رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
روى الخرائطي عن ابن مسعود أنه قال، إن البلاء موكل بالكلام، هذه المقولة تكاد تنطبق بشكل كامل على ما يحدث في مصر هذه الأيام. فالأداء السياسي الرسمي يعاني من أخطاء متكررة وكلمة السر فيها جميعا هي الخطاب المتسرع وغير المدروس. فالطبقة الحاكمة (الرئاسة وجماعة الإخوان) غير قادرة على أن ترشد من أدائها اللفظي، حيث تطلق بين الحين والآخر من التصريحات ما تعجز عن الوفاء أو الالتزام به، الأمر الذي جعل البعض ينظر إلى أدائها على أنه مجموعة من التراجعات المتواصلة. هذه الأخطاء المجانية والتي كان آخرها إصدار الإعلان الدستوري بصياغته المعيبة وضعت الرئاسة والجماعة في موقف الدفاع، وأتاحت الفرصة أمام خصومهما من كل المعسكرات لكي يتكتلوا أمامهما في سابقة لم تحدث منذ بداية الثورة المصرية.
التكلفة السياسية للإعلان الدستوري الأخير أعادت إلى الأذهان توابع الاقتراض من صندوق النقد الدولي خلال الحقب الماضية، عندما كانت الحكومة تتعثر في تنفيذ الإصلاحات اللازمة للحصول على القرض، فيمتنع الصندوق عن دفع المزيد من الأقساط، وفي الوقت نفسه يستمر في احتساب الفائدة على إجمالي المبلغ المقترض، فينتهي الحال بأن تصبح الحكومة ملتزمة بدفع فائدة عن قرض لم تستطع الاستفادة منه. الرئاسة المصرية وقعت في فخ مماثل بإصدارها الإعلان الأخير، فهي لم تستطع الاستفادة الفعلية منه، ورغم ذلك تدفع بسببه ضريبة سياسية باهظة. فالرئيس المصري حصن قراراته من الملاحقة القضائية، ولكنه في حقيقة الأمر لن يستطيع أن يتخذ أي قرار استثنائي يستفيد في إطاره من هذا التحصين، كما أن الجمعية التأسيسية، التي استهدف حمايتها من قرارات المحكمة الدستورية، فرغت من عملها قبل موعد النطق بالحكم، ولم تعد في حاجة إلى ما يحميها من قرار بالحل كما حدث مع مجلس الشعب. ما ترتب على الإعلان الدستوري إذن إنه وضع النظام في مرمى وابل من الاحتجاجات والاعتراضات دون أن يمنح الرئاسة أي ميزة إضافية.
ليس ثمة شك في أن المرحلة الحالية كانت تقتضي قرارات ثورية حقيقة، وهو ما تضمنته بعض مواد هذا الإعلان الدستوري، ولكن المنهج الذي استخدم في اتخاذ هذه القرارات قد أساء إلى المخرج النهائي، إذ يفترض نظريا أنه لو كان الرئيس قد استمع إلى مساعديه ومستشاريه لما خرج الإعلان بهذا الشكل الذي تسهل مهاجمته واستهدافه من قبل المعارضين. والأسوأ أن هذا الإعلان من غير المعلوم من اقترحه أو من صاغه بحيث يخرج بهذه الصياغة المعيبة التي لا يبدو أنها أخذت ردود الأفعال المعارضة في الحسبان. هذه الطريقة في الأداء السياسي من المتوقع أن توقع الرئاسة ومن ورائها الجماعة في مشاكل كثيرة ليس فقط مع مبغضيهم ولكن أيضا مع الجماهير المؤيدة لهم والتي منحتهم ثقتها في كافة المواجهات السياسية.
هل يعني ما سبق أن الطبقة الحاكمة سوف تشهد تراجعا في الدعم الشعبي لقراراتها في المرحلة المقبلة؟ يمكن القول إن أوان هذا لم يحن بعد، فالجماهير التي طالما عارضت الكثير من المواقف الإخوانية السابقة أعطت مرشحي الإخوان رغم ذلك أصواتها في الاستحقاقات الانتخابية التي جرت منذ الثورة وحتى اليوم، ومن الواضح أنها سوف تستمر في عمل ذلك في الفترة المقبلة. وإذا مرت أزمة الاحتجاجات على الإعلان الدستوري على خير، وتم الاستفتاء على مشروع الدستور المقترح في موعده فإن الجماهير ستقف إلى جوار الرئاسة والجماعة هذه المرة أيضاً.
