رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الملاحظ والمراقب للسياسات الإسرائيلية التي ينتهجهما نتنياهو وائتلافه الحكومي يرى وبلا أدنى درجات الشك: أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يرفض رفضاً مطلقاً قيام دولة فلسطينية.فهو وكلما بدا في الأفق أنه هناك حل وشيك قائم على تنازل فلسطيني وضغوط أمريكية , يقوم نتنياهو بتصعيد اشتراطاته بحيث يستحيل على الطرف الآخر (الفلسطيني بالطبع) قبول اشتراطه الجديد.هكذا فعل في شرط تواجد قوات إسرائيلية في منطقة الغور على الحدود مع الأردن. ولمّا بدا أن هذا الشرط قابل للنقاش فلسطينياً وأمريكياً بتحويله إلى تواجد أمريكي أوروبي أو تواجد إسرائيلي فلسطيني أردني قام بتصعيد آخر. وهذه المرة من خلال الاشتراط على الفلسطينيين:الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل.هو يدرك صعوبة بل استحالة موافقة الطرف الفلسطيني على ذلك. وحتى لو تم الاعتراف الفلسطيني به فسيصاعد نتنياهو بشرط جديد أكبر وأكثر صعوبة من الأول.
ربما أبدى رابين قبل مقتله وإيهود باراك استعدادهما لإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح والسيادة، مع تعديلات حدودية وإبقاء التجمعات الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية، وتنازل الفلسطينيين عن حق العودة إضافة إلى إشراف أردني-فلسطيني على الأماكن المقدسة.أي بكلامٍ آخر:حكم إداري ذاتي، وهو ما كان ييغال آلون قد اقترحه مباشرة بعد حرب عام 1967, حتى لو جرت تسمية هذا الحكم بــ"امبراطورية فلسطين" ,لكن نتنياهو يعارض حتى إقامة دولة فلسطينية حتى ولو كانت ليس أكثر من حكم إداري ذاتي, وذلك لأسباب عديدة من أبرزها:
أولاً: أن نتنياهو لا يعترف بوجود شعب فلسطيني من الأساس، فالفلسطينيون بالنسبة إليه وكما جاء في مؤلفه"مكان تحت الشمس" خُلقوا فجأة من العدم، صنعهم العرب بعد حرب عام 1967، ولذلك أين هم، وما هي حقيقتهم؟" .الفلسطينيون بالنسبة لنتنياهو ليسوا أكثر من إرهابيين.هذا هو جوهر وجهة نظر رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي في الفلسطينيين.أما التعامل معهم فهو يأتي لاعتبارات سياسية ليس إلا، انطلاقاً من ظروف سياسية ودولية وإقليمية. حل مشكلة الفلسطينيين بالنسبة لنتنياهو يتمثل في بقائهم مع الدول العربية, فهو يدعو الأخيرة إلى حل مشكلة الفلسطينية سواء في الأردن أو في غيره من الدول العربية. الأردن وأجزاء من الدول العربية هي مناطق تتبع لدولة إسرائيل من وجهة نظره، ولذلك فإن إسرائيل والحالة هذه"تتكرم" على العرب بالسماح للفلسطينيين بالسكن في جزء من أرض إسرائيل الكبرى.من قبل صرّح إسحق شامير بأنه سيطيل المفاوضات مع الفلسطينيين والعرب لمدة عشرين عاما(كان ذلك في مؤتمر مدريد).لسان حال نتنياهو يقول:"سنطيل المفاوضات مع الفلسطينيين والعرب مدى الحياة".لذلك فإن المفاوضات الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية لن تنتهي لا في تسعة أشهر ولا في تسع سنين ولا في عشرين سنة.
ثانياً:إن أطراف الائتلاف الحكومي في غالبيتهم لا يعترفون بوجود الفلسطينيين, فكيف بإعطائهم دولة؟! لقد صرّح قادة هذا الائتلاف أكثر من مرة بأنه إذا ما جرى عرض إقامة دولة فلسطينية على الحكومة الحالية فسوف يُهزم هذا الاقتراح. من بين هؤلاء تصريحات كل من يائير ليبيد رئيس حزب"هناك مستقبل"ونفتالي بينيت زعيم حزب"البيت اليهودي , إضافة إلى تصريحات الفاشي أفيغدور ليبرمان. من جانب ثانٍ فإن التحولات في الشارع الإسرائيلي تسير باتجاه المزيد من التطرف واليمين ,وإنكار حقوق الشعب الفلسطيني.على صعيد آخر فوفقاً لاستطلاعات رأيٍ كثيرة، فإن غالبية الإسرائيليين لا يؤيدون إقامة دولة فلسطينية.إضافة أيضاً إلى أن هناك تقديرات في إسرائيل بأنه في العام 2025فإن عدد الأكثر تطرفاً من الإسرائيليين سيبلغ ما بين 60-65% من مجموع يهود إسرائيل. هذا هو الواقع الإسرائيلي بعجره وبجره: شارع يميل إلى المزيد من العنصرية والتطرف والعداء للفلسطينيين والعرب. أيضاً فإن إسرائيل تعمل خلال هذه الفترة على قوننة عدم التطرق للقدس وللاجئين في أية مفاوضات مع الفلسطينيين أو العرب.
