رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وقد ينثني دمع العين طرباً ما لم يحير من شدة الألم
فما بين مشاعر البهجة والفخر بما وصلنا إليه في هذا الوطن الغالي، من نقلة حضارية جبارة، وتسارع مسير قطار التكنولوجيا المبهر، إذ كيف من العدم قد رصت الأبنية وتشكلت في أبهى صورها، وتواترت الإنجازات التي تحمل في أنفاسها شذى الانعتاق من كل قيد وتنبثق عن إرادة وعزيمة عنيدة أمام كل المحاولات المستميتة لإجهاض مسيرة التقدم والنماء بعيداً عن التبعية أو الاذعان والوصاية عبر سلسلة من المواقف الوطنية والقومية التي كانت مدعاة للفخر والاعتزاز وتقديم العبرة للأجيال القادمة، وما تزال الخطى تتسابق في ركب المنافسة حيث تتجسد الرؤية الاستشرافية للمستقبل بكل ما يحمله من تطلعات وطموحات.
بينما نعتصر ألماً، لمنظر آلة التطور وهي تجتث الغالي والنفيس من تراب هويتنا، تراثنا وقيمنا التي تعتبر أساس انتمائنا والبعد الوجودي لكينونتنا وخصوصيتنا، وتبدلها بصور واعتقادات لا تنتمي لمجتمعنا وعاداته، فالتمسك بالموروث مطلب لإثبات الهوية الوطنية، حتى لا تنسلخ عن جلدتها فتبدله بآخر لا يؤاتيها ولا يمثلها، فالتطور والانفتاح والحداثة لا تعني التفريط في الهوية، حتى نوشك أن نشعر بالغربة ونحن تحت سقف الوطن !! هذا بالتحديد ما يحصل، حيث الشعور بأن السعي وراء التطور والرقي هو من أجل إرضاء آخرين ينظرون إلينا بنظرة الدونية والتخلف !! وقد بُذرت في عقولهم هذه المعتقدات منذ مئات السنين فلن تفلح المحاولات مهما كانت عظيمة وعميقة في كسب ودهم !!
إنه من الأولى التركيز على ترسيخ مفاهيم الهوية الوطنية العربية والاسلامية، فيراها ويستشعر بها كل من يعيش على هذا الوطن، ويعجب بها كل من يزور هذه الأرض الطيبة المعطاءة، وفرض القوانين التي تلزم الآخرين باحترام العادات والتقاليد التي تشكل روافد تلك الهوية وجذورها الضاربة المتعمقة منذ الأزل في قلوبنا، فالحقيقة التي يجب أن يستوعبها البعض جيداً، أن الشعوب تتباين عن غيرها بصبغات مختلفة، مما يمنحها صفة التميز، وهذا مدعاة للإعجاب والفخر، قال عزّ من قال "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم" فقد منح الخالق جميع الشعوب ملامح خاصة يتصفون ويُعرَفون من خلالها، فلماذا نرغب في أن نكون نسخة مكررة عن الآخرين، لماذا نستحقر خصائصنا التي ميزنا الله بها عن الآخرين وننظر إليها بنظرة تخلف وازدراء؟! لماذا نسعى أن نقدم للغير ما يناسبهم ولا يلائمنا ؟!! رغم أنه من الجميل أن يجرب الإنسان أشياء لم يألفها، أو يتعامل مع ذات الأشياء ولكن بالطريقة التقليدية للشعب والبلد الذي يقيم فيه أو اختار أن يزوره
لماذا ما نزال نستعير من الآخرين معتقداتهم وعاداتهم وحتى أسلوبهم و طرق تفكيرهم وإن كانت فاسدة؟!! ونتنكر لكل ما هو إسلامي وتراثي وينبع من أصالتنا وتاريخنا وإن كان جميلا ؟؟ حتى وصل بالبعض أن يحتفل بمناسبات لا تمت لديننا ولا لمعتقداتنا بأية صلة، والمدهش في الأمر أن يكون هناك تنافس في شكل الاحتفالات والتجمعات التي تقام للاحتفال بمثل هذه المناسبات الدخيلة، فعندما أعقد مقارنة صغيرة فقط عما يحدث في بلادنا وبلادهم وأرى أنه لا أحد قد يهتم لمناسباتنا وشعائرنا، بينما أرى الفارغين من العقل والدين هنا يتسابقون على الاحتفال بأعيادهم الدينية وغيرها، كاحتفالهم بالهيولين وأعياد الكريسمس المسيحية، فلا يخلو فندق أو مجمع تجاري وللأسف