رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تصادف بعد أيام قلائل مرور 14 عاماً على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، على كل من واشنطن ونيويورك، التي اتهم فيها تنظيم القاعدة بتدبيرها، والذي يعتبر تاريخاً جديداً من المواجهة غير التقليدية المعتادة مع الولايات المتحدة، ثم قيامه ببعض الهجمات على إسبانيا والمملكة المتحدة بدعوى مشاركتهما في الحرب على أفغانستان والعراق، وهو ما يعني أن المواجهة غير التقليدية قامت لمدة عقد مع القاعدة، وما تزال، وانتهت باغتيال أسامة بن لادن، زعيم التنظيم، وبعض معاونيه، في باكستان منذ عدة أشهر، والحقيقة أن هذه الهجمات كان لها الكثير من الانعكاسات السلبية على العرب والمسلمين في الغرب وفي غيرها من الدول بسبب هذه الهجمات التي أصابت الأبرياء وأحدثت شرخا بين الشعوب بغض النظر عن السياسات التي تنتهجها بعض الدول الغربية ونختلف معها.
صحيح أن الإرهاب ظاهرة عالمية، وليست خصيصة إسلامية كما يبدو للبعض من أصحاب الأحكام الجاهزة أو النظرة المسبقة تجاه العرب والمسلمين، خاصة من بعض المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ـ في فترة حكمهم ـ الذي حاولوا مع اللوبي الإسرائيلي اتهام الإسلام ذاته وتعاليمه، وتجريم كل المسلمين ووصمهم بالإرهاب والتطرف والغلو مع علمهم أن الإرهاب الذي يطال الأبرياء مدان من غالبية المسلمين وأعلنوا رفضهم وإدانتهم له، وهذا ما حصل لتفجيرات لندن الإرهابية بعد ذلك.
والإشكالية أن بعض الغربيين ـ وبعضهم من أصحاب النفوذ في صناع القرار في الغرب ـ استثمروا هذه الأعمال المرفوضة وأصبحوا وركزوا على دين الإسلام نفسه بالتشويه والاتهام والتخويف وهذه القضية تثير التوجس من آراء هؤلاء الخبيثة مع أنهم يعرفون أن هذه الهجمات مدانة من المسلمين وكانوا أيضا من ضحايا هذا الإرهاب في الرياض وجدة والقاهرة وشرم الشيخ وفي أماكن كثيرة حدثت.
ويبدو أن هذه التصريحات في اتهام الإسلام التعميم الغريب على أهله لم تنطلق عن جهل بحقائق الأمور، أو عدم القصد، أو زلة لسان، لكنها تصريحات مقصودة لتوصيل رسالة بخلفية أيديولوجية، من خلال الإساءة إلى العرب والمسلمين، في ظل الاتهامات والإشارات الموجهة إليهم بالإرهاب والتطرف والظلامية والأصولية، وهي اتهامات بالطبع ليست جديدة على خلفية تفجيرات نيويورك وواشنطن وكذلك مدريد ولندن، بل إنها قديمة ومستهلكة، لكن يتم استعادتها بسهولة كلما جاءت نازلة هنا وهناك، لكونها نمطية وجاهزة للعرب والمسلمين.
وهذا التجريح الإساءة للإسلام وحضارته فهذا ـ كما قلنا ـ ليس جديداً، لكن الإشكالية تكمن في دلالات توقيته المشحون بأزمة التفجيرات وآثارها. وهذا ما يدل على القصدية الدافعة لهذا التصريح. لكن هل هذا هو الرأي الغالب في الغرب تجاه الإسلام وحضارته، وبهذه النظرة الشوفينية والدونية؟ لاطبعا. والدليل على ذلك هو وجود الإسلام نفسه في الغرب كجزء منه منذ أمد طويل، أولاً في إسبانيا، ثم في البلقان، وكذلك مساهمته في حضارة الغرب. والذي يدعو للأسف أننا دائما محل الاتهام، وهو البادئ بالهجوم علينا منذ قرون ليس بغزو واحتلال فحسب، بل أيضاً بتوجيه الاتهامات التي ما أنزل الله بها من سلطان. فهذا الدين في نظره دين عنف وإرهاب، واحتقار للمرأة، وضد الحرية والتعددية، محاربة العقل والإبداع. ولا يعترف بحقوق الإنسان، ويناهض الديمقراطية والرأي الآخر، ويخلط بين الدين والدنيا، وهو ما يجعل التطرف والغلو ينمو عند البعض، مع هذه المعايير والمقاييس غير العادلة واختلط عليها الأمر ولم تعد تفرق بين الصواب والخطأ.
