رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما الحكاية التى يجب أن تروى فى مهرجان الغوص البحري؟ فى البداية يتجاهلونك ثم يسخرون منك ثم يحاربونك وفى النهاية تنتصر لقد تم القضاء على حقبة الغوص وجاء الدور على النفط!
هل نصب اللعنات على اليابانيين أم نطلب لهم الرحمة (الرحمة بالتأكيد خاصة فى هذه الظروف العصيبة التى يواجهونها مع اثار الزلزال وتسونامى وانتشار المواد المشعة من محطة فوكوشيما النووية)! رغم أنهم كانوا السبب فى نهاية حقبة زمنية ميزت دول الخليج عن الدول العربية الأخرى! كانت هذه المعضلة أشبه بلعنة تطارد المنطقة منذ خمسينيات القرن الماضي، عندما كان الخليج قبلة العالم لمن أراد أن يقتنى اللؤلؤ الطبيعى قبل أن ينجح صياد يابانى بسيط وهو "كويتشي" (MikimotoK?kichi)، فى انجاح تقنية زراعة اللؤلؤ بعد محاولات وتجارب مريرة وفاشلة، ومن العيش على السلف والقروض، استمرت الى أكثر من 15 عاما حتى عام (1920)، وقد اتهمه الناس بالجنون لأنه كان مثل ذاك الذى يتخبطه الشيطان من المس، لكن ما هى تعريف العبقرية ان لم تكن مسا من الجنون، لقد امتنعوا حتى من شراء الأرز منه وهو دخله الوحيد. لكن فى وسط المعمعة والجنون كان ايمان زوجته وامه دافعا له ان يستمر ولا يتوقف. وفى ذاك اليوم المشهود ذهبت زوجته سرا الى الشاطئ ويقول انها سمعت صوتا فى منامها يناديها من هناك، ولما فتحت القوقعة صرخت (يالهى انه اللؤلؤ)، كما صرخ امبراطور اليابان قبلها، عندما فعلها مواطن يابانى آخر ونجح فى صناعة أول محرك ماكينة يابانية، قائلا (هذا اجمل لحن موسيقى سمعته فى حياتي).
فى اليابان نهاية عام (2010)، أتيحت لى الفرصة ان ازور مزرعة لؤلؤ وأشاهد صورة (ميكيموتو) يمسك حبات اللؤلؤ ويفركها بيديه كمصباح علاء الدين، وساعتها احسست براحة داخلية فلم يعد ذاك الشعور بالهزيمة يستحوذ على تفكيري؟! وطلبت الرحمة لروح صاحبه ذوى العيون اليابانية الصغيرة. وايقنت بعظمة الافكار عندما تتحول الى وقائع تمشى على الارض مرحا، تخرق الارض، وتبلغ الجبال طولا، بعد ان تبدى بحلم، الكل ينظر اليه انه غير قابل للتحقيق ويسخرون من صاحبه؟! وكما قال غاندى فى كلماته المشهورة (فى البداية يتجاهلونك ثم يسخرون منك ثم يحاربونك وفى النهاية تنتصر).
على ضفاف الخليج فى اوطاننا لم ينهار اقتصاد أقدم المهن المعروفة فى المنطقة فقط (كان يجلب ما تقدر قيمته بـ40 مليون دولار سنويا لدول الخليج فى أوائل القرن العشرين)، بل النظام بأكمله (وهو من المأمول أن تقوم الثورات العربية الجديدة فى العالم العربي) وحل محله نظام اخر بعد حقبة اكتشاف النفط والمتغيرات التى صاحبته التى بدورها جلبت مئات المليارات من الدولارات (الحاضرة الغائبة بدورها). واليوم تدور قصص وحكايات ذاك الماضى على السنة الاباء والاجداد ونراها فى المناسبات الوطنية والاحتفالية وقد شهدنا بعضا منها فى احتفالية مهرجان الغوص البحرى فى قطر، والبحرين والكويت وعمان والسعودية والامارات، وفى دبى هناك مشروع لاحياء تجارة اللؤلؤ من خلال تأسيس بورصة للاتجار به ومشروع «لآلىء دبي» الذى سيكون بمثابة مجمع متكامل يضم مزرعة لؤلؤ وأكاديمية تعليمية وسوقا لبيع اللؤلؤ. ويضم المركز أيضا متحفا حول الأساطير والحكايات التى تتعلق باللؤلؤ وبالرحلات البحرية بالمنطقة. لكن المعضلة الأخرى التى تواجهنا فى منطقة الخليج اليوم فى استمرار التوتر والصراعات والحروب (حرب الخليج الأولى مع ايران والثانية مع العراق وربما الثالثة فى الطريق) وهى تركت بصماتها البشعة على ضفاف الخليج، وتسببت آثارها السلبية على البيئية البرية وبالأخص البحرية عن توقف مياه الخليج عن ولادة أى لؤلؤ منذ فترة، ونتيجة ذلك أصبح أهم منتجى اللؤلؤ والأصداف فى العالم هى: اليابان واستراليا واندونيسيا والهند وسيريلانكا وماليزيا وتايلاند والمكسيك والفلبين والصين وتايوان وغدونا خارج القائمة؟!
