رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا ينفك المشهد الإعلامي السوداني عن المشهد العام شديد التعقيد الذي تمسك بتلابيبه شمولية قابضة ودولة أمنية مسيطرة.. دون مقدمات وبعد أقل من (٦) أشهر أقال الرئيس عمر البشير مدير عام الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون من منصبه.. خلافات عميقة بين الرجل الذي جاء "مُصلحا" لحال متداعٍ، وبين الحكومة اللاهثة وراء السيطرة على كل شاردة وواردة وحتى كل هامّة ولامّة، والرجل شغل منصب وزير الثقافة في فترة سابقة ليست بالبعيدة وأطاحت به الترضيات الحزبية والجهوية في تعديل وزاري لاحق.. الرجل قيادي كذلك بالحزب الحاكم وظن أنه يحسن صنعا عندما أبدى رأيا مخالفا للنائب الأول للرئيس في اجتماع عاصف بالقصر الرئاسي، لمناقشة أزمة بث دوري الأندية الرياضية المعروف بالدوري الممتاز ولم تنتقل قضية كهذه لردهات القصر إلا بعد تصاعد الصراع بين اتحاد كرة القدم من جهة وبين وزارة المالية والتلفزيون من جهة ثانية.. فالوزارة عجزت أو ماطلت في دفع مستحقات الاتحاد للعام السابق ولذا رفض الاتحاد هذا العام الموافقة على بث الدوري عبر التلفزيون الحكومي ما لم تدفع الوزارة تلك المستحقات المؤجلة.. في ذات الوقت يعاني العاملون في التلفزيون الحكومي من تأخير مستحقاتهم من قبل وزارة المالية وقد وعدهم مدير الهيئة وهو يتسلم منصبه بدفع تلك المستحقات، وكان قد حذر حزبه بأن التلفزيون الحكومي سوف يكون غير قادر على التفاعل مع حدث مثل حدث الانتخابات في أبريل القادم ما لم تحل قضية متأخرات العاملين فيه.
في اجتماع القصر العاصف الذي ضم المعنيين بالأزمة ومنهم وزير المالية واتحاد الكرة ومدير هيئة الإذاعة والتلفزيون بالإضافة للنائب الأول للرئيس الذي أمر وزير المالية بدفع متأخرات الاتحاد على التلفزيون فورا، وهنا هب مدير التلفزيون مطالبا قبل ذلك بدفع متأخرات العاملين بالتلفزيون وأنه لا يستطيع أن يقول شيئا مقنعا لهم إذا ما دُفعت متأخرات الاتحاد دون أن تُدفع لهم متأخراتهم التي تطاول عليها الزمن.. ودفع الرجل ثمنا غاليا جراء موقفه المغالي في نظر القابضين على السلطة التي يهمها من يضغط أكثر وهم جماهير الكرة وليس "حفنة" عاملين بالتلفزيون، وكان البشير قد وصف جماهير ناديي المقدمة (الهلال والمريخ) بأنهم يشكلون أكبر حزبين في البلاد.. فنحن أمام موقفين الأول موقف مدير التلفزيون وهو موقف يمكن أن نعتبره مبدئيا والثاني موقف الحكومة وهو موقف يمكن أن نعتبره انتهازيا أو نفاقيا.
على مستوى العالم هناك ثلاثة نظم ملكية معروفة، بالنسبة للتلفزيونات وهناك نظام رابع مكون من خليط من نظامين أو من الأنظمة الثلاثة معاً. وهو نظام تملكه وتديره الدولة وهو النظام السائد في الأنظمة الشمولية، فواحد تمنحه الدولة حق الاحتكار كما في بريطانيا ممثلا في هيئة الإذاعة البريطانية BBC، وآخر ترخصه الدولة ويدار على أساس تجاري كما في الولايات المتحدة الأمريكية. ولا تنمو تزدهر وسائل الاتصال الجماهيري بما في ذلك الفضائيات والتلفزيونات إلا بوجود قاعدة اقتصادية متينة وكذلك قاعدة علمية وثقافية في المجتمع تمكن من إنتاج المعلومات وتوزيعها واستهلاكها وقدر معقول من الكثافة السكانية في المجتمع تؤكد جدوى تشغيل وسائل الإعلام الجماهيري ذات التكلفة الباهظة. والأمر الأكثر أهمية توافر مناخ ملائم من الحرية الرأي، بحيث ينشأ تفاعل قوي بين الجمهور ووسائل الاتصال الجماهيري الأمر الذي يدعم وجودها ويعطي مبرراً لبقائها.
وسننحي جُل تلك الشروط جانباً ليس لعدم أهميتها ولكن لأن شرط القاعدة الاقتصادية هو الذي تسبب في أزمة تلفزيون السودان التي لم تبدأ اليوم ولكنها ظلت تستفحل تصاعديا مع تصاعد التدخلات الحكومية.. صحيح أن التلفزيون الحكومي اليوم هو الأقل تأثيرا ويعاني من هروب المشاهدين كما يهرب الصحيح من الأجرب، لكن له دخلا معقولا من الإعلانات وبث المباريات، بيد أن الدخل يذهب مباشرة لوزارة المالية وينتظر التلفزيون بعد ذلك عطاء وزارة المالية أعطته أو منعته ولو أعطته فإنه عطاء قليلٌ ممنونٌ يأتي عبر قنوات معقدة وإجراءات سُلحفائية السرعة.
عندما جاءت حكومة البشير تدفعها حُمى "الأسلمة" أعملت آلة التغيير العشوائي في التلفزيون الحكومي واهتمت بالشعارات وبمظاهر المذيعات أكثر من اهتمامها بالمحتوى البرامجي، ثم اكتشفت "الخطأ" وأنشأت قناة النيل الأزرق بالشراكة مع رجل الأعمال السعودي صالح كامل (٥٠٪) و"تبرجت" قناة النيل الأزرق وسبحت في بحر الغناء والتسلية وبانت "شوزفرينية" الحكومة، ففي التلفزيون الحكومي أسلمة مشوهة ومنفرة وفي النيل الأزرق "تبرج وسفور" ورغم أن الأخيرة كانت الأفضل ماليا والأكثر حرية وانعتاقا من القبضة الحكومية إلا أن صالح كامل انسحب بعد سنين وهرب بأمواله من "الخرمجة" الحكومية عائدا لبلاده.. أسهم صالح كامل استحوذ عليها رجل أعمال سوداني وبدأ سلسلة من التغييرات في القناة أزعجت الحكومة، وألقت الحكومة باللائمة على مدير التلفزيون "المسكين" باعتباره فرطا في حركة الأسهم حتى لم يبق للتلفزيون الحكومي وهو يمثل الحكومة بالطبع، سوى (٢٠٪) من الأسهم.
لو تعلم حكومة البشير أن المشكلة ليست في الأشخاص لكنها في النهج السُلطوي الذي تدار به الدولة، ولن ينصلح حال الإعلام السوداني ما لم تتحقق تلك الشروط الآنفة وعلى رأسها الحرية والاستقلالية.. حرية العمل المهني والاستقلالية الاقتصادية.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
999
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
816
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1212
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12111
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
8403
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3423
| 22 أكتوبر 2026