رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد مخاض عسير أُعلن رسميا في تونس يوم الإثنين 2 فبراير 2015 عن تشكيل الحكومة الجديدة، التي طال انتظارها، منذ نهاية العام الماضي، ويقودها السيد الحبيب الصيد في قصر القصبة، الذي يعتبر أحد الرؤساء الثلاثة في عهد الجمهورية الثانية.
ومن المعروف عن رئيس الحكومة الجديد، أنه كان رئيس ديوان الرجل القوي في زمن الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ووزير الداخلية حينها عبد الله القلال، لكن هاهو يجد نفسه الآن مع بداية الجمهورية الثانية كواحد من بين الرؤساء الثلاثة الأقوياء، في دولة مازالت تبحث عن رجل قوي بالفعل، يقودها ويعيد لها تألقها وهيبتها.
رغم أن تونس بعد أن استكملت مرحلة الانتقال الديمقراطي بحاجة ماسة إلى رجل دولة قوي يقودها في هذه المرحلة الصعبة من تاريخها، فإن النخب التونسية ومعها معظم الأحزاب السياسية تقر بأن السيد الحبيب الصيد ليس هو الرجل القوي في زمن الوهن السياسي والارتباك الحزبي، بل إنه يعتبر رجل دولة خبير في إدارة الشأن العام، ومطلع على الملفات الحساسة كالأمن والاقتصاد، ورجل هذه المرحلة التوافقية، ويقبل تطبيق التعليمات من دون مجادلة، لأن الرجل القوي في تونس يظل الرئيس الباجي قائد السبسي الراغب في ترك بصمته التاريخية على أنه منقذ تونس في زمن استعادة هيبة الدولة.
وكان للقاء الذي جمع بين الشيخين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي في باريس يوم 13 أغسطس 2013، هو الذي رسم المشهد السياسي التونسي الراهن، وهو أيضا الذي أسس وشكل المرجعية الحقيقية للشراكة في الحكم بين النداء والنهضة، والباقي تفاصيل في السياسة.
فتونس محكومة بقرار إقليمي ودولي- لاسيَّما أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد مشاركة النهضة في الحكومة- إلى أن يتم إعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية في عهد الجمهورية الثانية. فالشيخ راشد الغنوشي كان يريد مشاركة حركة النهضة في الحكومة الجديدة، من أجل تخفيف الضغوطات عليه من داخل حركته، وفي سبيل بقائه على رأس الحركة في مؤتمرها القادم!!
وفي المقابل فإن الباجي قائد السبسي مقتنع تمام الاقتناع بصعوبة و«عسر» المرحلة القادمة من جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والأمنية ومن «السذاجة» بالنسبة إليه أن يحمل حزبه «وزْر» تلك الأيام القادمة، ومن مصلحته أن يحمل معه تلك «الأوزار» طرف آخر له ثقله في الشارع حتى لا يُنعت حزب نداء تونس بالفشل، مثل سابقيه!! ويريد الباجي قائد السبسي تحقيق المصالحة الوطنية، باعتبارها مطلباً ملحا للدساترة والتجمعيين الذين ينتمون إلى النظام السابق، والذين يشكلون العمود الفقري لحزب«نداء تونس»، وأوصلوه إلى قبة البرلمان في الانتخابات التشريعية الأخيرة، و«أوصلوا» أيضاً قائد السبسي إلى «أمنية» العمر وهي كرسي الرئاسة بقرطاج. فالدستوريون والتجمعيون يريدون قانون «المصالحة الوطنية»الذي لن يمر إلا إذا كانت النهضة مشاركة في الحكم، لكي يضعوا حدّاً للمضايقات والتتبعات والتجميد والتجويع والشيطنة التي تعرضوا لها منذ أربعة أعوام كاملة.
ويهيمن على تشكيل الحكومة الجديدة الائتلافية بقيادة الحبيب الصيد، والتي تضم 27 وزيراً و14 كاتب دولة (وزير دولة) بينهم 8 نساء (3 وزيرات و5 كاتبات دولة)، حزب «نداء تونس» الذي أسسه السيد الباجي قائد السبسي، الفائز في الانتخابات التشريعية (86 مقعداً)، إذ حظي بـ6 وزارات بينها الخارجية التي تم إسنادها إلى الطيب البكوش، الأمين العام للحزب. وتم إسناد وزارات الداخلية والعدل والدفاع إلى شخصيات مستقلة ظاهريا،وليس لها انتماءات سياسية معلنة. وحصلت حركة «النهضة» التي احتلت المرتبة الثانية في الانتخابات (69 مقعداً) على وزارة التشغيل و3 كاتبات دولة (وزارات دولة).