بعض المنازل المسلمة من أشجار الكريسمس!! ناهيك عن إقامة بعض الحفلات والفعاليات الموجهة لاجتذاب رضا الغرباء!! ليمجدونا في صحفهم وإعلامهم!! بدعوى التقدم والتحضر والتسامح مع الآخر، فكيف ندعي الاستقلال والحرية ونحن سجناء لعقلية غريبة عنا ؟! وكيف نرهن إرادتنا للغير يفعل بها ما يشاء؟! لا أرى حرية في ذلك مطلقاً!! فما الأسباب الحقيقية وراء هذا الانقياد الأعمى والتخبط العشوائي في ثقافة لا تعبر عن شخصيتنا، فبتنا لا نعلم حقيقتنا، وقد فقدنا مشاعر الاعتزاز بالتراث والروافد الأصيلة لهويتنا، نتقيد بمعتقدات دخيلة كدليل على النهضة والتطور والانفتاح، فالأصل التمسك بالهوية الإسلامية والعربية فهي ليست مجرد شعارات نقرأها في الصحف والكتب وإنما يجب أن تترجم فعلياً على أرض الواقع الذي يفتقر حقيقة إلى ذلك، خصوصاً بعد أن انصرفنا عن لغتنا ولبسنا ثوباً ليس بثوبنا، فالجميع يهتف ويبادر إلى تشجيع اللغة العربية وكأنها دخيلة علينا وليست كالدم تجري في عروقنا، فالهتافات شيء وما يحدث شيء آخر، فمعظم التعاملات أصبحت بلغة غير لغتنا، فإن كنت لا تعرف الإنجليزية فستشعر بأنك جاهل ومتأخر، إذ أصبحت اللغة الإنجليزية مقياسا لمدى تقدم الفرد في مجتمعنا، أصبحنا غرباء في وطن يعج بأطياف الجنسيات المختلفة، أتذكر منذ زمن عندما كنت أزور دولة خليجية كنت أتمنى أن أرى فيها مواطنيها وسكانها الأصليين، بعد أن أصبحوا قلة في مجتمعهم، وها أنا أرى اليوم نفس الصورة تتكرر إذ أصبح المواطنون قلة في ظل الوجود الديموغرافي الهائل والخطير للجنسيات الأخرى والذي يهدد التركيبة السكانية.
ولهذا فقدنا احترامنا بعدما تنازلنا عن فرض اعتزازنا بهويتنا، واستسلمنا طواعية لكل فكرة ومعتقد وافد غريب، فما أسهل أن نساق خلف كل تافه وردئ، فأصبحنا في نظر الآخرين كفرخ البجع الذي ظن أنه فرخ بط بعد أن تاه في المزرعة وعاش مع طيور البط مقلدا ومحاكياً لحركاتهم، فلم يستطع أن يتأقلم معهم لأنه في النهاية اكتشف حقيقته وذهب إلى بني جنسه الذين ينسجم معهم، فما أشبهنا بفرخ البجع هذا حين نحاول أن نلبس ونأكل ونشرب ونتزوج ونفكر ونعمل كما يفصلون لنا بالقياسات الأجنبية، فهل يجرؤ أحد أن يكبح اندفاعاته ويمكث برهة مع نفسه فيسألها لماذا؟
التحدي أن تقبض بيد على آلة التطور والانفتاح وتقبض بالأخرى على القيم والأخلاق والموروث واللغة المكونة للهوية الإسلامية والوطنية لحمايتها من الاندثار في ظل هذا الزخم من الهويات المتعددة فوق أرض واحدة، وهذه المسؤولية يشترك بها الأفراد والأسر والمؤسسات وأصحاب المشاريع التجارية كالمطاعم والمقاهي ونحوها - لما لها من نفوذ بالغ في انتشار بعض السلوكيات والاتجاهات المستوردة وغير المألوفة - بدءاً من حرصهم على إحياء عقيدتهم وهويتهم الإسلامية والوطنية والعربية والاعتزاز بها في نفوس النشء وانتهاءً بالممارسات الفعلية التي تبرز وتدعم ذلك من خلال التوجيهات والإجراءات اللازمة للامتثال للقواعد الارتكازية للهوية الإسلامية والوطنية.
الهزل والجد في هذه الحرب !!
الحديث عن هذه الحرب بين أمريكا وإسرائيل من ناحية، وإيران من ناحية، مليء بالأحداث الجادة التي بدأت تغير... اقرأ المزيد
33
| 02 أبريل 2026
جار يجور.. وجار يجير
لا أحد يستطيع تغيير الجُغرافيا، إذا لابد من التعامل والتعايش معها، وهذا ما فعلته دولة الكويت، عبر حكمة... اقرأ المزيد
24
| 02 أبريل 2026
خلع الحجاب وصعود الترند !
