رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مؤتمر قطر بحث الحلول لمشكلة التضليل في فضاء التواصل الاجتماعي
ليس دقيقاً وصف المحتوى الاتصالي بأنه معيار لارتفاع سقف الحريات
قيل إن صحفياً سأل الكاتب والأديب النحرير ﻋﺒﺎﺱ ﺍﻟﻌﻘﺎﺩ ذات مرة: من منكما أكثر شهرة، أنت أم محمود ﺷﻜﻮﻛﻮ؟، وشكوكو مونولوجست هزلي مشهور، فرد عليه العقاد مستغربا من هو ﺷﻜﻮﻛﻮ؟. وعندما بلغت القصة ﺸﻜﻮﻛﻮ قال للصحفي: "قول لصاحبك العقاد ﻳﻨﺰﻝ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ، ويقف على أحد الأرصفة وسأقف على ﺭﺻﻴﻒ مقابل، ﻭلنرى إلى أي منا سيتجمع الناس". وهنا رد العقاد: ""قل ﻟﺸﻜﻮﻛﻮ ﻳﻨﺰﻝ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ ﻭﻳﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﺭﺻﻴﻒ ﻭيدع راقصة ﺗﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﺻﻴﻒ ﺍلثاﻧﻲ ﻭﻳﺸﻮﻑ ﺍﻟﻨﺎﺱ إلى من منهما سيتجمع الناس؟".
وليس بعيدا عن قصة العقاد وشكوكو يحتدم الجدل اليوم حول مضمون وسائل التواصل الاجتماعي وفي خضم ذلك تنتصب مقاربة جدية بين مضمونها المنفلت والمتحرر من كل قيد وبين مضمون وسائل الاعلام التقليدية المقيد والمضبوط بالاعراف المهنية الصارمة والقوانين الرادعة. فاليوم يستبد القلق بالمشفقين بسبب انهيار وانزواء بعض الصحف الورقية بمضمونها الجاد، في مقابل الانتشار المذهل لوسائل التواصل الاجتماعي وتصاعد الاقبال عليها على حساب الاعلام المؤسساتي. وبدا الأمر وكأنه تنافس وتصارع بين العقاد وشكوكو.
مؤخرا أُغلقت صُحف عريقة مثل النهار اللبنانية والحياة اللندنية، وحتى في الولايات المتحدة أغلقت صحيفة واشنطن بوست مجلتها إكسبريس المجانية التي كانت توزع ١٣٠ ألف نسخة مجانا على ركاب المترو ومع ذلك هجرها الركاب على خلفية توسّع نطاق خدمة الإنترنت داخل القطارات ومحطات المترو وانغمسوا في بحر لُجّي يموج بوسائل التواصل الاجتماعي الحديثة. مجلة إكسبريس المكلومة أنهت وجودها بعنوان رئيس عبّر بشكل مأساوي عن خيبة أملها الكبيرة وجاء فيه: "نأمل أن تتمتعوا بتليفوناتكم المحمولة الحقيرة"، في إشارة إلى أن زوال الصحيفة كان بسبب التليفون الجوال خاصة النسخ الذكية منه حيث تختصر جُل الفضاء العالمي عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي.
في ظل اندياح وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي واستحكام ظاهرة المواطن الصحفي تصدى الباحثون لهذا الواقع الجديد وتأثيره على المفاهيم الديمقراطية وكانت في عمومها سلبية ولذا يجب أن تجد الصحافة التقليدية والوسائل الاعلامية المؤسساتية الاهتمام المستحق. وعلى الدول والمجتمعات الحفاظ عليها والتنبّه حين تموت صحيفة من الصحف. ومن خلال سلسلة من الدراسات الميدانية ورصد اتجاهات الرأي العام التي عكستها استخدامات وسائل التواصل الاجتماعي خلص الباحثون إلى أنها أدت بكل أسف إلى تغيير مفاهيم الديمقراطية، ومن ثم ممارساتها، حيث أصبحت هذه الممارسة نهباً لآفات الثرثرة والتكرار والتبسيط المخّل إلى درجة التسطيح، وهو ما يضع الممارسة الديمقراطية والمشاركة الجماهيرية تحت طائلة تهديد خطير كما يهدد فيروس كورونا البشرية.
