رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الصراع الحاصل في مصر توسل بإفساد الضمائر وانتقل إلى اختطاف الذاكرة، ونهايته لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات.
(1)
من أخبار اليوم الرابع من شهر مايو أن وكيل وزارة التعليم بمحافظة المنيا أحال واضع امتحان اللغة العربية للصف الرابع بمدرسة المنيا الصناعية للتحقيق بسبب وصفه يوم 25 يناير الذي انطلقت فيه الثورة بأنه «من أعظم أيام المصريين». وذكر الخبر أن تلك الإشارة في موضوع التعبير لمادة اللغة العربية اعتبرت مخالفة لقرار وزير التعليم القاضي بحظر ثورتي 25 يناير و30 يونيو بالامتحانات، لماذا؟ لأنها والعهدة على الجريدة، موضوعات خلافية من شأنها إثارة الخلافات بين الطلاب، ذلك أن البعض يعتبر 25 يناير ثورة عظيمة والبعض الآخر يصفها بأنها مؤامرة.
إذا صحت رواية صحيفة «المصري اليوم» التي نشرت الخبر فإن وزير التعليم اعتمد قرار إحالة موجه اللغة العربية بالمدرسة الصناعية الذي وضع السؤال في امتحان التعبير إلى التحقيق، وطلب إفادته بنتيجته.
تصادف أن تم نشر ذلك الخبر في يوم ميلاد الرئيس الأسبق حسني مبارك (الرابع من مايو) ونقلت مواقع التواصل الاجتماعي صورة له وهو يحيي أنصاره من نافذة مقر إقامته في مستشفى القوات المسلحة بالمعادي. ووجهت إليه صفحة «آسف يا ريس» على موقع فيسبوك التهنئة بهذه المناسبة باعتباره يجسد «كل معاني الوطنية»، ووصفته في عيد ميلاده السادس والثمانين بأنه «من أشرف رجال مصر»، وناشدته ألا يحزن «من قلة أساءت إليه وشوهت تاريخه».
ما سبق يقربنا من المعنى الذي قصدته بالإشارة إلى مسألة اختطاف الذاكرة، ذلك أن مدير التعليم في محافظة المنيا اختار الحياد بين القائلين بأن ما حدث في 25 يناير مؤامرة وبين ما ادعوا بأنها ثورة. ولا أحد يعرف ما إذا كان موجه اللغة العربية سيعاقب ويحال إلى التحقيق إذا كان قد اكتفى بالإشارة إلى «ثورة» 30 يونيو أم لا.
على فرض صحة ما ذكرته الصحيفة سابقة الذكر فإن التشكيك في ثورة يناير حدث في نفس اليوم الذي جرى فيه تمجيد مبارك، الذي ثار الشعب ضد استبداده وفساد نظامه، من ثَمَّ فإن الرسالة التي نتلقاها إذا وضعنا الخبرين جنبا إلى جنب هي أن ما حدث في 25 يناير ليس موثوقا فيه ويشك في أنه مؤامرة، وأن مبارك رمز وطني جرى تشويهه، وهو ما يعد قراءة جديدة وصياغة للحدث مختلفة عما استقر في الأذهان خلال السنوات الثلاث التي خلت.
(2)
ما سبق مجرد لقطة من تجليات حملة اختطاف الذاكرة المصرية، الذي عنيت به السعي لمحو الذاكرة وإعادة كتابة محتواها من جديد لتحقيق مآرب معينة، من بينها تعزيز موقف القوى المتغلبة أو إدانة طرف وتبرئة طرف آخر، وهو التقليد الذي كان متبعا في عصور الفراعنة، حين كان الفرعون الجديد يمحو آثار سابقه المكتوب على المسلات، ليسجل تاريخه الخاص، كي يظل هو التاريخ الوحيد الجدير بالذكر.
لسنا بصدد تصرفات فردية تنسب لأصحابها، لكننا بصدد حالة جديرة بالإثبات والنظر. في هذا الصدد فإن الباحث لا تفوته ملاحظة خفوت الجدل حول ما إذا كان ما حدث في 30 يونيو ثورة أم انقلابا، كما تراجعت أصوات التوفيقيين الذين اعتبروا حدث 30 يونيو موجة جديدة في ثورة 25 يناير، ووجدنا أنفسنا أخيرا أمام موجة الجدل حول حقيقة ثورة يناير ذاتها والجهر إما باعتبارها مؤامرة أو بمجرد التشكيك في أنها ثورة. وخلال الأشهر القليلة الماضية قرأنا أوصافا اعتبرتها نكسة وأخرى وصفت المشاركين فيها بأنهم «مرتزقة يناير» وأخيرا قرأنا لمن كتب في جريدة الأهرام (عدد 27/4/2014) أن «الولايات المتحدة وعددا من دول الغرب كانت أطرافا مباشرة في التآمر على مصر خلال عملية يناير 2011، ومحاولة هدم الدولة» ــ وهو وصف ضنَّ على ما جرى بوصف الثورة، وآثر التهوين من شأنها مع التشكيك في خلفياتها وبواعثها.
