رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا



 

[email protected]

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

204

د. سلوى حامد الملا

بين التحدي والشغف... يولد الأثر

05 أغسطس 2026 , 11:09م

• في حياة كل إنسان قصة تركت وقعها وأثرها لا يعرفها الآخرون، ومعركة خاضها بصمت، وكلمة غيَّرت مسار حياته، وأثر يتمنى أن يتركه بعد رحيله.

• نتحدث كثيرًا عن النجاح، ونحتفي بالجوائز والشهادات والمناصب، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الطريق الذي سبقها؛ عن لحظات الانكسار، والمحاولات التي لم يرها أحد، والخيبات التي كادت أن تطفئ الشغف لولا رحمة الله، ثم كلمة صادقة، أو يد امتدت في الوقت المناسب.

• الحياة لا تمنح أحدًا طريقًا مفروشًا بالورود، ولا طريقًا سهلًا ممهداً، فالتحديات ليست استثناءً، بل هي القاعدة. وكل إنسان، مهما بدا ناجحًا، يحمل في ذاكرته حفرة سقط فيها يوما، لكنه اختار ألا يبقى فيها… واختار طريق الوصول والاستمرار..

• أعجبتني يوما قصة وصلتني عبر البريد الإلكتروني.. قصة الحصان الذي وقع في حفرة عميقة، فأخذ صاحبه ومن معه من الأصدقاء يهيلون عليه التراب.. ظنًا منهم أنهم ينهون معاناته.. لعجزهم عن إنقاذه. لكنه كان في كل مرة ينفض التراب عن ظهره ويقف فوقه، حتى خرج من الحفرة. ليست العبرة في القصة، بل في معناها؛ فما يدفن إنسانًا قد يكون هو نفسه ما يرفعه، إذا أحسن التعامل معه، والقدرة على تحويل التحديات والأزمات إلى فرص للنهوض والنجاح، ثم الوقوف من جديد بتوفيق الله، ومواصلة الطريق.

• كم من رفض ظنناه نهاية، فإذا به بداية جديدة. وكم من باب أغلقه الله، لأنه يدخر لنا بابًا أوسع وأجمل، وكم من خيبة أعقبها فرج، ويأس تبعه أمل.. لذلك لا ينبغي أن نقيس قيمة أعمالنا بردة فعل اللحظة، فالأثر الحقيقي يحتاج إلى وقت حتى يظهر ويكون.

• ثم يأتي الشغف… ليس ذلك الحماس العابر الذي نشعر به في بدايات الطريق، بل ذلك الإيمان العميق الذي يجعل الإنسان يواصل السير حتى عندما تتعب الروح، وتثقل الأيام، وتغيب النتائج.

• الشغف الحقيقي لا يعني أن الطريق سهل، بل يعني أن الهدف يستحق كل هذا العناء. فالشغف هو ما يجعل الروح مقبلة على الحياة، عاملة، ومنتجة.. فالشغف إيمان بالقدرات والاستمرار..

• وفي كل رحلة نجاح، يبقى هناك بطل خفي لا يلتفت إليه كثيرون ولا يقفون عند أثره وقوته… إنها الكلمة.

• كم من إنسان تغيّرت حياته لأنه سمع: "أنت تستطيع" "أنت قدها" "براڤو" "كفو عليك".. وغيرها من كلمات صادقة تترك أثرًا عميقًا لا يُنسى، ويبقى صداه سنوات.

• وكم من حلم مات لأن صاحبه سمع: "لن تنجح"، "لا تستطيع "، "فاشل !"، "مستواك هابط….!" وغيرها من كلمات محبطة لا تصدر إلا من إنسان لا يدرك قوة الكلمة، ولا أثرها في مشاعر الآخرين وحياتهم.

• قد لا نتذكر عشرات المحادثات التي دارت في حياتنا، لكننا نتذكر كلمات بعينها بقيت عالقة في الذاكرة سنوات طويلة؛ لأنها جاءت في لحظة احتجنا إليها، فرفعتنا من اليأس إلى الأمل، ومن التردد إلى الإقدام، ومن عمق الظلام إلى أفق النجاح..

• لهذا ليست الكلمة صوتًا ينتهي بانتهاء الحديث، بل مسؤولية. قد تكون صدقة جارية في حياة إنسان، وقد تكون جرحا يبقى أثره سنوات.

• ولعل أجمل البيئات هي التي يتبادل فيها الناس كلمات الدعم قبل كلمات النقد، ويحتفلون بنجاح غيرهم كما يحتفلون بنجاحهم، ويؤمنون بأن تشجيع الآخرين لا ينتقص من إنجازاتهم، بل يزيدها قيمة، والكريم.. كريم بعطائه وكلماته ومشاعره..

• ومع مرور السنوات، يكتشف الإنسان حقيقة مختلفة.. الشهادة تزيّن الجدار، والمناصب تتبدل، والجوائز تُركن وتُنسى.. أما الأثر فهو وحده الذي يبقى، يبقى في طالب انتفع بعلم معلمه وبكلمة قالها بصدق.

• وفي باحث وجد فكرة فتحت له طريقًا جديدًا، فأثمرت بحثًا أو كتابًا أصبح مرجعًا ينتفع به الطلبة والباحثون، وفي إنسان استعاد ثقته بنفسه لأن أحدا آمن به في لحظة ضعف. وفي كلمة طيبة لا يزال صداها يتردد في قلب صاحبها بعد سنوات.

• آخر جرة قلم: أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان ليس ثروة، ولا لقبا، ولا منصبا، وإنما أثرًا صالحًا يسبق اسمه كلما ذُكر، ويبقى بعد أن يغيب. فليكن لكل واحد منا مشروع أثر، لا مشروع شهرة. ولنجعل كلماتنا أبوابًا للأمل والعمل، لا منافذ للإحباط ودفن الطموح. لنؤمن أن النجاح الحقيقي ليس أن نصل وحدنا، بل أن نترك خلفنا من يستطيع أن يكمل الطريق. وفي النهاية… لن يسألنا الزمن كم سنة عشنا، ولا كم منصبًا شغلنا، ولا كم شهادة علقنا على الجدران.. سيبقى سؤال واحد فقط… ماذا تركنا في قلوب الناس بعد أن رحلنا؟ وما أثر كلماتنا في انتشال الأرواح من هوة الإحباط، وبعث الأمل فيها من جديد؟

مساحة إعلانية