ولكن شهادة للتاريخ الذى يبدو أنه مغمور ومتجاهل عمدا، فحقبة الغوص للبحث عن اللؤلؤ لم تكن جلها زمنا جميلا كما يحاول ان يوهمنا البعض بذلك، فالبحوث والتقارير والكتابات التى تناولت هذه الحقبة تدل على تحديات ومصاعب حقيقية واجهتها وعصفت بها. (ريتشارد لو بارون) الذى زار منطقة الخليج فى النصف الأول من القرن الماضي، قدم أوصافا دقيقة لنوعية الحياة الموجودة فى تلك الفترة والمعاناة التى عاشها أصحاب الأرض فهو يقول «بعد نهاية موسم الغوص يكون الغطاس قد تحمّل المستحيل، فهو على الأرجح أكمل أكثر من 3000 غطسة فى عمق يتراوح ما بين 30 و50 قدما تحت الماء، مما يعنى أنه مكث تحت مياه الخليج من دون هواء مدة تتجاوز الأربعين ساعة فى الأسبوع الواحد. ليس من المستغرب أن يكون هناك مكان شاغر فى كل سفينة، فهذا المكان الشاغر تم حجزه لجثة غواص أعياه التعب قبل أن يفارق الحياة».
لقد بلغ شح استخراج اللؤلؤ الطبيعى أشده منتصف القرن الماضي، وصل الحد الى اخراج 300 ألف صدفة للحصول على لؤلؤة واحدة. ولقد أشار (آلانفيليير) فى كتاب"أبناء السندباد"، ان «مهنة الغوص واستخراج اللؤلؤ لم تكن سوى تجارة قائمة على الديون». ويشير الباحث فهد المطيرى الى انه كانت هناك محكمة تعقد جلساتها سنويا للنظر فى المنازعات المتعلقة بشؤون الغوص، وكانت أغلب تلك المنازعات تتعلق بمشكلات الدائن والمدين فى ذلك «الزمن الجميل»! أعضاء المحكمة معينون من قبل الأمير، وهم عبارة عن أشخاص يمثلون شريحتى التجار و"النواخذة"، أما شريحة البحّارة البسطاء فلم يكن لهم تمثيل ضمن طاقم أعضاء المحكمة. وفى تاريخ الغوص يذكر الباحث على لسان سيف مرزوق الشملان، اذا مات البحّار وهو لا يملك غير بيت سكناه وله أولاد صغار وثبت أن البيت داخل عليه من دراهم الغوص فعلى "النوخذة" أن يصبر حتى يبلغ الأولاد رشدهم وحينئذ يخيرون بين دفع الطلب للنوخذة أو اذا ثبت أن البيت داخل عليهم من غير دراهم الغوص فبعد بلوغ الأولاد سن الرشد يخيرون بين بيع البيت ودفع قيمته لجميع الدائنين أو يبقى البيت لهم وهم يتعهدون بدفع جميع ما على والدهم من الدين. ويلاحظ الباحث أن مهنة الغوص أسفرت عن نظام تمويلى يمسك بزمامه ويحدد قوانينه طبقة واحدة فقط، وهى طبقة التجار، فالنواخذة لم يكونوا فى الأغلب قادرين على تمويل بناء سفنهم، فضلا عن تمويل الرحلة بأكملها. ولقد أدّى هذا النظام التمويلى الى تراكم الثروة فى أيدى مجموعة قليلة من أبناء البلد، وتراكم الثروة يعنى تراكما فى السلطة السياسية والاجتماعية وحتى الدينية. الغوص حكاية من حكايات كثيرة من الضرورى أن تروى عن تلك الحقبة الزمنية التى لا يزال البعض يتمنى عودتها حتى يتعلم الجيل الجديد أن الحياة لم تكن وردية خيالية كقصص ألف ليلة وليلة العربية؟!
كما فعل اليابانيون مع اللؤلؤ الابيض ما زالوا يحاولون انجاح التجارب مع اللؤلؤ الاسود؟. وهم على مسافة قريبة من تحقيق ذلك؟. فهل سنحكى قصص زمن النفط اليوم لأولادنا كماض جميل ام ماض حمل الكثير من الهموم والقضايا مشابهة لحقبة الغوص مع بعض التعديلات الحديثة تناسب القرن الحادى والعشرين؟!.
اخر الكلمات
ايه يا بحر، حكايانا كثيرة
مَلَّها الليل ومجَّتها الظهيره
كدّنى الغوص، وما زلت أسيره
ها همُ قد خلفوني...
كالبقايا... من نفايات حقيرة.
(على عبدالله خليفة)
Aljaberzoon.blogspot.com
مسالخ ميانمار!
مأساة كبيرة يعيشها الروهينغا المسلمون كأقلية عددها حوالي مليون نسمة، فهم محرومون من الجنسية وملكية الأراضي والتصويت والسفر... اقرأ المزيد
852
| 13 سبتمبر 2017
ضد الكراهية!
مؤشر صعد اليمين الأمريكي المتطرف وصل إلى أعلى مستوياته مع وصول دونالد ترامب إلى سدة البيت الأبيض بعد... اقرأ المزيد
663
| 30 أغسطس 2017
داء العنصرية!
ردود الفعل الواسعة على أعمال العنف في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا الأمريكية، عكست مدى اتساع الانقسام الذي يعيشه... اقرأ المزيد
642
| 16 أغسطس 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
34668
| 01 سبتمبر 2026
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10269
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8268
| 03 سبتمبر 2026