رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قوانين الحرب، هي أخلاق الصراعات.
علينا أن نكافح لنحافظ على إنسانيتنا حتى في أقسى الحروب وأكثر المعارك وحشية، لذا فإن القوانين والأخلاق، هي الرابط الذي يحافظ على بقائنا داخل حدود الإنسانية، في أكثر اللحظات التي يسيطر علينا فيها الانفعال والدوافع المتوحشة. وهنا علينا أن نتذكر دومًا بأن تمكننا من الحفاظ على الحياة الإنسانية خلال المعارك هو الذي يعلي من قدرنا، لا المحافظة على تلك الحياة في زمن السلم فقط.
هنالك سلوكيات معينة يجب انعدام تخطي حدودها زمن الحرب، تعرف باسم "قوانين الحرب"، ولعل من أبرزها، عدم قتل الأسرى، وتعريضهم للتعذيب، أو قتل الأطفال، أو اغتصاب النساء، أو ارتكاب مجازر إبادة جماعية منظمة.. وفي حال تم ارتكاب أي نوع من تلك التجاوزات، فإن مرتكبيها يدرجون في قائمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، ويصنفون خارج التصنيفات المتعلقة بالجنس البشري.
إن الدين والأخلاق والأعراف، هي عناصر تحد من رغبات القتل والسحق والإزالة من الوجود، التي تكمن داخل البشر ضد أبناء جنسهم، وهي النواة المشكلة للقوانين الناظمة، لذا فإن قوانين الحرب، ولدت من رحم حاجة الإنسان لحماية نفسه من الفظائع التي يرتكبها أبناء جنسه.
داسوا على "قوانين الرب بأرجلهم"
تطرق الهولندي "هوغو غروتيوس" رائد القانون الدولي الحديث، إلى المشاكل المتعلقة بقانون الحرب، في بحثه الذي خطه عام 1625 فقال: "لقد اتبعت الأمم المسيحية في الحروب، وسائل مريعة لم يتبعها حتى البرابرة، وداست تلك الأمم خلال الحروب، على جميع القوانين سواء تلك التي شرّعها الله، أو التي وضعها الإنسان". (قانون الحرب والسلام، منشورات ساي).
ومع الأسف، فإن أوروبا لم تتمكن من إقرار ميثاق مشترك، حول قوانين الحرب، وجرائمها، والجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية، إلا بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.
لقد بيّن الدين الإسلامي قانون الحرب، قبل أن تقره أوروبا بنحو 1300 سنة. كما نهت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة المسلمين، عن بعض السلوكيات التي يمكن اعتبارها على أنها "جرائم ضد الإنسانية"، وشددت على ضرورة عدم قيام المسلمين بها أثناء الحرب.
كما حض الإسلام على تعزيز السلام وخلق أجوائه، ولم يحض على الحروب والأعمال التي تؤدي إلى إزهاق أرواح الأبرياء، وشدد على بعض الحدود، التي يجب على المسلمين احترامها وعدم تجاوزها، حتى في حالة تعرضهم للعدوان، فقال الله تعالى في سورة البقرة (الآية 190) "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ".
وأبرز مثال على الأخلاق: الصفح عن "وحشي بن حرب"
لقد كانت السنوات الأكثر صعوبة على رسول الله، حيث كان المشركون المتفوقون عدديًا، قاب قوسين أو أدنى من سحق المسلمين، الأقل منهم عددًا وعدّة، وفي هذه الظروف، وقعت معركة أحد، التي استشهد فيها سيدنا حمزة بن عبد المطلب، عم النبي وحميه ومعينه في الشدائد.. استشهد بوحشية على يدي غلام يدعى "وحشي بن حرب"، وقطعت أوصاله، وشق بطنه، وقطِّعَ كبده.. لقد تجرد المشركون من إنسانيتهم في طريقة قتلهم لحمزة، وباتوا كحيوانٍ متوحش.
لقد أدى استشهاد حمزة، إلى قلق عميق، ممزوجٍ بالحزن والغضب في نفوس المسلمين، وتوعد بالثأر من العدو، وقتل العشرات من رجاله، وإراقة المزيد من الدماء.. فأنزل الله جل وعلا آية كريمة تؤكّد على ضرورة تحلي النبي والمسلمين بالفضيلة والإنسانية، رغم مقتل عم النبي حمزة بأكثر الوسائل وحشية على يد المشركين، حيث قال جل وعلى في سورية النحل، (آية 125 – 128): "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (128)".
من الصعب أن يحافظ الإنسان على إنسانيته في أجواء الحرب، لكن من الأصعب أن يحافظ على إسلامه والأخلاق التي حض الإسلام على التحلي بها خلال الحرب، لقد نزلت التوصية الإلهية للنبي المكلوم والمفجوع بسبب مقتل عمه بمنتهى الوحشية، داعية إياه إلى عدم الرد بنفس الوسائل الوحشية، وإلى الصبر.. نعم الصبر وعدم الاندفاع نحو الأخذ بالثأر.. فصفح رسول الله عن "وحشي بن حرب"، ومنع الثأر.. هكذا تكون مكارم الأخلاق، وهكذا يكون الدين الطيب السمح الجميل، وهكذا يكون الإنسان.
