رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كلما يقرأ أحدنا قصة النبي الكريم موسى مع الرجل الغامض الذي وصفه القرآن بالعبد الذي (آتينه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما)، والذي ظهر في مشهد واحد من مشاهد حياة موسى عليه السلام فجأة، ثم اختفى بعد ذلك، وجد أن علم الإنسان محدود جداً مهما تعمق وتبحّر في العلوم.
هذا كليم الله موسى - عليه السلام - المعزز بالوحي، والمفترض أنه لم يكن أحد أعلم منه في تلك الفترة من حياته، يسأله سائل من قومه، بعد أن خطب في حشد كبير من بني إسرائيل يوماً: هل هناك من هو أعلم منك يا موسى؟ فأجاب من فوره: لا، وهو بالطبع قال ذلك لأنه لم يكن يعتقد أن أحداً في تلك الفترة غيره له صلة بالسماء، يأتيه الوحي مثله ليعرف ما لا يعرفه بقية البشر، فكانت بالتالي تلك إجابته.
بسبب ذلك الموقف، يبدأ مشهد غريب في عالم البشر. موقفٌ لم ولن يتكرر. فقد أوحى الله إلى موسى أن هناك من هو أعلم منك، فتعجب كليم الله من ذلك، فسأل الله أن يدله على ذاك الذي هو أعلم منه. فكان هو الخَضِر - عليه السلام - الذي اتفق المفسرون على أنه كان نبياً أو ولياً من أولياء الصالحين أو في تلكم المنزلة ما بين النبي والولي، وليس هذا مهماً بقدر أهمية أنه كان يعلم علماً ليس يعلمه أحد إلا الله.
أعطاه الله علماً لحكمة يراها سبحانه، ولعل المشهد المعروف أو القصة المعروفة بينه وبين موسى – عليهما السلام – التي نقرأها كل جمعة في سورة الكهف، ربما كانت رسالة للعالمين، على أن علم الإنس والجن، لا شيء بجانب علم الله، مهما علا وارتقى وتعمق العلم الإنسي أو الجني على حد سواء، هذه نقطة أولى.
ماذا عند الخضر؟
النقطة الثانية في القصة، أن الخَضِر ظهر في المشهد مع كليم الله موسى – عليهما السلام – وعنده علم محدد ليس عند موسى ولا أحد من البشر. بمعنى آخر، كان الخَضِر يمثل القَدَر المتحرك كما يقول البعض، أو القدر الخفي – كما يقول الشيخ سلمان العودة أطال الله في عمره - الذي كان " يفسر ما وراء الأحداث من الحكم والأسرار الربانية، بما يجعل قارئ الحدث يتلمّس أبعاداً غير مرئية لما يجري في الكون من المحن والمصائب وقتل الأطفال وتسلط الظالمين، إنه السؤال عن الشر الواقع في حياة البشر، والذي طالما كان سبباً في شك الناس وتساؤلهم عما وراء الحدث".
كلنا يتألم لمصيبة أو كارثة أو فاجعة إذا نزلت به أو بأحد من أهله أو أحبابه أو آخرين يهتم لأمرهم. وربما يتساءل أحياناً - إذ استسلم لوساوس النفس والشيطان - وخاصة إن كانت الفاجعة مؤلمة وساحقة، يتساءل عن سر حدوثها، أو الحكمة من ورائها، وأين الرحمة في فاجعةٍ يموت فيها أطفال أبرياء مثلاً، أو يتم نهب وغصب حقوق فقراء ومساكين فتنتهي بنهايات كارثية، أو يتم أكل أموال يتامى لا حول لهم ولا قوة، لينشأ أحدهم حين يبلغ الرشد وهو مفلس فقير يتسول عند هذا وذاك، وما ذلك إلا لظلم وقع عليه من أكلة أموال الناس بالباطل، لم يردعهم دين ولا قانون ولا أخلاق ولا مبادئ.
تأتي قصة الخَضِر مع موسى – عليهما السلام – لتضع تلكم النقاط على الحروف، من أجل أن تطمئن قلوب متقلبة، ونفوس قلقة حائرة، ويهدأ متشككون في إيمانهم وعقائدهم، ويتعرف الناس أكثر فأكثر على أنه ما من حدث في هذا العالم، إلا والخير كامن فيه. قد يظهر من فوره، أو بعد حين من الدهر طويل.
المساكين أصحاب السفينة
هل كان أصحاب السفينة المساكين على علم بأن جزاء المعروف الذي أسدوه للخضر وموسى وفتاه، بحملهم في السفينة دون مقابل، هو قيام الخَضِر بإحداث عيوب في سفينتهم الوحيدة؟ هل كانوا على علم بملك ظالم قد يستولي على سفينتهم إن أراد، دون أن يتجرأ أحد بالاعتراض أو طلب الثمن؟ بالطبع لا، لم يكن في علمهم البشري ولا حتى موسى عليه السلام، وهو النبي الذي يوحى إليه، أي دراية بذلك العلم.
