رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يصح وطنيا وقوميا وأخلاقيا أن تتحول حماس إلى عقدة في مصر الرسمية والشعبية.
1ــأدري أن الأجواء في مصر غير مهيأة وربما غير متحمسة لفتح ذلك الملف. فالبلد كله مشغول إلى حد الغرق في تفاعلات وتداعيات الداخل فضلا عن أن الأوضاع التي استجدت بعد 30 يونيو يبدو أنها أقل حماسا من سابقتها في التعاطي مع الملف لأسباب مفهومة. لكن المفاجأة التي حدثت في الأسبوع الماضي فرضت علينا استدعاءه على الطاولة، فضلا عن أن سياقات الأشهر الأخيرة أشارت بأصابع الاتهام إلى دور حماس في العديد من أحداث ما بعد الثورة.
المفاجأة التي أعنيها تمثلت في المؤتمر الصحفي الذي عقدته حركة حماس في غزة يوم 30 يوليو الماضي، وعرضت فيه كما من الوثائق الخطيرة التي تحدثت عن مساعي الإيقاع وتسميم الأحداث بينها وبين سلطات عربية. وقدمت أدلة دامغة على ضلوع جهاز المخابرات التابع للسلطة في رام الله في تلك المساعي، التي نشطت بقوة بعد ثورة 25 يناير، والغريب أن الإعلام المصري تجاهل تلك الوثائق ولم يأت لها على ذكر.
الوثائق ذاتها روت جانبا من قصتها وهي ما سجلته رسالة بتاريخ 2 يوليو موجهة إلى مدير مخابرات قطاع غزة العميد جمال حسونة من العقيد شعبان الغرباوي مدير مخابرات محافظة غزة.
ذكرت أن سلطات القطاع ألقت القبض على أحد عناصر المخابرات، اسمه محمد فضل أبورية، الذي قام بزيارة أهله في منتصف شهر يوليو، وصادرت جهاز «اللاب توب» الخاص به وقد فات الرجل أن يقوم بمسح التقارير الأمنية الموجودة عليه، وتوقع الضابط صاحب الرسالة أن تكون تلك التقارير قد وقعت في أيدي حماس وهو ما حدث.
فهمنا من الوثائق أن جهاز مخابرات السلطة لديه لجنة أمنية عليا لمتابعة الشأن المصري، وأن هذه اللجنة تتلقى التقارير التي تراقب الأوضاع الداخلية في الساحة المصرية وخصوصا شبه جزيرة سيناء على تركيز خاص على أنشطة الإخوان والسلفيين. كما أنها توجه مندوبيها في السفارة الفلسطينية بالقاهرة للترويج للأخبار التي من شأنها إلصاق التهم بحماس والكيد لها لدى السلطات المصرية. في هذا السياق عرضت وثيقة مرسلة في 17/7 من جهاز الأمن الوقائي في رام الله، وموجهة إلى السيد بشير أبوحطب الملحق الأمني للسفارة الفلسطينية بالقاهرة هذا نصها: نقترح أن تقوم اللجنة الإعلامية (بالسفارة) بالتركيز في هذه الفترة على صناعة وإبراز الأخبار التي تبرز بأن حماس هي من تقف خلف المسلحين الذين يقومون بقتل الجنود المصريين في سيناء، باعتبارها داعمة لنظام مرسي ومتضررة من ثورة 30 يونيو. وأقترح أيضا إعداد خبر إعلامي بعنوان «حماس تجهز لفتح جبهة مع إسرائيل في سيناء لجر الجيش المصري إلى التصعيد مع إسرائيل، وهو ما يمكن استغلاله في الضغط على حماس، برجاء موافاتنا برأيكم حول جدوى إعداد هذا الخبر ــ التوقيع: المقدم أحمد منصور دعمش.
بقية الوثائق تسير على ذات النهج، وللأسف فإن حيز المقال لا يحتمل التوسع في نشر تفاصيلها، إلا أنها تكشف بوضوح عن دور الأجهزة الأمنية الفلسطينية في تلفيق الأخبار وتسريبها إلى وسائل الإعلام المختلفة، لإيهام الجهات المختصة والرأي العام المصري بأن حماس وراء خطف وقتل الجنود المصريين في سيناء، كما أنها وراء حوادث القتل والتخريب التي تحدث في مصر. وأنها على تنسيق تام في ذلك مع الإخوان ورئاسة الدكتور مرسي، الذي قيل إنه أبدى استعدادا للتنازل عن سيناء لصالح حماس.
