رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... "رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام" "رب اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر".
وبعد: فقد كانت الرحلة إلى هيوستن بالولايات المتحدة الأمريكية مليئة بالمواقف والعبر، فكم من محنة ضمت بين جناحيها منحة، رحلة لم أفكر في يوم من الأيام القيام بها، بل مجرد التفكير في السفر إلى تلك البلاد.
. . . كما قال الشاعر: دع الأمور تجري في أعنتها . . . ولكن تقادير القدر غالبة . . . فكانت رحلتي إلى الولايات المتحدة الأمريكية . . . إلى هيوستن في ولاية تكساس لمرافقة زوجي للعلاج، وبالرغم أنها فترة قصيرة لم تتجاوز الثلاثة أشهر ولم تتجاوز المسافة بين الغرفتين غرفة الفندق . . .( والذى فوجئت بعدم وجود أي من المشروبات الكحولية في ثلاجات الغرف، كما هو معروف في الفنادق العالمية، وخصوصا الخليجية وعندنا - دولنا - التي أصيبت بلوثة أو قل صدمة حضارية حين أباحتها وصمت أذنيها عن جميع الأوامر والنواهي الإلهية )، وغرفة المستشفى، إلا أن فيها من المواقف والعبر ما جعلني أحببت تسجيله وتسطيره في هذا المقال، لأقول للجميع شكرا جزيلا وجزاكم الله خيرا، فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله، وقد علمنا ديننا أن من الفضل أن يرد الفضل لأهله، وربانا نبينا المربي والمعلم الأول محمد بن عبدالله (عليه أفضل الصلاة والتسليم) على قيمة أن "من أتاكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له" وأن الفطرة الإنسانية السوية ما زالت موجودة في عباد الله - وأول من يستحق الشكر والامتنان بلادنا الجميلة حماها الله من حسد الحاسدين ومكر الماكرين وشماتة الشامتين وكيد الكائدين وزيف الزائفين المارقين.
* دولة قطر . . . متمثلة بأميرها الشاب وهو (خير خلف لخير سلف) وحكومتها الرشيدة التي تحاول جاهدة تنفيذ الأوامر الأميرية لتحقيق مصالح الوطن والمواطن وتيسيرالأمور على المواطن القطري للعلاج في الخارج وتحمل كافة مصاريف علاجه في الخارج، ولولا رعاية الدولة الكبيرة لمرضاها في الخارج والاهتمام بهم ورعايتهم لما استطاع الكثير من أبناء الوطن السفر إلى الخارج للعلاج ولما وجدوا من يرافقهم في رحلة العلاج هذه، إلا من رحم ربي ولا عجب أن جاء التصنيف العالمي لدولة قطر في المركز الأول في الرعاية الصحية لمواطنيها ولمن يقيم على أرضها على مستوى العالم، لأنها تستحقه عن جدارة، سواء داخل الدولة أو خارجها.
*سفارة الولايات المتحدة الأمريكية، متمثلة في سفيرتها القديرة بموقفها النبيل التي قدرت معاناتنا الإنسانية وحاجتنا الضرورية للسفر العاجل وعمل أعضاء السفارة الكرام الدؤوب للإسراع في استخراج التأشيرة واستعجالها وتسليمها في وقت قياسى، مما ساعدنا في سرعة السفر إلى مريضنا الذي كان يصارع الموت والحياة في خلال 48 ساعة حسب رؤية الأطباء في هيوستن، فكتب الله عز وجل له الحياة من جديد وصدق الله عز وجل القائل في كتابه (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس)، وكأننا نقرأها للتو والحمد لله رب العالمين.
