رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كتب الصديق المبدع الأستاذ جابر الحرمي في إحدى تغريداته ما معناه: إن أحدا لم يكتب عن "الإرهاب اليهودي". للأمانة الصحفية.. أذكر أنني كتبت عن الموضوع منذ فترة طويلة.. لكني حينها لم أكن أستخدم الإنترنت أو هو لم يكن موجودا! كنت أكتب مقالاتي بالطريقة البدائية (بالحبر) وأرسلها بطريقة أكثر بدائية, بالفاكس! منذ بدأت الكتابة أخذت عهداً على نفسي في أن أكشف ما استطعت حقيقة عدو أمتنا لقارئنا العربي.. العدو الصهيوني الذي لا تعايش معه سوى اجتثاثه من أرضنا, فقد آن لغاصبي فلسطيننا من النهر إلى البحر وأرضنا العربية, أن ينصرفوا.. عن أرضنا..عن ملحنا.. عن جرحنا.. بعد أن أخذوا حصتهم من دمنا... فقد آن لهم الأوان أن ينصرفوا.
أيضاً كنت سأعتبر نفسي مقصراً وبدرجة أكبر من الكبيرة لو أنني لم أكتب عن هذا الموضوع تحديداً. بُعيد انهيار الاتحاد السوفياتي, حاولت الولايات المتحدة والحركة الصهيونية وإسرائيل والبعض من الدول الغربية التصوير: بأن العدو القادم للبشرية هو"الإسلام" وبدأوا في اختراع تعبير "الأصولية الإسلامية" وابتدأوا التخطيط لتجنيد الجماعات الأصولية المتطرفة التي تقوم بتشويه الإسلام , وجرى التركيز كثيراً على هذا الشعار. للأسف لم يتم توجيه أية اتهامات للتطرف والأصولية في الدين اليهودي وعند اليهود ولا لليهودية ولا حتى للمسيحية! في اليهودية, فإن ظاهرة التطرف هي الأشّد خطراً في التاريخ, منذ التآمر على نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه وعلى المسلمين منذ ولادة دينهم الحنيف وصولا إلى اللحظة الراهنة, فالتعاليم المحرّفة للتوراة والتي صاغها الحاخامات اليهود وفقاً لمصالحهم، تنطلق من الذاتية و"الأنا" المطلقة, والعدوان على كل الآخرين, واحتقارهم.
في سفر إشعيا تقرأ: "ليمت جميع الناس ويحيي إسرائيل وحده"، "يرفعك الله فوق جميع شعوب الأرض، ويجعلك الشعب المختار"، و "يقف الأجانب يرعون أغنامكم، أما أنتم – بني إسرائيل- فتدعون كهنة الرب تأكلون ثروة الأمم، وعلى مجدهم تتآمرون".
لم تقتصر الأصولية اليهودية التاريخية السابقة على تحريف التوراة والتلمود على أيدي زعماء الطائفة من الحاخامات, الذين أنكروا على اليهود الحق في كل أنواع التعليم (باستثناء التلمود والصوفية اليهودية), فدراسة جميع اللغات الأخرى كانت محرمة بصرامة عليهم , وكذلك دراسة الرياضيات والعلوم والجغرافية والتاريخ، بل جاء الحاخامات المعاصرون "الحاليون" ليترجموا هذه العقائد إلى سياسات ممارسة بعد إنشاء دولة إسرائيل، "فيجوز قتل العرب حتى نسائهم وشيوخهم وأطفالهم"، و"العربي الجيد هو العربي الميت"، و "العرب ليسوا أكثر من أفاع وصراصير", "يجوز قتل الطفل العربي حتى لو كان رضيعا", "يجوز قتل النساء العربيات, حتى لو كنّ حوامل, من أجل منع إنجاب أطفال يلحقون الأذى ببني إسرائيل" ! ووصل الأمر بحاخام اليهود الشرقيين عوفوديا يوسف, أن أفتى بـ "أن المشي بين النساء العربيات كالمشي بين الحمير"!