• لم تعد معركة القيم والذوق العام والحياء تدور في الخفاء، بل باتت تخاض كل يوم وعلى مدار... اقرأ المزيد
24
| 02 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
8241
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2667
| 26 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية في الأدب الغربي؛ إذ نشأت غالبًا من تصورات وثنية تحاول تفسير الكون عبر صراعات الآلهة وتدخلها في حياة البشر. فمن هرقليز ورأس ميدوسا وعقب أخيل، مرورًا بقصص الخالدين والمستذئبين ومصاصي الدماء، إلى الأبطال الخارقين الذين يقارعون الكائنات الفضائية، والقائمة لا تنتهي. وللشرق كذلك منها نصيب وافر، فإيزيس وأوزريس في مصر الفرعونية وجلجاميش في العراق القديم الذي ثلثاه إله وثلثه بشر، وجارودا في الهند ذلك الكائن ملك الطيور نصفه إنسان والنصف الآخر صقر، وآديري أرض الموتى في ماليزيا، وغيرها الكثير، يتجلى فيها حضور الخيال بوصفه أداة لفهم العالم أو الهروب منه. هذا التراث الأسطوري، بما يحمله من خرافات حول النجوم والأرقام والتعاويذ والقوى الخارقة، دفع بعض أبناء الأمة إلى التساؤل: لماذا خلا التراث الإسلامي من هذا اللون الأدبي؟ ربما السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا لم يُقبل المسلمون في عصور الترجمة الزاهرة على نقل هذه الأساطير كما فعلوا مع علوم الفلسفة والطب والرياضيات؟ الحقيقة أن هذه الأساطير كانت في جوهرها محاولة لملء فراغ نفسي ومعرفي لدى الشعوب التي نشأت فيها، نتيجة غياب تصور واضح لعلاقة الإنسان بالكون، ومن هنا لم يكن غريبًا أن تتسلل هذه النزعة حتى إلى الفكر العلمي الغربي، كما ظهر عند فرويد الذي استند إلى أسطورة أوديب في بناء نظرياته حول النفس البشرية. في المقابل، لم يلتفت العقل الإسلامي إلى هذه الأساطير، لأنه كان مشبعًا برؤية واضحة ومتماسكة للكون والإنسان، فقد قدم الإسلام تفسيرًا متوازنًا للوجود، ينسجم مع العقل، ويمنع الوقوع في الحيرة أمام الغيبيات. المنهج الإسلامي ضبط هذا المجال ومنع الانزلاق في متاهات الميتافيزيقا، فبيّن حقيقة الملائكة والجن، وحدد طبيعة النجوم والكواكب، مؤكدًا أنها لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا علاقة لها بمصائر البشر. كما حارب الإسلام الخرافات المرتبطة بالمرض والعلاج، وأبطل الطقوس الكهنوتية التي كانت تعزو الأمراض إلى الأرواح الشريرة، وأرسى مبدأ واضحًا: أن لكل داء دواء إلا الموت. ويتجلى هذا التصحيح في موقف النبي عند كسوف الشمس يوم وفاة ابنه إبراهيم، حيث قال: (إن أهل الجاهلية كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله به عباده). بهذا المنهج، وجّه الإسلام الإنسان إلى التأمل في الكون بعقلية علمية، مما مهّد لقيام المنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الحديثة. لذلك، اتسم الأدب الإسلامي، خاصة في عصور ازدهاره، بالواقعية، واعتمد على نقل الأحداث وتوثيقها، حتى اشتهر بأسلوب العنعنة. وحتى القصص الرمزية، كالحوارات بين الحيوانات، لم تكن تهدف إلى ترسيخ الوهم، بل إلى تقريب المعاني والعِبر، مع وضوح أنها مجرد وسائل تعليمية. إن ابتعاد المسلمين عن الأسطورة لم يكن نقصًا، بل كان نتيجة طبيعية لقيمهم التي قامت على الشجاعة والكرامة والعمل، لا على الهروب من الواقع، فترى أشعارهم تعبر عن هذه الروح، فعلى سبيل المثال يقول الإمام الشافعي: ما حكّ جلدَك مثلُ ظُفرك....فتول أنت جميعَ أمرك من هنا، فإن خلو التراث الإسلامي من الخرافات يُعد ميزة لا عيبًا، ولم تظهر النزعة إلى تقليد الأساطير إلا في فترات الضعف، حين فقدت الأمة توازنها، وبدأت تبحث عن بدائل خيالية تعوض الفراغ النفسي. ومع ارتكاز صناعة السينما العالمية والأدب الغربي على الأسطورة والخرافة والشخصيات الخيالية، ومحاولات محاكاة هذا النمط في العالم العربي والإسلامي عن طريق الدراما والقصة والرواية، ازداد تعلق الأجيال بالخيال على حساب الواقع، رغم ما يحمله ذلك من آثار تربوية وثقافية وخيمة. في المقابل، يزخر التاريخ الإسلامي بقصص حقيقية وشخصيات ملهمة، لكنها تحتاج إلى إعادة تقديم في قالب أدبي جذاب يجمع بين التشويق والرسالة. وليست هذه السطور رفضًا لأدب الخيال العلمي والأساطير بشكل مطلق، بل هي إشارة إلى ضرورة التوازن بين الواقع والخيال، فنحن لسنا بحاجة اليوم إلى استنساخ الأساطير، بل إلى إنتاج أدب هادف يعبر عن القيم، ويكون وسيلة للبناء لا للهروب، فالأدب الحقيقي ليس الذي يغرق في الوهم، بل الذي يضيء الطريق أمام الإنسان ليعيش واقعه بوعيٍ وإرادة.
1719
| 30 مارس 2026