لست أدعو إلى الانطلاق من التسليم بصحة تلك الوثائق، ولكنني أدعو الجهات المعنية في مصر إلى التثبت من ذلك أولا والتحقيق فيما تضمنته من معلومات خطيرة، ثانيا، لأنه لو ثبت صحة تلك المعلومات فسوف نكتشف أن الرأي العام وأجهزة الدولة المصرية تعرضوا لعملية تضليل وغش كبرى ربما كانت الأكبر في تاريخها.
ـ2ــ بلا حصر القصص والأخبار التي أقحمت فيها حماس وأسهمت في تشويه صورتها وإثارة سخط شرائح واسعة من المصريين إزاءها. لكن أكثر تلك القصص أهمية وخطورة كانت تلك التي نسجت حول دور قيل إنها قامت به في اقتحام سجن وادي النطرون، بالتعاون مع عناصر من حزب الله وجماعة الإخوان، وهي القصة التي استعادها وثبتها في حيثيات حكمه قاضي محكمة استئناف جنح الإسماعيلية، الذي أمر النيابة بالتحقيق في الموضوع وأورد أسماء أكثر من عشرين شخصا اتهموا في العملية. كان من بينهم الدكتور محمد مرسي. وقد استخدم ذلك الحكم في توجيه الاتهام إلى رئيس الجمهورية السابق بالتخابر مع حركة حماس. وتم الاستناد إلى ذلك الادعاء في إصدار أمر بحبسه مدة 15 يوما.
يفترض أن القضية لا تزال رهن التحقيق، لكن المعلن رسميا حتى الآن أن حماس صارت في قلبها وأن دورها المفترض يمثل جوهر التهمة الموجهة إلى الرئيس السابق وإذا كان علينا أن ننتظر ما تسفر عنه التحقيقات أو التسويات يمكن أن تعالج القضية، إلا أن ثمة وجها آخر للمسألة لا يأتي أحد على ذكر له، رغم أهميته البالغة. ذلك أن الجميع يتجاهلون وهم يتحدثون في موضوع سجن وادي النطرون تقرير لجنة تقصي الحقائق التي تشكلت في عام 2011 بقرار من رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عصام شرف، ورأسها المستشار عادل قورة رئيس محكمة النقض الأسبق، وضمت أربعة من كبار رجال القانون والدراسات الاجتماعية. واستعانت في مهمتها بفريق من الخبراء والمحققين. وهؤلاء أعدوا تقريرا من 400 صفحة حول أحداث العنف التي وقعت إبان ثورة 25 يناير، وكان بينها ما جرى في سجن وادي النطرون. وهذا التقرير قدم إلى الجهات المعنية فى19/4/2011.
التقرير الخطير نشرته صحيفة المصري اليوم في 19/4/2011 خلاصته التي أعدتها اللجنة القانونية، إلا أنه دفن بعد ذلك ولم يعد يذكره أحد. وأرجح أن دفنه كان متعمدا، لأنه لو أخذ به لأعيدت كتابة تاريخ المرحلة التي أعقبت الثورة من جديد. ذلك أنه يحمل الشرطة بصراحة ووضوح مسؤولية القتل والقنص وغيرها من الجرائم التي ارتكبت إبان الثورة. وإذا كان ذلك أخطر ما فيه، إلا أن الذي لا يقل أهمية وخطورة عن ذلك أنه لم يذكر أي دور لحركة حماس في موضوع سجن وادي النطرون، بل إنه شكك في رواية هجوم المسلحين على السجن. ونسب الرواية إلى بعض ضباط السجن الذين ذكروا أن تمردا حدث واكبه هجوم عدد من المسلحين الذين أطلقوا أعيرة نارية من مدافع جرينوف، وغيرها من الأسلحة النارية، وأن حراس السجن القائمين على الأبراج بادلوهم إطلاق النيران حتى نفدت ذخيرتهم. وعلقت اللجنة على ذلك قائلة إنه «بمعاينة سور السجن تبين عدم وجود أي آثار لطلقات نارية على السور أو الأبراج، مما يدل على عدم صحة ما قدره رجال الشرطة».
أين أخفي التقرير الذي أعده رجال القانون وشارك في إعداده فريق الخبراء، في حين جرى الاعتماد في قضية وادي النطرون على شهادات رجال الأجهزة الأمنية دون غيرهم؟ ولماذا أقحمت حركة حماس في العملية لاحقا؟ وهل لذلك علاقة بالتدبير الذي كان يعد لعزل الدكتور محمد مرسي؟ ــ ليس بوسعنا أن نجيب عن هذه الأسئلة وغيرها في الأجواء الراهنة، لكنها ستظل معلقة في الفضاء المصري، طول الوقت.
