رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دعا الرئيس عباس أمام 300 من النشطاء الإسرائيليين من "السلام الآن" الإسرائيليين في اجتماع عقده مؤخرا في مكتبه في رام الله إلى العودة إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل شريطة ترسيم حدود الدولة الفلسطينية العتيدة. وإطلاق سراح الدفعة الرابعة من المعتقلين، وتجميد الاستيطان لثلاثة أشهر، وقال في معرض حديثه: "لا نريد أن نتيح الفرصة لأي كان لمن تخيل إليهم أنفسهم أننا بالعنف والإرهاب يمكننا تحقيق إقامة الدولة الفلسطينية، لا نريد هذا ونحن نقول ذلك علنا".
للأسف رغم فشل وعقم المفاوضات التي امتدت عشرين عاماً بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل وأيضا مفاوضات التسعة أشهر، ما زال الرئيس محمود عباس يراهن على المفاوضات، فقد صرح مصدر فلسطيني مسؤول أيضا بأن الرئيس قدّم نفس الاقتراحات لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري خلال لقائهما في لندن منتصف مايو الماضي.
بداية: مقاومة شعبنا الفلسطيني ليست عنفا أو إرهابا وإنما مقاومة مشروعة بقرارات من الأمم المتحدة، وهي مقاومة شعب محتلة أرضه ومغتصبة إرادته ضد جلاده ومحتل بلاده.. ثانيا من المؤسف أن يقول الرئيس الفلسطيني ويطلق هذا التعبير على بطولة شعبنا وهو القائد لحركة فتح أيضا التي فجرت المقاومة المسلحة في الأول من يناير عام 1965. من المؤسف أن يقول أبو مازن هذا وهو رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
لقد وصف الرئيس عباس من قبل مرارا المقاومة الفلسطينية "بالعنف والإرهاب"، رغم اقتراحات عباس فإن الوزير الأمريكي (وفقاً للمسؤول الفلسطيني) أبلغ عباس خلال اللقاء أنه من المستحيل وقف الاستيطان لأن هذا سيؤدي إلى فرط ائتلاف حكومة نتنياهو، وأن فكرة ترسيم حدود الدولة الفلسطينية هي غير عملية لأن قضية الحدود مرتبطة بقضية الأمن، وهي مسألة شديدة التعقيد برأيه ولا يمكن الانتهاء منها خلال ثلاثة أشهر بعد عدم التقدم الجوهري طيلة الأشهر التسعة الماضية من المفاوضات.
وفيما يتعلق بإطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى قال كيري: إن هذه المسألة لم تعد على جدول الأعمال بعد قرار الرئيس محمود عباس الانضمام إلى 15 اتفاقية باسم دولة فلسطين تابعة للأمم المتحدة.
كما يبدو، فإن الرئيس الفلسطيني مازال يثق بأن الولايات المتحدة هي وسيط نزيه في الصراع العربي -الصهيوني رغم ما فعلته الإدارة الأمريكية على هذا الصعيد، فهي طرف منحاز للكيان الصهيوني وناقل ببغائي لأفكاره، وحليف عضوي استراتيجي له. وبينهما اتفاقات عسكرية وتسليحية واقتصادية وسياسية وعلمية تكنولوجية، والولايات المتحدة وكما أعلنت مراراً: بأنها ملتزمة التزاماً كاملاً بأمن الكيان الصهيوني، وهناك ورقة ضمانات إستراتجية أمريكية قدمتها الولايات المتحدة لحليفتها تنص على عدم إجبار الولايات المتحدة لإسرائيل في قبول ما لا تريد قبوله، وعدم ممارسة الضغط على تل أبيب، وحريتها في اختيار التسوية التي تريد! هذه هي العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية، ولذلك فإن كيري أجاب عباس بلسان نتنياهو.
أما فيما يتعلق بوقف الاستيطان لمدة ثلاثة أشهر يطلبها عباس؛ فالكيان الصهيوني واضح على هذا الصعيد: القدس بالنسبة إليه هي "العاصمة الموحدة والأبدية" لدولته، والضفة الغربية بالنسبة إليه وإلى أطراف ائتلافه هي "يهودا والسامرة"، وأن أحد شروط بعض الأحزاب لهذا الائتلاف كان شرط استمرار الاستيطان وعدم وقفه، ما نقوله للرئيس عباس: إن المفاوضات كنهج استراتيجي له ولسلطته لن يجبر إسرائيل على الرضوخ لاشتراطاته، ما يجبرها هي وسائل سنتناولها لاحقاً.
