رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ماذا لو اتخذ مجلس الأمن الدولي قرارا بالتدخل العسكري في النيجر؟ والتدخل العسكري هو أقسى قرار يتخذه المجلس ضد دولة من الدول، ويتطلب ذلك توافقا بين أعضاء المجلس الخمسة عشر، لا سيما الدول الخمس المتمتعة بالعضوية الدائمة، ليس هذا فحسب بل لابد من ضمان ألا تستخدم إحدى الدول دائمة العضوية حق الرفض (الفيتو) لإحباط القرار. ومجلس الأمن الدولي هيئة تابعة للأمم المتحدة مسؤولة عن اتّخاذ القرارات حول القضايا المتعلقة بحفظ السلام والأمن الدوليين وذلك من خلال نظام القرارات والتصويت. لكن من المفارقات أن منظمة دول «الإيكواس» وتضم 15 دولة في غرب أفريقيا، اتخذت قرارا خطيرا في أقل من 48 ساعة بالتدخل العسكري في النيجر بمهلة لا تتجاوز أسبوعا. وذلك لتحقيق طلب يدخل في فضاء المستحيلات أو اللامعقول وهو إجبار قادة الانقلاب في نيامي على التراجع عن انقلابهم وإعادة الرئيس المعزول محمد بازوم إلى السلطة. ودول «الإيكواس» التي تبدو كنمر له أنياب من ورق، كانت قد رفعت عند تأسيسها شعارَ تعزيز التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري بين دول المنطقة كمدخلٍ إلى اندماج اقتصادي شامل، لكنها اليوم بدت كشرطي مطيع ليس لصالح دول القارة ولكن لصالح قوى دولية تعهد إليها بمهام تنأى هي بنفسها عنها.
صحيح أنه من الناحية السياسية هناك تأييد دولي واسع لعودة بازوم، بيد أن ذلك لا يكفي لأن ترتقي «الإيكواس» هذا المرتقى الصعب، فترفع عقيرتها بالتهديد والوعيد وعظائم الأمور. إن أي مغامرة للتدخل العسكري عمل أحمق وقفزة في الظلام تصب في هدف القوى الدولية بإشاعة الفوضى الخلاقة الهادفة لإعادة تشكيل وترتيب دول المنطقة بما يتناسب مع المصالح الإستراتيجية لتلك القوى. إن الإجراءات التي اتخذتها «الإيكواس» في المجال الاقتصادي والتجاري، مفهومة وإن كانت في سياق سياسي والتي تشمل تعليق التبادل التجاري وإغلاق المجال الجوي لدولها أمام النيجر، غير أن قرار التدخل العسكري بدا غير واقعي وغير ممكن بل يعتبر صبا لمزيد من الزيت على نار الوضع المضطرب. مع الإشارة هنا إلى أن دولة عظمى مثل روسيا قد أبدت اعتراضها على هذا الاتجاه وقالت وزارة الخارجية الروسية إن التهديد باستخدام القوة ضد النيجر لن يسهم في تسوية الصراع. وهذا يشير إلى أنه حتى مجلس الأمن الدولي أعلى سلطة دولية لن يكون قادرا على إصدار قرار بالتدخل العسكري في النيجر باعتبار روسيا عضوا دائما له حق استخدام حق (الفيتو) ضد أي قرار في هذا الاتجاه. وليس كل دول «الإيكواس» على قلب رجل واحد فهناك دول أعضاء في المجموعة تعترض على قرار التدخل العسكري، فقد حذرت كل من مالي وبوركينا فاسو وغينيا كوناكري من أي تدخل عسكري ضد النيجر، بل إن بوركينا فاسو ومالي اعتبرتا أن أي خطوة كهذه ستعد بمثابة إعلان حرب ضدهما أيضا. حتى العقوبات التي فرضتها المجموعة على النيجر كانت محل إدانة من حكومتي مالي وبوركينا فاسو، معتبرة إياها غير شرعية وغير قانونية وموجهة ضد شعب النيجر، حسب البيان.
