتب أن القوات المصرية المرابطة على الحدود تتزايد أعدادها وأعلنت حالة التأهب استعدادا للهجوم، وأن تلك القوات مزودة بأسلحة كيماوية وإشعاعية.. إلخ. الشاهد أن الحكومة تعرضت للتضليل والابتزاز. وهو ما اعترف به الجنرال رابين في وقت لاحق، حين صرح لإريك رولو في حوار نشر على الصفحة الأولى للموند في فبراير عام ١٩٦٨، بأن عبد الناصر لم يكن يريد الدخول في حرب وإن تظاهر بغير ذلك. ورغم أن رئاسة الأركان الإسرائيلية كانت مدركة أنه ليست لديه نية القتال، فإنها مارست ضغوطها الشديدة على الحكومة التي وافقت أخيرا على شن الحرب. كما مارست اللوبيات الصهيونية في واشنطن ضغوطها على الرئيس جونسون حتى انتزعت منه مباركته للقرار، إلى أن دارت الساعة ووقعت الواقعة في الخامس من شهر يونيو. وأحدثت دويها المشهود في العالم العربي مصحوبا بجرح كبير وعميق، لم يندمل حتى الآن.
في المذكرات وقائع ودروس عديدة مهمة يخلص المرء منها إلى أن مصر هي المشكلة وهي الحل، وضعفها وقوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية هما العنصر الحاسم في المواجهة. وما لم يتحقق ذلك فإن الاستكبار الإسرائيلي سيستمر ويتزايد، ويظل كل حديث عن المفاوضات من قبيل الهراء الذي يضيع الوقت ويبدد الجهد. وهو ما يسوغ لنا أن نقول بأنه في ظل موازين القوة الحالية فإن أي حديث عن المفاوضات يظل حلقة في مسلسل الهزائم التي أدمنها بعض العرب. وأخشى أن يستثمر الإسرائيليون الوهن العربي المخيم لطي الصفحة واختتام المسلسل بحلقته الأخيرة التي يلوِّح فيها التحالف الفاشي في تل أبيب بتوجيه الضربة القاضية من خلال "التوافق" مع بعض القادة العرب "المعتدلين"!
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2627
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
997
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
657
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43515
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7137
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5394
| 13 سبتمبر 2026