رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جزء مهم من الفوضى السياسية الضاربة بأطنابها في السودان، هو فوضى الخطاب السياسي الذي يتصدى له القادة السياسيون. فالارتجال والحديث العاطفي المغلف بسولفان الوعود الزائفة، سمة مميزة لذلك الخطاب المعطوب، ثم يسألونك من بعد ذلك عن سبب انفضاض الجماهير عنهم وفشل خطابهم السياسي في تحريك ركود الفشل، وسيطرت لغة الكراهية واستعداء الآخر وغليظ القول، على الخطاب فكانت تلك الممارسات بمثابة قوة طرد مركزية سالبة. ولعل الطامة الكبرى تجسدت في انعدام البرامج السياسية التي يمكن أن يلتف الجماهير عند حدها الأدنى، ويتجاهل القادة السياسيون أو أنهم لا يعلمون أنه ليحقق الخطاب السياسي المثالي غايته يجب أن يكون إقناعيا بامتياز، ليوصل المخاطب إلى بر القبول والتسليم بالصدقية والإيمان بالشرعية، فتتعاون الوسائل اللغوية والمنطقية بجانب مكونات تعبيرية أخرى، ليؤدي وظيفته ورسالته السامية في الحض على العمل والإنتاج والإبداع في مجالات الحياة المختلفة.
وبسبب الخطاب السياسي المضطرب بدت هنالك خلافات وتباينات بين رئيس مجلس السيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان، ونائبه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ولعل الأخير كان خطابه السياسي الأكثر ارباكا للساحة السياسية وأصابت شظاياه الحارقة النسيج الاجتماعي الواهن. في آخر خطابات حميدتي قال إن الرئيس السوداني الأسبق، جعفر نميري، لو كان حيا لسلّمت إليه السلطة لأنه كان قويا ومسيطرا تماما على الأمور. واعتبرها البعض إشارة غير موفقة، إلى ضعف البرهان، بل إنها تفتقر إلى الكياسة. وإلى أبعد من ذلك اتهم حميدتي الأجهزة الأمنية بالتواطؤ مع العصابات التي تنهب وتعتدي على المواطنين. ولعل حميدتي كان يحاول الهروب إلى الامام من جريمة تورط قواته في أحداث منطقة كرينك الدامية بدارفور، فهو كأنما يفتعل معركة مع البرهان الذي يمثل الجيش القومي المنوط به حماية المواطنين السودانيين من أي اعتداءات. وجعل حميدتي من العيد سانحة لاستعراض قواته في لقاء محتشد واصطحب معه نجليه وهما يرتديان الزي العسكري في رسالة تفيد بأن قوات الدعم السريع غير قابلة للدمج في الجيش وهي شركة عسكرية - اقتصادية خاصة بآل دقلو. وكانت ميليشيات مسلحة مدعومة من الدعم السريع قد هاجمت قبل نحو أسبوعين محلية كرينك، قبل أن تجدد هجومها عليها مرة أخرى الأحد الماضي، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 200 شخص وإصابة العشرات من السكان، إضافة إلى إحراق منازل ومركز شرطة ومستشفى وسوق.
قبل سنوات وفي عهد الرئيس السابق عمر البشير طالب والي إحدى الولايات قوات الدعم السريع بالخروج من ولايته على خلفية جريمة قتل اتهم أحد المنتمين لهذه القوات بارتكابها. وخرج حميدتي في لقاء تلفزيوني وطالب بأن يحاكم ذلك الوالي، وأن مكانه السجن وليس أن يبقى حاكما للولاية. وكانت تلك الواقعة بداية وإشارة لتعاظم نفوذ تلك القوات التي بدت موازية للجيش القومي. ويبدو أن ذلك اللقاء التلفزيوني قصد منه مواجهة انتقادات حادة من جانب الشارع السوداني لتلك القوات، حيث شكا عدد مقدر من سكان العاصمة الخرطوم من تعرضهم لمضايقات من قبل عناصر مسلحة تابعة لقوات الدعم السريع، من بينها إجبار الشباب على حلق رؤوسهم تحت التهديد. ولم يتخذ نظام البشير أي اجراء ضد الرجل لحساسية موقعه وخطورة القوات التي يقودها وصعوبة السيطرة عليها إذا ما انفلتت الأمور وسرى فيها فيروس التمرد.
لقد تحولت قوات الدعم السريع وهي في الأصل مليشيا شكلها الرئيس البشير إلى قوة ضاربة قصد منها التصدي لمواجهة الحركات المسلحة في دارفور وربما لحماية البشير نفسه من خطر الانقلاب عليه من داخل الجيش. وظلت قوات الدعم السريع محل انتقاد من جانب عسكريين مهنيين وكذلك من جانب أطراف سياسية وشعبية بسبب تجاوزات أفرادها، ونفوذها الطاغي، الذي بات يثير القلق.
وهكذا نشأت قوات الدعم السريع بشكل استثنائي لتغطية عجز ما وهذا النشوء الاستثنائي والمتسرع انعكس على قوام وماهية وكفاءة هذه القوات من الناحية المهنية. فهي لا قوات نظامية ولا هي قوات غير نظامية وتم ضمها للجيش شكليا لكنها احتفظت بطبيعتها غير النظامية. ويبدو أن هذه القوات بها إشكالات تكوينية من حيث الانتماء الجهوي لأفرادها ومن حيث التزامها العسكري وفقا لما هو متعارف عليه في الجيوش النظامية حول العالم.
وتساءل الكثيرون عن الأموال التي صرفها نظام البشير في تجهيز قوات الدعم السريع، على اعتبار أنها كانت كفيلة برفع قدرات الجيش القومي الذي اتهم بالعجز أمام الحركات المسلحة في دارفور. اليوم ينظر كثير من العسكريين إلى قوات الدعم السريع باعتبارها مسجدا ضرارا يهدد الجيش القومي الذي بلغ عمره نحو 70 عاما اطلع خلال هذه السنوات بمسؤولية كبيرة في الحفاظ على أمن البلاد. لكن لا يمكن أن يرجى خير من مؤسسة تنهار معنويات أفرادها يوما بعد يوم كأوراق الخريف بسبب العبث السياسي.
وربما كان عبث الخطاب السياسي جلبة وغطاء لفساد مالي كبير، فبحسب مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، ان الولايات المتحدة تعهدت بتقديم دعم سنوي بخس نحو 600 مليون (دولارات معدودة)، بهدف إنجاح فترة الانتقال السياسي لما بعد ابريل 2019. بيد أن هذا الدعم وفقا لكاتب المقال الخبير الأممي جاستن لينش فضلا عن حزمة مساعدات مماثلة، من دول غربية تبلغ أكثر من مليار دولار سنوياً مخصصة لمعالجة الفقر، قد ذهبت لدعم المصالح الفردية وقد اعترف مسؤولون إنسانيون في السفارات عبر الخرطوم بأنهم لا يعرفون كيفية انفاق الأموال المخصصة لهم. ويضيف لينش، أن قصة المجتمع الدولي في سودان ما بعد الثورة توضح خداع الذات والإهمال العالمي اللذين قادا السودان إلى الفشل.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
1002
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
816
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1212
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12207
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11109
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3699
| 22 أكتوبر 2026