حيث إن المهم بالنسبة إليها ليس عدد الكراسي وعدد الوزارات التي حصلت عليهم، وإنما كسر هذا التقليد المسموم.. تقليد تحالف اليسار والدساترة على الإسلاميين، من أجل صناعة مشهد جديد.. مشهد لا يكون فيه الإسلاميون ضحية. وتعتبر حركة النهضة من أكبر الرابحين في تشكيل حكومة الحبيب الصيد، إذ استطاعت أن تفرض إرادتها، وحققت شروطها، وعادت بقوة إلى الحكومة الائتلافية مع أهم خصومها السياسيين، حتى وإن كانت مشاركتها في الحكومة «رمزية».فحركة النهضة لم تقبل بتلك المشاركة الرمزية إلا بعد أن اشترطت موافقتها على كل الوزراء، وتحييد وزارات سيادية، هي: العدل والداخلية والدفاع.
وشارك في هذه الحكومة الجديدة أيضا كل من حزب الاتحاد الوطني الحر» (ليبرالي) الذي أسسه في 2011 رجل الأعمال الثري سليم الرياحي، والذي حصل على نحو 16 مقعدا في الانتخابات الأخيرة وحل ثالثاً. ورغم محدودية تمثيل حزب «آفاق تونس» الليبيرالي في البرلمان، الذي حل خامساً بنحو (8 مقاعد)، فهو يعتبر الحزب الثاني في ترتيب الرابحين، إذ توصل بفضل حنكة قيادته المرتبطة بالمؤسسات الدولية المانحة، والتي تطرح تطبيق الليبرالية المتوحشة، أن يحصل على ثلاث وزارات مهمة، وهي التنمية والاستثمار والتعاون الدولي (ياسن إبراهيم الأمين العام للحزب)، و المرأة والأسرة والطفولة، والاتصال والاقتصاد الرقمي.
فيما لم يتمثل حزب «الجبهة الشعبية» اليساري (15 مقعدا) الذي حل رابعاً في الانتخابات التشريعية في الحكومة.
وكانت «الجبهة الشعبية» أعلنت في وقت سابق، رفضها المشاركة في أي حكومة تكون حركة «النهضة» جزءاً منها.
وبحسب الدستور التونسي الجديد، يتعين أن تحصل حكومة الحبيب الصيد قبل مباشرة عملها على ثقة الغالبية المطلقة من نواب البرلمان، أي 109 من إجمالي 217 نائبا. ومنح البرلمان في جلسته التي عقدت يوم الأربعاء 4 و5 فبراير الجاري الثقة للحكومة الجديدة من دون عناء، لأن أحزاب «نداء تونس» وحركة «النهضة» و«الاتحاد الوطني الحر» و«آفاق تونس» تملك مجتمعة 179 مقعدا. أما الجبهة الشعبية فقد أعلنت مسبقاً وعلى لسان ناطقها الرسمي، أنها لا يمكن أن تصوّت لحكومة فيها وزراء ممن عملوا في نظام بن علي الذي ثار ضده الشعب أو في ائتلاف الترويكا الذي أوصل البلاد إلى حافة الانهيار. وفضلاً عن ذلك، لن تصوت« الجبهة الشعبية» لحكومة لا يحتوي برنامجها المباشر على الأقل على إجراءات ملموسة لفائدة الشعب في مجالات الأسعار والأجور والدخل والأمن وكذلك إجراءات للبحث عن الحقيقة في قضية الشهداء بمن فيهم شهداء الجبهة الشعبية الذين ستحيي في الأيام القليلة القادمة الذكرى الثانية لاغتيال أحدهم وهو الشهيد شكري بلعيد زعيم «حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد» وأحد أبرز قيادات الجبهة الشعبية.
يجمع المحللون الملمون بالشأن التونسي أن التركيبة الحالية للحكومة الجديدة لا تمثل الخيار الأمثل لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة، ولاسيَّما في شقها المتعلق بمحاربة الإرهاب، فالذي تبوأ مركز القيادة في وزارة الداخلية، وهي وزارة سيادية بامتياز، وحسب آراء القوى السياسية الديمقراطية في البرلمان التونسي هو تجمعي من المنظومة القديمة، وكان من القضاة الحاضرين في الانقلاب على جمعية القضاة، كما تعرض للعقاب والطرد من المواطنين بعد الثورة، وتم تعيينه في منصبه والياً من قبل السيد الباجي قائد السبسي في حكومته الأولى وكان طيعاً للنهضة.وقد تذهب بعض التحاليل إلى الإقرار بوجود محاولة ولو جزئية لتحييد أهم وزارات السيادة،على الأقل بعض وزارات السيادة المحورية لدى حركة النهضة كالداخلية والعدل نظراً لعلاقتها بمسألة المحاسبة على أخطاء المرحلة الانتقالية، ولاسيَّما فيما يتعلق بالملفات الحارقة في صلب وزارة الداخلية: الإرهاب وتشجيع ما يسمى بـ «المجاهدين» للقتال في سورية، ومنها أيضاً العلاقة مع النقابات الأمنية وموضوع الأمن الموازي وإصرار عديد الكوادر الأمنية والنقابية على وجود اختراقات في وزارة الداخلية.