تخيلوا لو أن عدوًا اعتدى على دياركم، وأحرق مدنكم، وقتل أهلكم، واغتصب نساءكم، فهل ستنحدرون إلى مستواه اللا إنساني في الرد بالمثل وأخذ الثأر؟، يرد عمر المختار قائلًا: "بالطبع لا.. لأنهم ليسوا معلمينا وقدوتنا في هذه الحياة".. ويقول علي عزت بيجوفيتش:"أنا دافعت ومازلت أدافع عن البوسنة في جميع المحافل الأوروبية والعالمية، لأننا لم نقترف شيئًا يدعونا للخجل، أمّا الصرب؟".. وعلاوة على كل هذا وذاك، ففي الحروب لا تستطيعون قتل العلماء والعمال ورجال الدين، ولا تستطيعون إلحاق الأذى بالشجر والمزارع.. أليس هذا ما حضنا عليه الإسلام؟
أولسنا مسلمين؟
نحن الذين حرم علينا حرق أسرى الحروب، أو قطع رؤوسهم بوحشية.. نحن من طلب منا التعامل مع الأسرى بطريقة لا تحط من قدر إنسانيتهم، والإفراج عنهم أحيانًا حتى من غير الحصول على مقابل، وتقاسم زادنا ولباسنا معهم، ذلك أن الإسلام لم ينزل ليبعث بالخوف في نفوس البشرة، بل جاء ليكون رحمة للعالمين.
ليس كل شيء مباحا في المعارك!
إذا كنّا نخوض معركة من أجل رفع الظلم ونصرة الحق وإحقاق العدل، فإن هذه المعركة محكومة بأخلاق وآداب، يجب عدم الابتعاد عنها.. فليس كل شيء مباحا في المعارك، فنحن مضطرون إلى النضال بأساليب إنسانية، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
إن تعاليم ديننا السمحة تأمرنا أيضًا بعد الدخول في التحالفات القذرة، وعدم الافتراء على الناس، وعدم نشر الأخبار الكاذبة، والابتعاد عن إهانة الناس، وتصغيرهم والحط من قدرهم، كما أن تعاليم ديننا السمحة، تأمرنا بعد التجسس على الناس، والتنصت على حياتهم الخاصة، والابتزاز.. كما لا يمكننا القيام بكل تلك الأعمال حتى لو قام أحدٌ بها ضدنا.
إذا كنّا حقيقة نتشرف بحمل نعمة الانتماء إلى الجنس البشري، والمسؤوليات التي يمليها علينا دين الإسلام، فنحن ملزمون باحترام قانون الحرب، والالتزام بأخلاقه، وعدم الإضرار بصورة الإسلام، واحترام وحرمة المسلمين في أنحاء العالم.. علينا التحلي بالمصداقية والوفاء بالوعد والالتزام بالمعاهدات التي أبرمناها، حتى في أصعب وأحلك لحظات الحرب، علينا أن نظهر موثوقيتنا ومصداقيتنا وأن نبرهن عن تمسكنا بها أمام العالم أجمع.
إن من يمتلك أخلاقًا في الحرب، يمتلك أخلاقًا في السلم أيضاً.
ومن كان عادلًا في الحرب، سيظفر بالاحترام والتبجيل في السلم.
إن محافظتنا على إنسانيتنا وعدلنا وأخلاقنا وشرفنا وعفتنا وقدرتنا على الصفح والمسامحة في الحروب والصراعات، يزيد من عزم شكائمنا وقوتنا واحترامنا لأنفسنا، واحترام الآخرين لنا.
جرد لأحداث عام ودعناه بين الألم والأمل
أبرز مصائب العام الإداري الذي نودعه نجد تهديد الإنسانية بحرب عالمية ثالثة وهو التخوف الذي أصبح حديث الناس... اقرأ المزيد
120
| 02 يناير 2026
صوتي في جيب المعطف
لم أكن أعلم أن للأصوات أماكن تختبئ فيها، تمامًا كما تختبئ الأوراق تحت الكتب القديمة أو كما تنام... اقرأ المزيد
213
| 02 يناير 2026
في زمن الضجيج الرقمي: لماذا أصبح العمل العميق فعلَ مقاومة؟
أصبح التركيز في عصر الشاشات والخوارزميات من أندر الموارد التي يمتلكها الإنسان المعاصر. ففي زمن يُمجَّد فيه الانشغال... اقرأ المزيد
45
| 02 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1674
| 28 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
834
| 29 ديسمبر 2025
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
642
| 31 ديسمبر 2025