رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تقول الأساطير إنه لو كان الدكتور محمد مرسي في الحكم حاليا لدخل في حرب مع إسرائيل بسبب قصفها لقطاع غزة المحاصر ولأوقع مصر في أزمة كبرى.
أما الحاصل فعليا فهو أن الدكتور مرسي، وقت أن كان في الحكم، نجح في التوسط لدى حماس للقبول بمبادرة وقف إطلاق النار، رغم أن حماس خلال تلك الأزمة كانت قد بدأت في توجيه ضربات صاروخية موجعة للمدن الإسرائيلية، مما أحدث نوعا من الصدمة داخل الحكومة والمجتمع الإسرائيلي، ولكن جاءت وساطة الرئيس المصري لتعطي مؤشرا على الطريقة التي ينوي التصرف بها إزاء المشاكل الإقليمية المشابهة، فهو لم يظهر اندفاعا في المواجهة، ولم يحرك قواته فور وقوع حلفائه الأيدلوجيين تحت القصف الإسرائيلي، وإنما قدم الوسائل الدبلوماسية، واستمر في الخط المحافظ الذي تسير عليه السياسة المصرية، مع فارق أساسي وهو أنه كان يبحث فعليا عن حل للأزمة القائمة وقتها.
وتقول الأسطورة أن النظام الحالي في مصر سوف يعيد إحياء أمجاد الحقبة الناصرية، خصوصا في مواجهة إسرائيل، بعد أن وصل إلى الحكم ضد إرادة أميركا حليفة إسرائيل الكبرى، وبعد أن أكد أن أي تهديد يقع على أي قطر عربي سوف يتم مواجهته على نحو فوري، مؤكدا أنه لن يكتفي بدور الوسيط وإنما سوف يساهم بفاعلية ونشاط في صناعة استقرار حقيقي على الأرض، من خلال مواجهة الأطراف التي تعبث بالأمن الإقليمي.
أما الحاصل فعليا فهو أن العدوان الإسرائيلي على القطاع لم يواجه من قبل النظام المصري الجديد بأكثر من إجراءات رمزية (معونات وقوافل طبية) للطرف المعتدى عليه، مع صمت كامل إزاء الطرف المعتدي، في الوقت الذي يستمر فيه النظام في التحكم في معبر رفح بفتحه وغلقه وفقا لأسباب سياسية، لا تراعي حاجات القطاع وأهله. من ناحية ثانية لا يبدو النظام الجديد على مستوى الوعود التي قطعها على نفسه، ولا يبدو أنه يمتلك لا القدرة ولا الرغبة في التحرك بفاعلية لمواجهة الفوضى الإقليمية التي تتسبب فيها الغارات الإسرائيلية، وأغلب الظن أنه يعتبر أن ضربات المقاومة هي التي تحدث الفوضى، وأنه إذا كان ثمة طرف يستحق أن يتم الأخذ على يديه فهو الطرف الفلسطيني.
وتقول الأسطورة إن المقاومة الفلسطينية ما اشتركت في هذه الحرب إلا لكي تورط الجيش المصري في مواجهة غير متكافئة مع إسرائيل، يترتب عليها أن تدخل مصر في نفق مظلم على غرار ما تشهده ليبيا وسوريا.
والحاصل أن المقاومة لم تطلب أي معونة من الجيش المصري، واعتمدت على قدرتها الذاتية في تطوير أدواتها القتالية على نحو أدهش النظام المصري نفسه. صحيح أن المقاومة لا تطمح إلى هزيمة إسرائيل بهذه الأدوات، ولكنها على الأقل تملك إزعاجها وإحراجها، فضلا عن ردعها عن القيام بمغامرات دموية في القطاع بين الحين والآخر. أما ما يمكن أن يطلق عليه وصف توريط، فهو ما يتردد عن احتمال تدخل الجيش المصري عسكريا في ليبيا، أو قيامه بإرسال قوات إلى الحدود السعودية العراقية – كما نشرت صحيفة التايمز البريطانية مؤخرا، والخوف في هذه الحالة أن نصبح أمام نموذج مكرر لحرب اليمن ذات النتائج الكارثية على القوات المسلحة وقدراتها القتالية.