دعوني أذكّركم بما نشرته صحيفة 'فولكسكرانت' الهولندية في 26 نوفمبر 2010، في مقابلة لها مع المخرج الهولندي جورج سلويتسر، وتناقلته في ما بعد وكالات الأنباء, من أنه (شاهد بأم عينيه أرييل شارون وهو يقتل بمسدسه طفلين فلسطينيين, على مدخل مخيم صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان عام 1982).. كذلك تصريحات نتنياهو وأيليت شيكيد وزيرة "العدل" الحالية, حين دعت أثناء العدوان على غزة 2014 إلى قتل الأطفال الفلسطينين (لأننا نعتبرهم ثعابين صغيرة" ودعت إلى تدمير البيوت فوق رؤوس الفلسطينيين وتهديم بنيتهم التحتية!, بالتالي ليس جديداً على الكيان اقتراف الجرائم ضد أطفال شعبنا، بل يوضح بما لا يقبل مجالاً للشك، الطبيعة النازية لهؤلاء المجرمين الفاشيين الصهاينة, حكومة وشارعا ومستوطنين, وممارسة التطهير العرقي بحق شعبنا وأمتنا. عداء اليهودي لا يقتصر على العرب والفلسطينيين والمسلمين جميعاً بل يتعداهم إلى السود جميعاً، ففي تعليقه على كارثة نيواورلينز (العاصفة ومن ثم الفيضانات التي اجتاحتها في نوفمبر عام 2010) حيث كانت أغلبية القتلى من السود، قال الحاخام الصهيوني لليهود الغربيين حينها, يونا متسجر( وُجهت إليه تهم التحرش الجنسي وتبييض الأموال والفساد): (هيا لنأتي بتسونامي ونغرقهم فهم لم يتعلموا قراءة التوراة). وعوفوديا يوسف (حاخام اليهود الشرقيين) هو على نفس الشاكلة!.
هذه الفتاوى للحاخامات تخرج وتندرج على ألسنتهم في العصر الحالي (القرن الواحد والعشرين), فـ "قتل اليهودي جريمة كبرى وواحدة من أسوا ثلاث خطايا", وحين يكون الضحية غير يهودي يختلف الوضع كلياً, فـ "اليهودي الذي يقتل غير يهودي فيجب أن لا تعاقبه أية محكمة"، "أما التسبب بموت غير اليهودي, فليس خطيئة على الإطلاق".
(من يريد الاستزادة في دعوة هؤلاء إلى قتل غير اليهود فليقرأ كتاب المؤرخ المتوفي إسرائيل شاحاك بعنوان"الديانة اليهودية، التاريخ اليهودي، وطأة ثلاثة آلاف سنة"، وكتب معينة.. لـ أرنولد توينبي, ايتيل مينون, إيلان بابيه, روجيه غارودي, آرثر كوستلر, نورمان فلينكشتاين وغيرهم كثيرون).
لكل ذلك رأينا الرقص الإسرائيلي على المأساة الفلسطينية في الحادثة المتعمدة بـ دهس 8 أطفال فلسطينيين وجرح العشرات (منهم كثيرون استشهدوا فيما بعد) في حادثة سير, والاصطدام المتعمد بالباص الذي يقلهم من قبل شاحنة إسرائيلية. على أثره امتلأت المواقع الإلكترونية الإسرائيلية بتعليقات الابتهاج والفرح الشديد من نمط "الحمد للرب على هذا القتل" و"الشكر للرب لأنهم فلسطينيون"، و"لماذا لم يموتوا كلهم"،و"في المرة التالية فلتتأكدوا تماماً من موتهم"، وعلى هذه الشاكلة الكثير الكثير من التعليقات. لكل ذلك نرى مذابح اليهود للفلسطينيين والعرب والمسلمين بدءا من مجزرة دير ياسين عام 1947 مرورا بـ مجازر: كفر قاسم, الطنطورة, السموع, قلقيلية, الحرم الإبراهيمي, بحر البقر, دفن الجنود المصريين أحياء في سيناء عام 1967, قانا الأولى, قانا الثانية, مجزرة الصنايع في بيروت عام 1982, وغيرها وصولا إلى المجازر بـ ,قتل الشهيد صبحي أبو جامع وابن عمه وهما حيين, قتل الفلسطينية الشهيدة دلال المغربي حيّة, حرق الطفل محمد أبو خضير حيا, وحرق الطفل الملاك والبدر علي الدوابشة وجرح والدته ووالده وشقيقه ابن الرابعة وإصابتهم بحروق من الدرجة الثالثة (أي قاتلة)!. قتل محمد الدرة في حضن والده وغير ذلك الكثير!.