ويتساءل هؤلاء المحللون: كيف سيتمكن وزير الداخلية الجديد من التعاطي مع جملة الملفات المعروضة عليه في ظل بوادر اعتراض على ترشيحه بلغت حدّ التشكيك في شخصه وفي انتماءاته؟.
وكان أقوى تصريح معارض لشخص وزير الداخلية المقترح صدر عن القاضية كلثوم كنو التي ترشحت في الانتخابات الرئاسية، إذ قالت: «وزير الداخلية ناجم الغرسلي أسوأ اختيار قام به رئيس الحكومة، إنه قاض غير مستقل لعب أدوارا قذرة في السابق في هرسلة زملائه القضاة الشرفاء.. وهو من الانتهازيين ولا أثق فيه أبداً ولا أطمئن لأدائه فهو من جماعة قلابة الفيستة (الجاكيت).. » على حد تعبيرها.
في مواجهة هذا الوضع يتساءل المدافعون عن أهداف الثورة التونسية: ماذا نقول للأجيال التي ناضلت من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وحرية التعبير والتفكير وإرساء قواعد التعامل الديمقراطي وتكافؤ الفرص في الدّولة والأحزاب،ورفعت شعارات فصل الحزب عن الدولة، وتكريس مبدأ الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وترسيخ مفهوم دولة القانون والمؤسّسات أي كل التقاطعات والشعارات والأحلام الموءودة التي طفت إثر 14 يناير2011 وامتزجت بشعار الكرامة الوطنية كي تصبح رايات لبناء مستقبل البلاد والحفاظ على المكتسبات الّتي حقّقتها الأجيال السّابقة، فأين ربيع الشعارات الّتي حملتها الأجيال، بعد سنوات أربع في ربوع تونس والّتي تجمّعت كلّها حول بناء أسس الجمهورية الثانية؟
الامتحان الحقيقي للحكومة الجديدة يتمثل في قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية في شقيها الاقتصادي والأمني التي تعانيها تونس، فهل ستقدم الحكومة الجديدة «حلولاً سحرية» للأزمة الاقتصادية الناجمة بصورة رئيسة عن وصول الأنموذج التنموي السابق الذي كان سائدا منذ أكثر من خمسة عقود من الزمن إلى مأزقه الأخير مع اندلاع الثورة، الأمر الذي بات يتطلب من حكام تونس الجدد، انتهاج خيار جديد من التنمية قادر على تحقيق نسب نمو مرتفعة، لا يدفع المواطن البسيط فاتورته من «دمه».
لكن المراقب للمشهد السياسي التونسي، يلمس بوضوح أن الأطراف الأساسية التي تتكون منها هذه الحكومة الجديدة، تتبنى نهج الليبرالية، وتالياً فإن الحكومة الجديدة موضوعة – رغم إرادتها- أمام خيارات صعبة، ولاسيَّما فيما يتعلق بتطبيق الإصلاحات الهيكلية التي تشترطها المؤسسات الدولية المانحة (صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية) لمعالجة الواقع الاقتصادي التونسي.
فالحكومة الجديدة ستسير في نهج الليبرالية الاقتصادية المندمجة في نظام العولمة الليبرالية المتوحشة، والحال هذه، فهي ستسير في النهج الاقتصادي نفسه، ومنوال التنمية نفسه اللذين سارت فيهما معظم الحكومات التونسية منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي وحتى يناير 2015، بصرف النظر عن طبيعة النظام التي اشتغلت تحت لوائه هذه الحكومات المتعاقبة... وهذا النهج الاقتصادي القديم – الجديد يتناقض بصورة جذرية مع أهداف الثورة التونسية المتمثلة في تحقيق العدالة الاجتماعية، وانتهاج تونس أنموذجاً جديداً للتنمية يحمي القدرة الشرائية للمواطن، ويسمح بتكوين الثروة، وتطبيق مبادئ السوق الاجتماعي،وإنقاذ البقية الباقية من الطبقة المتوسطة عماد أي اقتصاد قوي في العالم.أنموذج من التنمية جديد قادر على إخراج تونس من الوضع الاقتصادي المتأزم، ويكون قادراً على مواجهة «غول» الفقر الذي بات يضرب الطبقات الشعبية، والشرائح المتوسطة والدنيا من الطبقة المتوسطة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2586
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2346
| 15 أكتوبر 2026
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
1845
| 20 أكتوبر 2026