التشكيك في الثورة مجرد حلقة في مسلسل الاختطاف، لأن ما حدث بعد ذلك ذهب إلى بعيد، حيث محا التاريخ تماما وجرى تثبيت تاريخ جديد مكانه. وللتذكرة فقط فإن الثورة مرت بأربع مراحل حتى الآن، هي: انطلاقها الذي أدى إلى إسقاط الرئيس حسني مبارك وتنحيه عن السلطة ثم مرحلة الحكم العسكري وبعده جاء حكم الإخوان الذي انتهى بعزل الدكتور مرسي، وبدأت المرحلة الرابعة في الثالث من يوليو التي أعقبت العزل وفي ظلها عين رئيس المحكمة الدستورية رئيسا مؤقتا للجمهورية.
شاءت المقادير أن يتم توثيق أحداث المرحلتين الأوليين من خلال لجنتين لتقصي الحقائق شكلتا برئاسة اثنين من أبرز رجال القضاء وأكثرهما استقامة ونزاهة، هما المستشار عادل قورة الرئيس الأسبق لمحكمة النقض الذي رأس لجنة تحقيق أحداث الثورة، والمستشار محمد عزت شرباص نائب رئيس محكمة النقض الذي ترأس اللجنة الثانية الخاصة بمرحلة حكم المجلس العسكري، وقد عمل مع كل واحد منهما فريق من الخبراء والمتخصصين الذين بذلوا جهدا هائلا في تقصي أحداث المرحلتين، وقدم الأول تقريره في 450 صفحة وجاء تقرير الثاني في 750 صفحة، ولأن التقريرين اتسما بأعلى درجات الأمانة والنزاهة ولم يجاملا أحدا من أهل الحكم أو رجال المؤسسة الأمنية خصوصا، فإن التقريرين دفنا وتم تجاهلهما تماما. ولم ير النور منهما غير خلاصة في 42 صفحة أفلتت من الحصار مصادفة، لأنها أعلنت في مؤتمر صحفي يوم 18/4/2011، عقب تسليم التقرير الأصلي لرئيس الوزراء آنذاك الدكتور عصام شرف. ونشرت صحيفة المصري اليوم ملخص التقرير في عدد 19/4، وهو موجود إلى الآن على الإنترنت. أما التقرير الثاني الذي تقصى الأحداث التي وقعت في ظل مرحلة الحكم العسكري، فقد وئد بالكامل ولم يظهر له أثر، باستثناء المعلومات المثيرة التي أدلى بها المحامي أحمد الراغب الذي كان أحد أعضاء الفريق الذي أعده، ونشرتها صحيفة «الشروق» في 3/1/2013.
هذا المشهد يمثل فصلا آخر من فصول خطف الذاكرة ومحوها ثم شحنها بتاريخ جديد مختلف تماما، ذلك أن تاريخ هاتين الفترتين من عمر الثورة طُمِست حقيقته مع دفن التقريرين المذكورين، وأعيدت صياغته بناء على تقارير الأجهزة الأمنية، وكل المحاكمات التي جرت بعد ذلك، بما في ذلك تبرئة ضباط الشرطة من جرائم قتل المتظاهرين في 42 قضية، تمت بناء على تلك التقارير، علما بأن تقريري تقصي الحقائق شهدا بإدانتهم، ولم يشيرا في أي موضع إلى الأطراف التي اتهمتها الصياغة الجديدة، الأمر الذي أدى إلى تبرئة المدانين وإدانة الأبرياء.
(٣)
حين تساءلت في 2/4/2012، بعد اتجاه الإخوان لترشيح أحد قياداتهم للرئاسة، عما إذا كانوا قد وقعوا في الفخ، لم يخطر على بالي أن يكون الفخ بتلك الخطورة التي حدثت، إذ كنت مقتنعا بأنهم ليسوا جاهزين للحكم ولا كان المجتمع جاهزا لحكمهم، على الأقل من زاوية النخب ومراكز القوى وشبكات المصالح المهيمنة.