كافة استطلاعات الرأي تبين بما لا يقبل مجالاً للشك: الامتداد الديني الأصولي اليهودي المتطرف في الشارع الإسرائيلي، وأحد استطلاعات الرأي لصحيفة "يديعوت أحرونوت" تتوقع: أن حجم المتطرفين الإسرائيليين في عام 2025 في إسرائيل, سيبلغ 62% من سكانها اليهود. في المسيحية يوجد التيار الواسع الذي يُطلق عليه "الصهيو- مسيحية" أو "اليهو- مسيحية", وهو تيار منتشر في الغرب وعلى الأخص في الولايات المتحدة. هذا التيار يعتقد بوجوب دعم دولة إسرائيل والدفاع عن بقائها لأنه اشتراط إلهي من أجل أسباب دينية، ولذلك فإن هذا التيار الواسع كثيراً في أمريكا, يقدّم المعونات بكافة أشكالها ووسائلها لإسرائيل, بصورة أكبر مما تقدمه لها الحركة الصهيونية, فهو يملك آلاف الجمعيات والكنائس والفضائيات والإذاعات والصحف وكافة الوسائل الأخرى, من أجل دعم إسرائيل التي وإن اختلفت معه للأسباب الدينية البحتة، فإنها تسانده وتغذيه وتنتبه إليه, وتملك وتقيم أفضل الصلات مع زعمائه, ومن يريد الاستزادة في معرفة هذا التيار, فليقرأ كتاب د.يوسف الحسن والمعنون بــ "البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي-الصهيوني".
أيضاً فإن القس الأمريكي الذي مزّق القرآن الكريم, فإنما يعّبر عن ظاهرة التطرف والأصولية في المسيحية، كذلك هي الإساءات للنبي الكريم سواء عبر كاريكايتر أو مظهر آخر، فإنما يعّبر ذلك عن نزعة التظرف الأصولية لدى أصحابه.
وفقاً للكاتب برنارد لازار في كتابه القيّم "اللاسامية, تاريخها وأسبابها": فإن "اللاسامية" هي اختراع يهودي لأنهم يعتقدون بأن: اليهودية مشرّبة بخاصية "استثنائية معتنقيها", الاعتقاد بامتياز التوراة عن الكتب السماوية الأخرى, اعتقاد اليهود: بأنهم خارج الشعوب وفوق المجتمعات, اعتقاد اليهود "بأن كافة الأجناس الأخرى, أقل قدراً عند الله من اليهود" لذلك فهم فوق كل الشعوب.
وينهي الكاتب فقرته بالجملة التالية "إن هذه المعتقدات هي خاصية لظهور الشوفينية في الأديان". بالنسبة للتعاون بين الصهيونية (التعبير الحي عن اليهودية) فيكفي أن أقول عقدت اتفاقيتان بين الطرفين في ثلاثينيات القرن الماضي إلى جانب مساعدة الناوية وغوبلز تحديدا للحركة الصهيونية في كل مخططاتها!. والعلاقة بين الطرفين تستعرضها كتب ومؤلفات كثيرة, ولا مجال لاستعراض أو كتابة أسماء حتى القليل منها في مقالة قصيرة!.
الهزل والجد في هذه الحرب !!
الحديث عن هذه الحرب بين أمريكا وإسرائيل من ناحية، وإيران من ناحية، مليء بالأحداث الجادة التي بدأت تغير... اقرأ المزيد
165
| 02 أبريل 2026
جار يجور.. وجار يجير
لا أحد يستطيع تغيير الجُغرافيا، إذا لابد من التعامل والتعايش معها، وهذا ما فعلته دولة الكويت، عبر حكمة... اقرأ المزيد
135
| 02 أبريل 2026
خلع الحجاب وصعود الترند !