بالنسبة لحدود الدولة الفلسطينية نقول: إن الكيان الصهيوني ورغم 66 عاماً على قيامه لم يرسّم حدود دولته حتى اللحظة، وحدود إسرائيل وفقاً للعسكريين الصهاينة، حيث تصل الدبابات والجنود الإسرائيليون. وأمام الأطماع الإسرائيلية فإنه لن يتم على المدى المنظور تحديد هذه الحدود، فهل يقتنع الرئيس عباس بحقيقة التوسع والأطماع الصهيونية؟.. الكنيست الإسرائيلي يبحث حالياً في مشروع قانون "أرض إسرائيل التاريخية" بمعنى أن هذه الأرض تمتد من النهر إلى البحر أي أرض فلسطين التاريخية.
كما يبحث في مشروع قانون آخر يُلزم الحكومة الحالية والحكومات القادمة، بنيل أصوات ثلثي أعضاء الكنيست للانسحاب من أي جزء من الأراضي المحتلة، وفي حالة الفشل في الحصول على ذلك يُحال موضوع الانسحاب إلى استفتاء للشارع الإسرائيلي. فهل لا يزال الرئيس عباس يؤمن بأن إسرائيل ستنسحب من كل المناطق التي احتلتها في عام 1967 وبخاصة بعد بناء هذا الكم الهائل من المستوطنات وعدم توقف الاستيطان بل استمراره بوتائر متسارعة؟.
أما على صعيد إطلاق سراح الدفعة الرابعة من قدامى المعتقلين فلو أن الكيان الصهيوني أراد إطلاق سراحهم لقام بذلك في مارس الماضي، نتنياهو لا يريد إطلاق سراح أسرى منطقة 48 إلى أماكنهم وبيوتهم بل يريد إبعادهم إلى غزة أو إلى الخارج، مع إسقاط الجنسية الإسرائيلية عنهم هذا أولاً.. ثانياً فإن غالبية أطراف الائتلاف الحكومي الحالي هددت بالخروج من الحكومة إذا ما تم إطلاق سراحهم، ولذلك فإنه وفي ظل تسلم الحكومة الحالية للسلطة في الكيان الصهيوني فلن يتم إطلاق سراح أسرى هذه الدفعة. عملياً وبالمعنى الفعلي تتجه الأوضاع لفشل حل الدولتين التي تنادي به السلطة الفلسطينية لكل ما قلناه في هذا السياق. ثم إنه لم تتبق أراضٍ لإقامة دولة فلسطينية عليها. الحل الذي يريده الكيان هو الحكم الذاتي للفلسطينيين على أمورهم الإدارية وسط غابات متعددة من المستوطنات. التي لن تنتهي عند حد معين بل ستستمر طالما بقيت قطعة أرض في الضفة الغربية صالحة لإقامة مستوطنة عليها.
من جانب آخر، إن بديل المفاوضات كخيار استراتيجي يتمثل فيما يلي: التوجه للانضمام إلى كافة المنظمات الدولية بما في ذلك محكمة الجنايات الدولية، إجراء المصالحة الوطنية، العودة إلى قرارات الأمم المتحدة كمرجعية للحقوق الفلسطينية في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة. إنهاء التنسيق الأمني مع العدو، الانتفاضة الثالثة، طرح الدولة الديمقراطية الواحدة. اللجوء إلى حل السلطة وإلغاء أوسلو وعودة الصراع إلى مربعه الأول. العودة للمقاومة بكافة وسائلها بما في ذلك المقاومة المسلحة، التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية، إعادة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني وتفعيل كافة مؤسساتها على أن تضم إطاراتها كافة الفصائل الفلسطينية. إجراء مراجعة شاملة للمرحلة ما بين اتفاقية أوسلو حتى هذه اللحظة.
أما خيار المفاوضات كنهج استراتيجي ووحيد لتحصيل الحقوق الوطنية الفلسطينية فقد فَشِلْ. فَشِلْ. فَشِلْ ولا فائدة من المراهنة على المفاوضات بعد اليوم ولا فائدة مطلقا من اقتراحات الرئيس عباس.
أوباما..نتنياهو: لقاء المصالح
أعلن البيت الأبيض رسميا. أن أوباما سيلتقي نتنياهو في نيويورك. على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد... اقرأ المزيد
512
| 23 سبتمبر 2016
الاحتيال والجرائم على الانترنت
يحمل التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال الاجتماعي. وجهين: الإيجابي. الذي يستغله المجموع. والآخر السلبي. الذي يستغله المجرمون واللصوص... اقرأ المزيد
505
| 15 سبتمبر 2016
أوهام ليبرمان وكيانه
كَسر إرادة الشعب الفلسطيني في المقاومة. كما نشر ثقافة الهزيمة في أوساطه! هذا ما حاوله ويحاوله القادة الصهاينة.... اقرأ المزيد
530
| 08 سبتمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1287
| 28 سبتمبر 2026