3ــلماذا تستهدف حماس وتصوب إليها سهام الاغتيال المسمومة؟ ــ إذا ما حاولنا الرد فسنجد أن حماس تعد كيانا معقدا تتقاطع فيه ثلاثة اعتبارات. فهي حركة فلسطينية وهي حركة مقاومة، ثم إن لها صلات تاريخية مع الإخوان، وهذه الاعتبارات التي تنطبق على حركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني، التي تختلف مع حماس في الاجتهاد السياسي إلا أن ما يلتقيان فيه أكثر مما يختلفان عليه، فالذين يكرهون الفلسطينيين ينفرون من حماس. والرافضون للمقاومة يعادونها، والمخاصمون للإخوان يسحبون خصومتهم عليها. لكنني أزعم أن الشرعية الحقيقية لحماس مستمدة من كونها حركة مقاومة وطنية. صحيح أنها لم تحرر فلسطين ولا تمانع في تهدئة الأوضاع مع إسرائيل لموازنات وحسابات سياسية مؤقتة، إلا أن ما ينبغي أن يحسب لها أنها مازالت حريصة على أن تظل في خندق المقاومة، وأنها ترفض الاستسلام وتصر على الصمود في مواجهة العدو الإسرائيلي، كما أنها لم تتورط في عار التنسيق الأمني مع إسرائيل.
لا أنزه حماس عن الخطأ، وأتفهم ملاحظات الفصائل الأخرى على أسلوب إدارتها للقطاع، ولا أنكر أن من بين عناصرها جناحا من المتدينين المتشددين الذين لا يحسنون الظن بالآخرين، لكني أزعم أن تلك أمور داخلية يعالجها فلسطينيو غزة الذين هم أدرى بشعابها.
لقد نجحت حملة شيطنة حماس في مصر التي تبنتها المرحلتان الساداتية والمباركية. وأسهمت في ذلك عوامل عدة. حيث لا مفر من الاعتراف بأن المرحلتين المذكورتين ساعدتا على تقوية نفوذ «اللوبي» الإسرائيلي في أوساط الإعلاميين والمثقفين المصريين، ولا نستطيع أن نتجاهل دور أجهزة الأمن في ذلك، التي حرصت على توجيه أصابع الاتهام نحو حماس لتبرئة الشرطة من الجرائم التي ارتكبتها ضد ثوار يناير، ثم إن عملية الشيطنة تحاصر حماس وتضغط عليها وتسهم في تصفية حسابات سلطة رام الله معها. وقد كشفت الوثائق التي تم الكشف عنها عن الأساليب المتبعة في هذا الصدد.
4ــأذكِّر الجميع بما قاله يومًا ما إسحاق رابين رئيس الوزراء الأسبق من أنه يتمنى أن تختفي غزة من الوجود، وأن يستيقظ ذات صباح فلا يرى لها أثرا على الخريطة، وأنبه إلى أن الرجل لم تكن لديه مشكلة مع جغرافية القطاع، ولكنه كان مستفزا من صموده وبسالة المقاومة فيه، التي حولت غزة إلى شوكة في خاصرة إسرائيل وعقبة تفضح دعاة الاستسلام والانبطاح أمامها.
إن شيطنة حماس، والمقاومة بالتالي، تحقق حلم رابين وتصب في المصلحة المباشرة لإسرائيل. بقدر ما تظل خصما من رصيد مصر وأمنها القومي. ولا أفهم لماذا يتجاهل كثيرون أن القطاع الصامد والمقاوم في مصلحة أمن مصر، في حين أن خضوع القطاع لسلطان الذين ينسقون أمنيا مع إسرائيل يتعارض مع تلك المصلحة ويشكلون تهديدا حقيقيا لها. ثم إن إقامة علاقة إيجابية وناجحة مع سلطة القطاع يسهم في استتباب الأوضاع المنفلتة في سيناء.
إن جهاز المخابرات العامة المصري الذي يمسك بملف غزة يعرف جيدا أن حملة تشويه حماس مسكونة بالافتراءات والأكاذيب. وفي مقام سابق أشرت إلى ما سمعته من أحد مسؤولي الجهاز عن أن ما تنشره وسائل الإعلام عندنا بخصوص حماس أكثره «كلام جرايد»، لا ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد. وإذا صح ذلك فمعناه أن حملة الشيطنة المستمرة في مصر تنتهك الاعتبارات الوطنية والقومية والأخلاقية وتوجه السهام المسمومة إلى مختلف القيم التي تفرضها تلك الاعتبارات. وأرجو ألا أذكرك بالمستفيد الحقيقي من وراء ذلك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4611
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3306
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1275
| 28 سبتمبر 2026