ثالثاً: موقف نتنياهو من منطقة الحكم الذاتي الفلسطيني يبدأ بالسيطرة على حدودها واستمرار التحكم في الداخلين إليها والخارجين منها،وهو على الضد من أن تكون منطقة استقطاب للفلسطينيين من الخارج (فهؤلاء يوّطنون حيث هم) وإنما مجالاً حيوياً لاستقطاب عرب منطقة 48 إليها، ولهذا كان الاقتراح بضم منطقة المثلث من مناطق عام 48 إلى أراضي السلطة الفلسطينية للتخلص مما يقارب ثلث الفلسطينيين في عموم مناطق 48، فالمثلث يحتوي على ما يقارب 300 ألف فلسطيني.أما بالنسبة للمتبقين من الفلسطينيين في منطقة 48 فإن مشاريع قوانين عنصرية كثيرة جرى سنّها في الكنيست وتتعلق في المناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون وبخاصة من جيل الشباب ,فسيقدمون طوعاً إلى الهجرة. هذا أيضاً بالإضافة إلى مفهوم:بأنه قد تأتي ظروف مواتية مستقبلاً في إسرائيل تمكنها من تهجير أكبر عدد ممكن من فلسطينيي 48 بطريقة أو بأخرى، لأن الوجود الفلسطيني العربي في الكيان الصهيوني يتناقض مع مفهوم"يهودية الدولة" التي تسعى إسرائيل إلى تطبيقه بكافة الوسائل والسبل، وهي جعلت منه شرطاً للتسوية مع الفلسطينيين والعرب من حيث ضرورة اعتراف الطرفين بهذا المبدأ مقابل إجراء التسوية مع أيٍّ من الطرفين.
رابعاً: بالنسبة للحل الاستراتيجي فإن وجهة النظر الإسرائيلية تتمثل في: إما تقاسم وظيفي إسرائيلي فلسطيني أردني في هذه المناطق أو من خلال إقامة كونفدرالية بين منطقة الحكم الذاتي الفلسطيني والأردن.هذا في التصور الإسرائيلي.المرحلة الأولى في وجهة النظر هذه تتمثل في المشاريع الاقتصادية المشتركة. على هذا الأساس جرى منذ عدة أشهر اقتراح أمريكي بدعم مشاريع اقتصادية مشتركة واستعداد الولايات المتحدة رصد المليارات من أجل ذلك. من جانب ثان كان اقتراح نتنياهو منذ عام تقريباً بالبدء في السلام الاقتصادي في المنطقة. من قبل ذلك: المشروع الأمريكي الإسرائيلي المشترك بإنشاء الشرق الأوسط الجديد، وقد كتب شيمون بيريز مؤلفاً بهذا المضمون. لذلك في منتدى دافوس في البحر الميت الذي عقد قبل ما يزيد عن العام جرى تشكيل مجموعة اقتصادية إسرائيلية فلسطينية مشتركة دعت إلى تعاون اقتصادي بين الجانبين, والضغط لوصول الطرفين إلى حل سياسي من أجل إحلال (السلام)في المنطقة.
خامساً: إسرائيل ترى في وجود دولة فلسطينية بداية النقيض لوجودها كدولة.لذلك تصر على أن يتضمن أي اتفاق مع السلطة الفلسطينية مسألتين الأولى: حق إسرائيل في دخول المناطق الفلسطينية كلما رأت ذلك ضرورياً (إذا ما اعتقدت أن هناك من سبب يشكل تهديداً لأمنها). المسألة الثانية: هي تواجد قوات إسرائيلية في منطقة الغور على الحدود مع الأردن للتحكم في الطريق البري الموصل للمناطق الفلسطينية. إضافة إلى أن إسرائيل هي التي ستظل مشرفة على المياه الإقليمية في غزة، إلا إذا جرى إلحاق غزة بمصر والإشراف المصري عليها. تخشى إسرائيل مستقبلاً أن تتغير الظروف والأوضاع وتبدأ منطقة الحكم الذاتي الفلسطينية (أو أطراف فلسطينية من الفصائل وغيرها) بتجميع أسلحة قد تهدد الأمن الإسرائيلي. لذلك فحتى اقتراح السلطة بتواجد قوات من حلف الناتو في منطقة غور الأردن ترفضه إسرائيل رفضاً مطلقاً وتصر على تواجد قوات إسرائيلية في هذه المنطقة.
بالطبع ليس كل ما تخطط له إسرائيل قَدَراً ! ولكن شريطة مجابهة الفلسطينيين والجماهير العربية لهذا المخطط, وللأطماع الإسرائيلية في احتلال ومزيدٍ من السيطرة على أراضٍ عربية أخرى. لذلك فقد طرح أفيغدور ليبرمان منذ يومين اثنين (الخميس 30يناير) أن ترتبط التسوية مع الفلسطينيين باعترافهم بأن هضبة الجولان العربية السورية هي أرض إسرائيلية, والاعتراف بضمها إلى إسرائيل. بالطبع المخطط أكبر من أن تفشله جهة فلسطينية أو عربية منفردةً بل يقتضي عملاً مشتركاً , ومشروع مجابهة مشترك وطني فلسطيني أساساً اعتماداً على البعد القومي العربي ثانياً, وهذا يقتضي تصليب الموقف الفلسطيني والعربي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2238
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1473
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1128
| 11 أكتوبر 2026