رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مزاجية الإنسان المبدع هي أزمة مطاطية الهوية، يعاني منها من حوله كما يعاني منها المبدع ذاته، غير أن ما يواجهه هذا الأخير يختلف كثيراً من حيث حجم الصراع الذي يمتد بداخله ولا يتقاسمه مع أي أحد سواه، فهو ما يكبر بقدر ما يسمح له، ويصغر بقدر ما يسمح له أيضاً، حتى أنه قد يصبح قبيحاً ومملاً في مرحلة من المراحل، ولكنه ما سيغدو من بعد ذلك جميلاً جداً، وتحديداً حين تحين لحظة قطف (ثمرة النجاح)، التي تنضم وفي نهاية المطاف إلى قائمة الإبداع وبإبداع منقطع النظير ينحدر من سلاسة المتوقع، أي كل ما كان يتوقعه ويدركه ذاك المبدع، ويعلم أنه ما سيكون منه، إلا أنه ذاك الذي كان يجهل متى وكيف سيكون منه (له)؟
بداخل كل إنسان منا كتلة من الإبداع تحتاج لإبداع حقيقي؛ كي تخرج وتكون، فإن توافرت لها كل العوامل المساندة لكانت بالفعل، وإلا فإنها لن تكون وستظل حيث هي، فهي تلك التي تعتمد على صلابة عزم صاحبها، وسخونة رغبته، وسعيه الجاد نحو تحقيق ذلك، أي كل ما لا يمكن أن نتفق عليه جميعنا حتى وإن اتفقنا على حقيقة أنه ما نملكه ويجوب أعماقنا؛ لأننا وإن فعلنا لخرجنا بذات المنتج، وبذات الجودة، أي أنه ما يعني وبكلمات أخرى كل ما لن يُمثل أي جديد يمكن أن يُذكر؛ ليُذكر، وهو حتماً ما لا نريده لنا؛ لأن الحياة تضمن نجاحها حين نمدها بالجديد المفيد، وكل ما يفوح منه عبير الإبداع الحقيقي، الذي يستحق بأن يكون، ويبقى السؤال هل شعرت برغبة تلك الكتلة وهي تحاول الخروج منك؟
لاشك أننا وبين الحين والآخر نشعر بتقلص رغبتنا بالعطاء، فهو ما ينجم عن الضغط الذي يُحدثه الملل في أعماقنا؛ لاستمرار ذات المشهد، الذي يفرضه علينا، ويجعلنا نفتقد معه وبسببه إلى الكثير مما يمكن أن يُحملنا على التقدم بما يُعبر عنا، يمثلنا، ويعكس التجارب الحقيقية التي سبق لنا وأن اكتسبناها في حياتنا، وتحتاج منا جهداً حقيقياً يُساعدنا على الكشف عنها (لا) التستر عليها، وكأنها جريمة ستقع على رأس البشرية، ولاشك أننا نُهدد بقتل كل محاولة تطل برأسها حتى من قبل أن تفعل (لتتجنب فعل ذلك)، وكله فقط لأننا نشعر بأنها لن تفلح أبداً، ولكن الحقيقة التي يمكن أن تغيب عنا حينها، هي أن الإبداع مرحلة لا يمكن بلوغها إن لم تكن المحاولات جادة وكبيرة أيضاً، والمقصود لا يرتبط بحجمنا ولكن بحجم الإيمان الذي يسكن الأعماق ويحفزنا؛ كي نُقدم المزيد، ونتقدم به، حتى وإن بدا صغيراً للآخرين، وهو ما لا يهم بتاتاً، فما يهم هو أن نشعر به نحن، وندرك تماماً ما يعنيه لنا ذاك الذي تقدمنا به.
إن غياب أي فرد منا عن ساحة الإنجازات، لا يعني توقف حياته؛ لينتهي كل شيء من بعد ذلك، ولكنه ما يترجم حاجته؛ للبحث عن ذاته، والتعرف على ما يملكه أصلاً قبل أن يتقدم بالمزيد مما سيُعبر عنه لاحقاً؛ لذا فإن شعرت بفتور يغلب قريباً لك ويجبره على الغياب، ورغبت بمساعدته على تنفيذ تلك المهمة، فحاول الا تكون له كعقبة تقف من أمامه كل الوقت؛ لتحرمه من التعرف على ذاته ظناً منك بأنك تساعده في حين أنك لا تفعل، فكل ما سيكون منك حينها هو تحميله على توسيع دائرة همومه، وهو ما لا يُبشر بخير أبداً، وسينتهي بما لن يُسعد القلب، الذي يحتاج لكل ما يمكن أن يُنعشه فيعيش أكثر لا العكس وتحديداً مع تلك الضغوطات، التي يحتاج إلى التخلص منها؛ كي يعود من جديد إلى ساحة الإنجازات. إن التجربة التي يعيشها كل من يخوض مرحلة البحث عن ذاته بعيداً عن عالم الإنجازات قاسية جداً، وما يزيد من قسوتها هو أن تتفق قسوة الظروف مع قسوة الأفراد، الذين يسهمون وبشكل غير مباشر بعملية تحطيم من قد يتوقف ولبرهة؛ بحثاً عن ذاته، التي ستقدمه ومن جديد بأحلى حُلة ستضعه تحت الأضواء، وهو ما يجدر أن يكون ولكنه يحتاج منا إلى صبر وحكمة ومن قبل كل ذلك الكثير من الحذر بعملية انتقاء الطرف الذي يمكن أن نكشف له عن خطوتنا التالية؛ ليكون لنا سنداً يقدم النصيحة فنأخذ بها إن كانت ستخدمنا وبشكل أفضل بكثير؛ لأننا وإن لم نوفق فإن حجم التعاسة سيكبر أكثر مع تقلص إمكانية تحقيق ما نريده لنا وتريده لك.
من القلب
لا عيب في أن نشعر بغياب قدرتنا على الإبداع وابتكار أي جديد يمكن أن نخرج به إلى العالم، ولكن العيب كل العيب هو ما يكون منا حين ندرك تلك المصيبة ونتقبلها كما هي، دون أن نسعى وبكامل قوتنا أو بعضها على الأقل إلى شحن الطاقة، وتعزيز القوة، والعودة ومن جديد إلى ما كنا عليه فهو ما يجدر بأن يكون منا، ويمكن أن يكون لنا إن طالبنا بالمزيد؛ لأنه وإن تحقق فلاشك أن ما سيخرج بعدها سيكون الأفضل وبإذن الله تعالى. وأخيراً: كل عام وأمة محمد صلى الله عليه وسلم بألف خير، وكلل الله هذا العام بإنجازات عظيمة تُحسب للبشرية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
9831
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2640
| 16 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
2406
| 22 أكتوبر 2026