وتقول الأسطورة أن المقاومة الفلسطينية تريد زيادة سخونة الموقف وتعظيم الكلفة البشرية المقدمة من مواطني القطاع لكي ترغم المسؤولين المصريين على فتح معبر رفح تمهيدا لتوطين الفلسطينيين في سيناء، التي كان الرئيس مرسي سيبيعها لهم، أو حتى يسلمها لهم بلا مقابل.
والحقيقة أنه رغم القصف والحصار، مازال الغزاويون متمسكون بأرضهم، وبيوتهم، لا يغادرونها إلا طلبا للعلاج، ولكن أنظمة الاعتدال العربية تبخل حتى بهذا عليهم، رغم أنها تعلم أن طاقة مستشفيات القطاع لا تحتمل عدد المصابين جراء القصف الإسرائيلي العشوائي، وتستمر عبر أبواقها الإعلامية في الترويج لكذبة أن الفلسطينيين قد باعوا أرضهم في الماضي وهم راغبون في الفرار منها في الحاضر.
وتقول الأسطورة إن امتناع "الأشقاء" في مصر عن مساعدة القطاع بشكل فعال مرجعه أن حماس هي التي فتحت السجون المصرية وأفرجت عن الإرهابيين في سيناء، وأنها متحالفة مع حركة الجهاد العالمي، ما يمكن أن ينتهي بداعش إلى أن تصبح على الحدود المصرية.
والحقيقة أن معظم الجماعات الجهادية على خلاف مع حماس، ولا ترغب في أن تمد لها يد العون في حربها ضد الكيان الصهيوني، وهذا ما فهمه رئيس وكالة المخابرات العسكرية الأمريكية (مايكل فلين)، الذي حذر مؤخرا أن القضاء على حماس يمكن أن يأتي بما هو أسوأ، ملمحا إلى الجماعات المسلحة الأخرى. وقد دخلت حركة حماس نفسها في مواجهة دموية مع عدد من هذه الجماعات، كما في حادثة مسجد ابن تيمية الشهيرة. أما ما يقال عن تورط حماس في الشأن الداخلي المصري فلم يقم عليه أى دليل حتى يومنا هذا.
هذه الأساطير وغيرها، تعكس بعض أزمات العقل العربي وهو يفكر في العدوان الإسرائيلي الأخير، كما أن هذه الأساطير هي نفسها المقولات الأساسية لدى مؤيدي سياسات الاعتدال التي تدعم الوضع الراهن. المشكلة التي يثيرها هذا النمط من التفكير أنه يحاول تبرير عجز الأنظمة العربية عن البحث عن حل للأزمة أو وضع حد للسلوك الإسرائيلي العدواني، كما هو يحاول تبرير استمرار سياسات الحصار التي تمارسها عدد من "أنظمة الاعتدال" بحق من كانوا ذات يوم يوصوفون بالأشقاء الفلسطينيين.
الجماعات المسلحة من غير الدول
في الوقت الذي يسلط فيه الإعلام العالمي الضوء على تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف إعلاميًا باسم داعش)، وغيره من... اقرأ المزيد
2338
| 13 يناير 2016
العنف مؤذِّن بضياع الاستقرار
من الشائع أن تعوِّل أنظمة الاستبداد على العنف كأداة للحفاظ على استقرارها ومكاسبها السياسية، وذلك لما تعتقده هذه... اقرأ المزيد
948
| 06 يناير 2016
العلمنة الشاملة وعنف الدولة
يثير العنف الأهوج الذي تمارسه أنظمة الاستبداد بحق مواطنيها العديد من الأسئلة، فضلاً عما يثيره من استنكار وتقزز... اقرأ المزيد
834
| 30 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8769
| 27 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
5013
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3825
| 30 أكتوبر 2026