ولكن يجب أن تعلم الرئاسة والجماعة معا أن التأييد الشعبي لهما ليس مطلقاً وأن له ضريبته التي سيتعين عليهم أن يدفعونها في وقت من الأوقات. فالجماهير التي خرجت في مليونية الثلاثاء الماضي تحت شعار الشرعية والشريعة تتوقع أن تجد من الإخوان حرصا فعليا على تطبيق الشريعة كما يفهمها البسطاء منهم، والقطاعات المعدمة التي تبتغي انفراجا في مستويات المعيشة تنتظر أن تجد ثمرة ذلك من وراء تأييدها للرئيس، وبشكل عام فإن الجماهير التي أعطت الرئيس والإخوان الفرصة تلو الفرصة تنتظر أن تجد مردودا ذلك في شكل إنجازات ملموسة.
من ناحية أخرى فإن التكتل الشعبي المؤيد للرئاسة والجماعة، والذي يجد مقومات تماسكه في نزق المعسكر العلماني ومصادمته لمشاعر الجماهير، هذا التكتل يوشك أن تظهر في صفوفه اختلافات موضوعية بفعل تباين المواقف التي يتبناها كل طرف. صحيح أن الإعلام الليبرالي والنخبة العلمانية سوف يوفران على المدى القريب والمتوسط المبرر لاستمرار التأييد الشعبي الواسع لقرارات الرئاسة، إلا أن هذا لا يمنع أن استمرار الأخطاء السياسية يعرض هذا التماسك لمخاطر فعلية. ففي داخل المعسكر الإسلامي لن يكون محبذا أو مقبولاً أن يستمر الانفراد الإخواني بصياغة القرارات الكبرى، وما تم تمريره جماهيرا في الإعلان الدستوري الأخير لن يكون ممكنا تكراره في المستقبل في قرارات مماثله. أما التأييد السياسي داخل الجماعة والذي يعتمد على أبجديات السمع والطاعة فلن يلزم من هم خارجها ممن ليسوا مضطرين أن يلتزموا بنفس هذه المقومات في تعاطيهم مع القرارات الإخوانية.
لا شك أن قطاعات واسعة ستمنح الدستور الجديد تأييدها، ولكن لا ينبغي أن تتصور الطبقة الحاكمة أن معنى ذلك مباركة الطريقة التي تستخدمها في إدارة البلاد، فالمصريون بعد أن تراجعوا عن استقالتهم وانخرطوا في الحياة السياسية إلى حد الانغماس يهدفون إلى أن تخصص لهم أدوارا حقيقية في عملية صناعة القرارات التي تخص مصائرهم، وهم بهذه الحيثية لن يكتفوا بلعب دور المتفرج، وسيطالبون قريبا جدا بمعرفة من يصنع قرارات الرئيس ومن الذين يستشيرهم من دون الناس، كما سيهتمون بالحصول على إجابة التساؤل: لماذا اتخذ الرئيس لنفسه هذه القائمة الطويلة من المساعدين والمستشارين طالما أن القرارات المهمة ستظل فردية لا يعرف أحد شيئا عمن قام بصياغتها أو من قام بإعدادها؟
الجماعات المسلحة من غير الدول
في الوقت الذي يسلط فيه الإعلام العالمي الضوء على تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف إعلاميًا باسم داعش)، وغيره من... اقرأ المزيد
2311
| 13 يناير 2016
العنف مؤذِّن بضياع الاستقرار
من الشائع أن تعوِّل أنظمة الاستبداد على العنف كأداة للحفاظ على استقرارها ومكاسبها السياسية، وذلك لما تعتقده هذه... اقرأ المزيد
927
| 06 يناير 2016
العلمنة الشاملة وعنف الدولة
يثير العنف الأهوج الذي تمارسه أنظمة الاستبداد بحق مواطنيها العديد من الأسئلة، فضلاً عما يثيره من استنكار وتقزز... اقرأ المزيد
828
| 30 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4899
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2628
| 08 سبتمبر 2026