وهذه القائمة الطويلة من الاتهامات نجدها منتشرة في الكتابات الصحفية، وعند أقلام الباحثين، وعلى ألسنة السياسيين، ثم يرددها رجل الشارع في الغرب، مما يدل على أنها أيديولوجيا موجهة قوامها الإساءة للإسلام وإسناد أسوأ الصفات به ابتداءً بفولتير وانتهاءً ببيرلسكوني، وما هذه كلمة العقلانية المنصفة إلا لتحجيم هذه الحملة المغرضة التي قد تخلق الكثير من الأحقاد والعداء، وخاصة أن المسلمين أصبحوا بالملايين كمواطنين في المجتمع الغربي.
صحيح أن هناك الكثير من الموروث السلبي بيننا وبين الغرب، لكن معظم هذا الموروث خضع لمغالطات وأحكام غير دقيقة سيما من الغرب. لكن المسيحية الكنسية في الغرب وشريحة مؤثرة من مؤسسات صناعة القرار، لا تقابل إلى الآن نظرة العرب والمسلمين للمسيحية ونبيها، بنفس النظرة العادلة والفهم الإيجابي للرسول (ص) والديانة الإسلامية.. والأخطر في الظروف الراهنة هي في تعميم الاتهام للعرب والمسلمين، وتأجيج المشاعر، وترديد مقولات التهديد الإسلامي، واتهامهم بالإرهاب المتأصل في عقلياتهم خاصة على العرب والمسلمين في الغرب الذين أصبحوا تحت المجهر والتوجس والمراقبة وتضخيم ما يقومون به من آراء ونشاطات معينة تندرج تحت الحرية والديمقراطية وقد قرأت لبعض الكتاب العلمانيين مقالة بعنوان (لا حرية لأعداء الحرية) !! وهو ما يعني حرية المسلمين في الغرب أو بعضهم، مع القانون هو الفيصل والذي يستطيع تجريم الأفعال من تبرئتها، والقضاء في الغرب معروف بنزاهته في الغالب الأعم، فأي موقف سلبي يصدر من بعض العرب على وجه الخصوص، وإن كان لا يمثل الغالبية منهم، فإن بعض دوائر ومؤسسات صناعة القرار في الغرب، تستعيد فوراً مقولة الخطر الإسلامي، وحتمية صدام الحضارات التي أطلقها صامويل هنتنغتون في القرن الماضي .
فالقتل العشوائي مدان من الكل من حيث المبدأ الذي يتفق عليه الجميع. فإن هذا الفعل لا يقره الإسلام، ولا تجيزه القيم الدينية أو الأعراف الأخلاقية، ولن يحقق أهدافاً إن كان أصحابه يهدفون إلى شيء من فعلتهم هذه. إلى جانب أن هذه الأعمال سوف يضر بالقضايا العربية والإسلامية، ويزيد المتاعب للجاليات والمواطنين المسلمين في شتى أنحاء العالم الغربي.
وقد بدأت في المملكة المتحدة الكثير من القوانين واللوائح التي سوف تساهم في تقليل النشاط الدعوي والاجتماعي والحريات العامة نتيجة هذه الأعمال الإرهابية التي نالت الأبرياء، واستفادت منها الدول نفسها لأسباب عديدة، وكذلك اللوبي الصهيوني الذي كان يحذر الغرب من وجود المسلمين على أراضيه، وتحقق لهم ما كان يهدفون إليه.
بعد عقد على هذه الهجمات، لابد من المراجعة العقلانية لما حصل بعد هذه الهجمات، فلا استفاد تنظيم القاعدة من هذه الهجمات المرفوضة على الأبرياء، ولا الولايات المتحدة أصابت في حروبها انتقاما من هذه الهجمات، لذلك يجب على أهل العقول النيرة والحصيفة المراجعة في كوكبنا أن تناقض قضايا العدل، التوازن، والحقوق الإنسانية، ففي غياب هذه المعايير فإن الحروب والتوترات ستظل قائمة وستزيد في غيابها وإهماله، لكن للأسف أن التوترات والصراعات لم تعد قائمة بيننا وبين الغرب، فقد أصبحت الصراعات والحروب داخلية بيننا، بفعل التطرف والغلو نفسه اتهمه الغرب، وهذا يعني أن خللا كبيرا لا يزال مستحكما في بنيتنا الفكرية.. وللحديث بقية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9405
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2226
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026