وبالرغم من الانقلاب الذي وقع على الرئيس بازوما ولم يشهد لحسن الحظ سقوط قطرة دم واحدة؛ فإن بازوما ظل يتمتع بهامش مقدر من الحركة الأمر الذي مكنه من التواصل مع العالم الخارجي بما في ذلك رؤساء دول وحكومات بل كتب مقالا في الواشنطن بوست محذرا - ربما مستجديا التدخل - فرنسا ودول الغرب من تمدد روسي محتمل في أفريقيا، وكأنما يحذر من استبدال هيمنة غربية على أفريقيا بأخرى روسية. فهو غير مقتنع بقدرة وفعالية تهديدات الإيكواس بالتدخل العسكري لإعادته للسلطة، وإنما يتطلع إلى الكفيل الرئيسي وليس إلى الوكيل.
«الإيكواس» اسم يطلق على المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وهي تكتل يضم 15 دولة، وهي: النيجر، نيجيريا، مالي، بوركينا فاسو، السنغال، غانا، ساحل العاج، توغو، غامبيا، غينيا، غينيا بيساو، ليبيريا، سيراليون، بنين، وجمهورية الرأس الأخضر. وكانت موريتانيا الدولة العربية الوحيدة العضو في المجموعة لكن أعلنت انسحابها في ديسمبر 2000. وترى هذه الدول أنه تجمع بينها روابط ثقافية وجغرافية ومصالح اقتصادية مشتركة، ويقع مقرها الرئيسي في مدينة أبوجا، عاصمة نيجيريا.
إن التجمعات الإقليمية والقارية لدول المنطقة تبدو في أهدافها التأسيسية وأطرها النظرية استجابة مهمة لحاجات دول المنطقة الإستراتيجية للتنمية والتعاون والانعتاق من تداعيات الحقبة الاستعمارية شديدة العصف بالمنطقة وشعوبها، لكن هذه التجمعات سرعان ما تتحول لحصان طروادة يحمل في جوفه الاستعمار في وجه الجديد وأساليب مبتكرة.
لقد ظل نَهم القوى الدولية للاستيلاء على ثروات أفريقيا سلوكا ممتدا لا ينقطع عبر حقب تاريخية ماضية وفي حاضر مثقل بوسائل خبيثة، ولا يقف ذلك خارج حدودها الجغرافية فحسب، بل حتى إلى خارج أطرها الثقافية. وما التخلف الذي تعيشه أقطار القارة الأفريقية إلا نتاجاً لتراكم أوضاع تاريخية مرتبطة بدخول الاستعمار إلى القارة. فالتخلف الاقتصادي ليس بسبب نقص الموارد الطبيعية؛ ولكن بسبب عجز الحكومات الأفريقية بعد الاستقلال عن إدارة الموارد التي تزخر بها القارة لأن بعضهم ارتضى دور وكيل الاستعمار.
ولا يمكن الزعم بأن النظم السياسية التقليدية في أفريقيا ما قبل الاستعمار كانت نظماً ديمقراطية بالمفهوم الغربي الحديث، لكنها كانت ملائمة على الأقل لطبيعة القارة ولم ينتج عنها تلكم الإشكاليات الماثلة لا سيما غلبة الانقلابات العسكرية. لقد كتب بعض المثقفين من أبناء القارة مشيدين بالنظم التقليدية؛ لكن ذلك ربما كان بدافع الرد على نظرائهم من المستعمرين الذين حاولوا إيجاد مبررات أخلاقية للاستعمار، مثل جون إستيوارت ميل الذي كان يرى الاستعمار من باب الحسنات أينما وجد الاستبداد في الحكم، وهو أمر وصمت به نظم الحكم التقليدية في أفريقيا زوراً وبهتاناً في نظر أبنائها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8709
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2577
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1482
| 25 أكتوبر 2026