*مستشفى ثيودست، وهو من المستشفيات الكبيرة في هيوستن يحوي الكثير من التخصصات الطبية والأقسام العديدة وسأخص بالذكر وحدة العناية المركزة بزراعة الكبد ووحدة العناية العادية ووحدة العلاج الطبيعي ويطلق عليه (ريهاب)، لأنها بيت القصيد عندي، فقد كان الفريق الطبي الذي أجرى (عملية زراعة الكبد) بمشرط الدكتورالماهرالقدير د. جبرائيل، جزاه الله عنا خيرا ووجود الدكتور أسامة جابر وفريق الأطباء الكرام على قدر عال جدا من العلم والمعرفة والثقة والمهارة الطبية والكفاءة العملية والأخلاق العالية الرفيعة التي يتمتعون بها والتواضع الجم والصبر الجميل على الاستفسارات والتساؤلات التي لا تنتهي والمفعمة بالخوف والرجاء من أهل المريض، ما يعجز القلم عن وصفه، حتى تمت العملية بفضل من الله ورحمته على خير وكتب له سبحانه وتعالى حياة جديدة على يد هذا الفريق الطبي الكفؤ الذي يستحق منا كل تقدير واحترام وشكر تعجز عن تسطيره الأقلام، واستمرت رحلة العلاج الطويلة بداية بالرعاية الطبية المتميزة في العناية المركزة في الدور الثالث من المستشفى على أعلى مستوى من الاهتمام والإخلاص وحسن الخلق والصدق في العمل ورعاية المريض المستمرة خلال الأربع والعشرين ساعة يوميا رعاية فائقة من جميع الأطباء بشتى التخصصات وكادر التمريض من الممرضين والممرضات والمساعدين والمساعدات والعاملين والعاملات وموظفي وموظفات الاستقبال والطوارئ، هذا العطاء والاهتمام ليس خاصا بمريضنا، ولكن كان شاملا لجميع المرضى بهذا القسم بغض النظر عن جنسياتهم وألوانهم وأديانهم وانتماءاتهم، فهم بحق كادر طبى متميز والولايات المتحدة الأمريكية تستحق أن تكون الأولى في التصنيف العالمي للوجهة الطبية العلاجية، فهى تسبق العالم في هذا المجال بنصف قرن من الزمان إن لم يكن أكثر فجزاهم الله عنا وعن جميع المرضى خير الجزاء، وأثابهم خيرا على ما قدموه.
واللافت للنظر، وأحسبه ميزة من ميزات المستشفى العديدة أن أقارب المرضى يستطيعون الولوج إليه للاطمئنان على مريضهم والبقاء عنده في أى وقت من ليل أو نهار، ماعدا أربع ساعات خاصة بالقسم (6 -8) صباحا ومساء يستطيع الأقارب خلالها الانتظار في غرفة الانتظار الخاصة بالدور، وكذلك لمسنا نفس الرعاية والاهتمام في قسمى الرعاية العادية في الدور الرابع وقسم العلاج الطبيعي ( ريهاب) في الدور التاسع في مبنى تور سميث، وهو تابع للمستشفى، لكن في الجهة الأخرى من المبنى.
كما لفت نظرنا الترابط والتواصل الأسري بين المرضى وأقاربهم رجالا ونساء وشبابا وأطفالا على اختلاف ألوانهم وانتماءاتهم وعقائدهم وما يتميزون به من لطف المعاملة وحسن المعشر مع بعضهم البعض أو مع الوافدين عليهم أمثالنا، بعكس ما يثارعن تلك المجتمعات من التفكك الأسري وبعض العرب والمسلمين، فلم يكن لهيئاتنا وملابسنا وأشكالنا أي أثر على حسن المعاملة وتقبلنا بينهم بكل احترام وتقدير وإجلال، ومن الإنصاف القول بأن الكثير من العرب المسلمين ممن اقتضت الظروف التعامل معهم على قدر عال من الخلق الحسن والأدب الجم، سواء أصحاب العقارات للتأجير أو المواصلات أو المطاعمن فقد كانوا صورة مشرفة للعرب المسلمين وغير المسلمين المقيمين هناك.
ومن المهم ذكره، وجود المصلى – وهو مصلى جميل كبير نظيف/ وليست كمصلياتنا الكئيبة المهملة في المستشفيات والأسواق وبعض المساجد / مصلى مجهز بمكتبة جيدة مرتبة تضم كتب الدين الإسلامي من المصاحف وكتب التفسير والحديث والدعوة والثقافة الإسلامية باللغة العربية والأجنبية - يستطيع المسلمون إقامة الصلوات الخمس وصلاة الجمعة فيه بكل راحة وطمأنينة دون التعرض لأي نوع من المضايقات، وقد خصص جزء منه لصلاة النساء فيه قد ازدان بمشربيات تحمل زخارف إسلامية تفصل صفوف النساء عن الرجال حسب تعاليم نبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم) في السنة النبوية الشريفة، ومن خلال هذه السطور أتوجه بدعوة المهتمين بشؤون الدعوة الإسلامية، سواء الجهات الرسمية وغير الرسمية بالاهتمام بدعوة غير المسلمين هناك إلى الإسلام وإرسال المصاحف و الكتب الإسلامية باللغات التي تنتشر في تلك البلدة، فهي أرض بكر للدعوة الصادقة ولما يتميز به شعبها من حسن الخلق وحسن المعاملة – فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام – إذا أحسنت دعوتهم - لإنقاذهم من النار – كما يطلب ذلك الكثير من المهتدين الجدد في كثير من اللقاءات العامة والخاصة - بدلا من إهدار الوقت والجهد والمال في طباعة المطويات التي لا تسمن ولا تغني من جوع في مجال الهداية والتبليغ، والمحاضرات التي شبع الناس منها في عقر دار الإسلام، إن الناس في هيوستن بحاجة إلى توصيل الدعوة بالقدوة الصالحة والعمل النافع والإقناع بأسلوب حضاري والمعرفة بفقه الدعوة والجهاد في سبيل الله بالكلمة الطيبة وحسن الخلق كما قال تعالى "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن" واتباع سبيل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في المرحلة المكية بتصحيح مسار الفكر نحو العقيدة الصحيحة عقيدة التوحيد التي فطر الله عز وجل الناس عليها.