لكن في العلم الذي اختص الله الخَضِر به، أن تلك العيوب في السفينة بمثابة الخير الكامن في الشر الظاهري المتمثل في ذلك الإتلاف المتعمد للسفينة، فالملك لن يستولي على سفن ذات عيوب، وبذلك سينجو المساكين بسفينتهم، وحينها سيذكرون الخَضِر بكل خير، بل وسيدعون له أنه بفعلته تلك غير المفهومة لهم وقتها، نجوا ونجت سفينتهم ومصدر رزقهم من ذاك الملك الظالم. ولذلك حين تساءل موسى عليه السلام وأنكر عمل الخَضِر، لم يكن رد فعله سوى تذكيره بالاتفاق المبدئي، وهو ألا يعلق أو يعترض على أي فعل يقوم به الخَضِر.
قتل طفل بريء
تتعمق القصة أكثر، وتزداد حيرة موسى – عليه السلام – وهو يرى الخَضِر وقد أزهق روحا بريئة دون ذنب! فكيف يقتل طفلاً ليس بينه أو أحد من أهله، عداوة مع الخَضِر؟ كيف يمكن تفسير هذا الجُرم؟ كيف سيعش والدا الطفل وهما يريان غريباً جاء من أقصى المدينة، ويقتل ولدهما دون ذنب أو جريرة؟ أسئلة منطقية بلا إجابات شافية. ولو أن والدي الطفل وكذلك موسى – عليه السلام – عندهم من العلم الذي عند الخَضِر، لما تساءلوا بالطبع.
ولعل من المناسب هاهنا أن نتذكر قوله تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم) لنستوعب المسائل الفاجعة المؤلمة، المكروهة غالباً من كل إنسان. نعم هذا ما يحدث في واقعنا البشري. نكره أشياء أو أحداث تقع لنا في لحظتها وساعتها بسبب قصور علمنا ومحدوديته. ولكن بعد حين من الدهر، طال أم قصر، سنتذكر ما كرهناه، لنجد أنفسنا نشكر الله ونحمده أن ذاك الأمر الذي حدث وكرهناه، أمسى خيراً لنا.. أليس هذا ما يحدث كثيراً لنا؟.
أما الذي جرى مع والدي الطفل، وعلى رغم عدم وجود إجابة لسبب قتل الخضر لولدهما، والذي علمه موسى عليه السلام بعد ذلك، هو أن الله رزقهما بطفل آخر صار باراً بهما، وسعدا به أيما سعادة. فيما الطفل الأول الذي لو لم يقتله الخَضِر لكان شقياً عصياً عاقاً لهما، وربما تمنيا هلاكه، فكان الخير في إزهاق روحه قبل أن يبلغ ويرشد، وهذا ما كان في علم الخَضِر، الذي قدم لهما ذلك الخير وإن بدا لوالدي الطفل أنه شر.
الشاهد من القصة كلها، أنها ملهمة تدعو للتفكر والتأمل في أحداث الحياة، سواء العظيمة منها أو قليلة الشأن. فكلها تجري وفق مقادير مُحكمة. نرى اليوم أمراً نحسبه وفق تقديراتنا البشرية أنه كارثة، وأن مآلاته ونتائجه ستكون فواجع ومصائب. لكننا بعد حين من الدهر نجده عكس ذلك تماماً.
نعم قد تقع مآس وكوراث نتألم منها ونفجع، لكنها تهيئة لأجواء من الخير أكبر وأشمل. والمسألة تحتاج لصبر وعدم تعجل، على عكس ما كان من أمر موسى مع الخَضِر عليهما السلام، فإن استعجال موسى وعدم صبره على أحداث، هي صعبة على الفهم والمنطق البشري، عجّل بانتهاء الاتفاق الذي كان بينه وبين الخضر، وإلا لعلمنا ووجدنا العجائب، كما قال بذلك النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم:" يرحمُ اللَّه موسى، لوددنا لو صَبَرَ حتى يقص علينا من أمرهما".
كلما جالت في خاطرك أسئلة أو تساؤلات موسى واستنكرت أو رفضت أحداثاً في حياتك، فلتكن على يقين تام بأن هناك تفسيرات وإجابات كإجابات الخَضِر لموسى، قد تدركها وربما لا تدركها. وأنه لا شيء في هذا الكون يقع صدفة، إنما وفق مشيئة إلهية ولحكمة يراها سبحانه، وفيها دون أدنى شك، من الخير الكثير الكثير، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. والسبب كما بينه القرآن (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، وإن قلة العلم دافع للتساؤلات، التي قد تكون بعضها بحثاً عن الاطمئنان، فيما أخرى للتضجرات والتذمرات والعياذ بالله. فاللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ويقينا.
لا يسمعون فيها لغواً
لاحِظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية... اقرأ المزيد
444
| 03 سبتمبر 2026
لن يضروكم إلا أذى
دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في... اقرأ المزيد
378
| 26 أغسطس 2026
إن الإنسان لربه لكنود
حين يقسم الله عز وجل بمخلوق من مخلوقاته العظيمة، كالسماء والأرض والنجوم والأوقات وغيرها، فإنما ذلك لبيان حقيقة... اقرأ المزيد
330
| 19 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8922
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4842
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3915
| 23 سبتمبر 2026