فتعم آفة فوضوية الفكر والتشتت والتخبط في الرأي وفي السلوك العام. وحذّر اولئك الباحثون من النزول بالأفكار السياسية والطروحات والممارسات الديمقراطية من مستوى الممارسة الراشدة والمسؤولة إلى وهدة التسطيح والشخصنة وخلل التبسيط.
إن واقعنا الراهن أصبح مرهوناً بما تنقله وتتداوله وتؤثر به وسائل التواصل الحالية ولدرجة تصل إلى حالة البلبلة أو التشوش أو الاضطراب الفكري والسلوكي في بعض الاحوال. ووفقا لأولئك الباحثين - وأجد نفسي متفقا معهم بالكلية - ان نمط التعددية الناشئ عن وسائل الاتصال الاجتماعي إياها، لم يعد يشكل نموذج النهج الديمقراطي القويم أو المطلوب، بقدر ما أصبح نهجاً يفتقر إلى الاتزان وحسن الترتيب وتعوزه الرؤية المنظمة التي كان ينطلق منها مفكرو ودعاة وممارسو الديمقراطية.
إنه في خضم التطورات التكنولوجيا برزت ظاهرة صحافة المواطن وهو ما قد ينطبق على منصات التواصل الاجتماعي ومنها تطبيق واتساب باعتباره شكلا جديدا من أشكال الممارسات الصحفية غير المهنية. وفي فضاء علم وتخصص الإعلام يشار إلى هذه الظاهرة باستعمال مصطلحات متنوعة من قبيل الصحافة التشاركية والإعلام مفتوح المصادر والإعلام الديمقراطي وصحافة الشارع والإعلام البديل والصحافة الشعبية وكلها مصطلحات وتسميات تشير إلى ذيوع دخول مهنة الصحافة في عصر مرحلة جديدة لا تخلو من خطورة.
إن اختفاء مجلة إكسبريس آنفة الذكر جاء لأسباب تكنولوجية ترتبت عليها تراجع مساحات الإعلانات فيها، فالمعلن يرغب فى الانتشار الواسع وبغياب الاعلان وضعفه تنهار الصحف، فالإعلانات هي حجر الزاوية الذي تقوم عليه الصحف.
لكن ما يشيع الأمل تلك الجهود المستمرة لتعديل الصورة المقلوبة وضبط محتوى ومضمون وسائل التواصل الاجتماعي. فقد شهد شهر فبراير المنصرم قيام مؤتمر وسائل التواصل الاجتماعي وتحديات دعم الحريات، الذي نظمته اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر يومي 16- 17 بمشاركة أكثر من 300 منظمة دولية وجامعة ومسؤول في شبكات التواصل الاجتماعي الكبرى.
وبحث المؤتمر قضايا متعددة تتعلق بالأطر التشريعية التي تنظم حرية التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتداعيات منع الاتصالات وحجب وسائل التواصل الاجتماعي على حقوق الإنسان، والشفافية والمساءلة في الإشراف على المحتوى في كبرى شركات التكنولوجيا، وتحديد الأنشطة المستقبلية لتوسيع نطاق الحيز المدني في وسائل التواصل، بجانب مناقشة إشكالية استمرار المنصات الإعلامية في ظل وجود هذه الوسائل.
وقد تمت الاشارة كذلك إلى مسألة مهمة وهي لجوء مجموعات الضغط والمصالح لاستعمال أساليب مرفوضة لتضليل الرأي العام وإغراق الفضاء الرقمي بالدعاية والإشاعة، ومهاجمة المعارضين باستعمال هويات مزيفة وجيوش إلكترونية عرفت اصطلاحا بالذباب الالكتروني.
إن هذه الجهود مطالبة أكثر وأكثر بالتصدي إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في التحريض على خطاب الكراهية. وعوضا عن ذلك تسخر هذه الوسائل لتكون أداة مهمة لتعزيز وتثبيت دعائم الصحافة المسؤولة.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
981
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
801
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1200
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4311
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2571
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1170
| 28 سبتمبر 2026