كما يحتوي - المستشفى على كنيسة كبيرة نظيفة وأنيقة لها مدخل خاص بها، وهناك مرشدون روحانيون من الديانة المسيحية من الرجال والنساء متأنقون في هيئاتهم يزورون المرضى لشد أزرهم وتخفيف وطأة المرض عليهم معنويا وتقوية إيمانهم بربهم وطلب الشفاء منه، مما يدل على حاجتهم الروحية للدين الصحيح واللجوء إلى الله عز وجل بالطريقة الصحيحة - وتقام في المستشفى فعاليات ثقافية وترفيهية عديدة ومتنوعة أسبوعيا، غالبا ما تضفي على المستشفى جوا من البهجة والسرور، مما يساهم مساهمة فعالة في الأداء الوظيفي للمنتسبين للمستشفى، إلى جانب إقامة فعالية إفطار للصائمين خلال شهر رمضان والاحتفال بعيد الفطر المبارك وتهنئتهم بإقامة مأدبة غداء للمسلمين وغيرهم ممن يود الحضور.
وتبدأ الحياة اليومية عندهم منذ الصباح الباكر وتنتهي قبل الغروب وهى الحياة الطبيعية بالفطرة السليمة السوية ويتميزون بدماثة الخلق وحسن التعامل وإلقاء التحية والتبسم دائما فهم يطبقون سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) "ألقِ السلام على من عرفت ومن لم تعرف – وتبسمك في وجه أخيك صدقة – وغيرها من التوجيهات النبوية بحسن الخلق) التي هجرناها بغفلتنا وطبقها الآخرون بوعيهم، وقد تبادر إلى ذهني مقولة الإمام محمد عبده الشهيرة الصحيحة لا مبالغة فيها (وجدت هناك الإسلام ولم أجد المسلمين وعندنا المسلمين ولم نجد الإسلام). أما عندنا فعندما تلقي السلام أو تبتسم فيقابلك بنظرات شذر مدر وباستهجان تكاد عيناه ولسانه ينطقان بماذا تريد أو لم تبتسم أو تحيينى وأنت لا تعرفني، ونسي هذا الغافل أو الجاهل أن التحية سمة دينه والابتسام سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، فيا أسفي على ما آل إليه حالنا.
*ومسك الختام في الشكر والتقدير والتبجيل:
- لسعادة وزير الخارجية الكريم سعادة الدكتور خالد بن محمد العطية على اللفتة اللطيفة بالسؤال عن منتسبي الوزارة من المرضى القطريين والتمنيات القلبية لهم بالشفاء العاجل.
- وسعادة القنصل القطري الفاضل في هيوستن وحرمه الفاضلة على اهتمامهما بالمرضى القطريين والاهتمام بزيارتهم وتكرارها للاطمئنان على صحتهم والعمل على تيسير أمورهم.
- والشكر موصول للمكتب الطبي في قنصليتنا في هيوستن والسيدة الفاضلة من مكتب تنسيق علاقات المرضى بمستشفى ثيودست.
- والشكر الكبير والجزيل لأهل قطر والخليج رجالا ونساء شبابا وأطفالا على وقفتهم الأخوية ودعائهم الصادق، خصوصا وقد وافق ذلك شهر رمضان الكريم والأشهر الحرم، مما كان لدعائهم أبلغ الأثر في الشفاء والعافية وصدق رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام (لا يرد القضاء إلا الدعاء).
فلجميع الأحبة جزاكم الله خيرا ولا أراكم الله مكروها في عزيز لديكم وشفى الله مرضانا ومرضى المسلمين ومرضى المستشفيات جميعا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
5244
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3837
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3153
| 30 أكتوبر 2026