كانت إرهاصات التشكيك في الثورة قد لاحت في الأفق بعد اتهام بعض المشاركين فيها بالعمالة واستقبال التمويل الخارجي، وكانت حملة إخفاء الحقيقة في الأحداث التي تتابعت خلال المرحلتين السابقتين قد حققت نجاحا مشهودا، الأمر الذي أعاد الثقة إلى الجهات صاحبة المصلحة في إجهاض الثورة وتوجيه الضربة القاضية إليها، في هذه الأجواء ظهر الإخوان على المسرح وتسلموا السلطة بعد فوزهم في الانتخابات التشريعية والرئاسية، كان الإخوان صيدا سهلا وثمينا في الوقت ذاته، كانوا صيدا سهلا لأن أخطاءهم وقلة خبرتهم بإدارة البلد سهلت انفضاض كثيرين من حولهم، فاستدعوا مزيدا من الخصوم ولم يتمكنوا من كسب تأييد المزيد من الحلفاء والأصدقاء، مع الإقرار بأن بعض الأخيرين تعمدوا إفشالهم. وكانوا صيدا ثمينا لأنهم كانوا بمثابة القوة السياسية الأكبر في الساحة المصرية، وبدا أن من عداهم كانوا من دلائل الجدب والخواء في تلك الساحة. من ثَمَّ فقد غدا إسقاطهم بمثابة ضربة قاصمة، ليس فقط للوضع الذي استجد في مصر، ولكن أيضا للربيع العربي كله الذي تناثر رذاذه وترددت أصداؤه في العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه.
ليست لدينا مصادر محايدة أو نزيهة تسمح لنا بالتعرف على حقائق ما جرى أثناء العام الذي أمضاه الدكتور محمد مرسي في منصبه رئيسا للجمهورية، لكن كل ما نعرفه أنهم لم ينجحوا في التواصل مع المجتمع، كما أنهم وقعوا في سلسلة من الأخطاء السياسية التي نجمت عن قلة الخبرة وغياب الرؤية وسوء التقدير. وفي كل ذلك فإننا سمعنا وجهة نظر واحدة من جانب الرافضين لحكم الإخوان أو خصومهم السياسيين والعقائديين، وهو ما اقترن بجهد كبير بذل لإشاعة الكراهية وإفساد الضمائر وإذكاء الرغبة في الانتقام وتسويغ القتل، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن تاريخ تلك المرحلة التي انتهت بعزل الدكتور مرسي فيه من المجهول أكثر من المعلوم، حيث لا تزال لدينا أسئلة كثيرة معلقة حول العوامل والأطراف الأخرى التي أسهمت في إيصال الأمور إلى ما وصلت إليه، وكيف تطورت المطالب من الدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة إلى الإطاحة بالنظام كله، وانتهى باتهام الرئيس بالتجسس والتخابر واتهام جماعته بأنها إرهابية، إلى غير ذلك من العناوين التي أفاض فيها الإعلام وغذتها المؤسسة الأمنية بسيل من الروايات التي لم تكتف بإدانة حكم الإخوان، ولكنها أعادت كتابة تاريخهم من جديد منذ عام 1928.
(4)
الخلفية التي أوردتها باختصار وراء عدم ترحيبي بالدعوة التي تلقيتها للإدلاء بشهادتي أمام اللجنة القومية لتقصي حقائق أحداث «ثورة» 30 يونيو، لاقتناعي بأن المناخ ليس مهيأ للتعرف على حقائق تلك المرحلة الأخيرة التي شهدت أعلى درجات العنف، حيث قتل فيها حتى نهاية يناير الماضي 3248 حسب موقع «ويكى ثورة» المستقل، وبعدما وجدت أن المؤسسة الأمنية المهيمنة لم تكتف بإدارة الأحداث فقط ولكنها عكفت على كتابة تاريخها أيضا كما ذكرت في مرة سابقة. إذ إنني مقتنع بأنه ما لم ينشر على الملأ تقريرا المستشارين عادل قورة ومحمد عزت شرباص، فلا يحدثنا أحد عن تاريخ، لأن تقارير الأجهزة الأمنية ستظل هي المصدر المعتمد والمعول عليه.
تلك خلاصة أولى أردت التنبيه إليها. أما الثانية والمهمة فهي، إن هذا الذي نحن بصدده يشكل انشغالا بالماضي وحساباته، وانصرافا عن تحديات الحاضر والمستقبل. وأخشى ما أخشاه أن تصدق فينا مقولة رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في أعقاب الحرب العالمية الثانية من أننا لو تركنا الحاضر يصارع الماضي فسيضيع منا المستقبل.
الخلاصة الثالثة والأهم أن القرائن التي تحت أعيننا، خصوصا التحالفات الإقليمية التي تشكلت بعد ٣٠ يونيو، تدل كلها على أن المستهدف في النهاية ليس فقط إجهاض الثورة واستعادة نظام مبارك، وإنما الهدف هو الربيع العربي الذي فتح شهية الجميع للتغيير في العالم العربي، فأثار النقمة والغضب، حتى احتشد المضارون من التغيير فشحذوا هممهم وفتحوا خزائنهم وسنوا سكاكينهم للانقضاض عليه والخلاص منه، قبل أن يطرق التغيير أبوابهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
2802
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2586
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2346
| 15 أكتوبر 2026