• لم تعد معركة القيم والذوق العام والحياء تدور في الخفاء، بل باتت تخاض كل يوم وعلى مدار... اقرأ المزيد
156
| 02 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
8970
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2670
| 26 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية في الأدب الغربي؛ إذ نشأت غالبًا من تصورات وثنية تحاول تفسير الكون عبر صراعات الآلهة وتدخلها في حياة البشر. فمن هرقليز ورأس ميدوسا وعقب أخيل، مرورًا بقصص الخالدين والمستذئبين ومصاصي الدماء، إلى الأبطال الخارقين الذين يقارعون الكائنات الفضائية، والقائمة لا تنتهي. وللشرق كذلك منها نصيب وافر، فإيزيس وأوزريس في مصر الفرعونية وجلجاميش في العراق القديم الذي ثلثاه إله وثلثه بشر، وجارودا في الهند ذلك الكائن ملك الطيور نصفه إنسان والنصف الآخر صقر، وآديري أرض الموتى في ماليزيا، وغيرها الكثير، يتجلى فيها حضور الخيال بوصفه أداة لفهم العالم أو الهروب منه. هذا التراث الأسطوري، بما يحمله من خرافات حول النجوم والأرقام والتعاويذ والقوى الخارقة، دفع بعض أبناء الأمة إلى التساؤل: لماذا خلا التراث الإسلامي من هذا اللون الأدبي؟ ربما السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا لم يُقبل المسلمون في عصور الترجمة الزاهرة على نقل هذه الأساطير كما فعلوا مع علوم الفلسفة والطب والرياضيات؟ الحقيقة أن هذه الأساطير كانت في جوهرها محاولة لملء فراغ نفسي ومعرفي لدى الشعوب التي نشأت فيها، نتيجة غياب تصور واضح لعلاقة الإنسان بالكون، ومن هنا لم يكن غريبًا أن تتسلل هذه النزعة حتى إلى الفكر العلمي الغربي، كما ظهر عند فرويد الذي استند إلى أسطورة أوديب في بناء نظرياته حول النفس البشرية. في المقابل، لم يلتفت العقل الإسلامي إلى هذه الأساطير، لأنه كان مشبعًا برؤية واضحة ومتماسكة للكون والإنسان، فقد قدم الإسلام تفسيرًا متوازنًا للوجود، ينسجم مع العقل، ويمنع الوقوع في الحيرة أمام الغيبيات. المنهج الإسلامي ضبط هذا المجال ومنع الانزلاق في متاهات الميتافيزيقا، فبيّن حقيقة الملائكة والجن، وحدد طبيعة النجوم والكواكب، مؤكدًا أنها لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا علاقة لها بمصائر البشر. كما حارب الإسلام الخرافات المرتبطة بالمرض والعلاج، وأبطل الطقوس الكهنوتية التي كانت تعزو الأمراض إلى الأرواح الشريرة، وأرسى مبدأ واضحًا: أن لكل داء دواء إلا الموت. ويتجلى هذا التصحيح في موقف النبي عند كسوف الشمس يوم وفاة ابنه إبراهيم، حيث قال: (إن أهل الجاهلية كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله به عباده). بهذا المنهج، وجّه الإسلام الإنسان إلى التأمل في الكون بعقلية علمية، مما مهّد لقيام المنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الحديثة. لذلك، اتسم الأدب الإسلامي، خاصة في عصور ازدهاره، بالواقعية، واعتمد على نقل الأحداث وتوثيقها، حتى اشتهر بأسلوب العنعنة. وحتى القصص الرمزية، كالحوارات بين الحيوانات، لم تكن تهدف إلى ترسيخ الوهم، بل إلى تقريب المعاني والعِبر، مع وضوح أنها مجرد وسائل تعليمية. إن ابتعاد المسلمين عن الأسطورة لم يكن نقصًا، بل كان نتيجة طبيعية لقيمهم التي قامت على الشجاعة والكرامة والعمل، لا على الهروب من الواقع، فترى أشعارهم تعبر عن هذه الروح، فعلى سبيل المثال يقول الإمام الشافعي: ما حكّ جلدَك مثلُ ظُفرك....فتول أنت جميعَ أمرك من هنا، فإن خلو التراث الإسلامي من الخرافات يُعد ميزة لا عيبًا، ولم تظهر النزعة إلى تقليد الأساطير إلا في فترات الضعف، حين فقدت الأمة توازنها، وبدأت تبحث عن بدائل خيالية تعوض الفراغ النفسي. ومع ارتكاز صناعة السينما العالمية والأدب الغربي على الأسطورة والخرافة والشخصيات الخيالية، ومحاولات محاكاة هذا النمط في العالم العربي والإسلامي عن طريق الدراما والقصة والرواية، ازداد تعلق الأجيال بالخيال على حساب الواقع، رغم ما يحمله ذلك من آثار تربوية وثقافية وخيمة. في المقابل، يزخر التاريخ الإسلامي بقصص حقيقية وشخصيات ملهمة، لكنها تحتاج إلى إعادة تقديم في قالب أدبي جذاب يجمع بين التشويق والرسالة. وليست هذه السطور رفضًا لأدب الخيال العلمي والأساطير بشكل مطلق، بل هي إشارة إلى ضرورة التوازن بين الواقع والخيال، فنحن لسنا بحاجة اليوم إلى استنساخ الأساطير، بل إلى إنتاج أدب هادف يعبر عن القيم، ويكون وسيلة للبناء لا للهروب، فالأدب الحقيقي ليس الذي يغرق في الوهم، بل الذي يضيء الطريق أمام الإنسان ليعيش واقعه بوعيٍ وإرادة.
2022
| 30 مارس 2026