رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أن يلتبس الأمر علينا بحيث لا نعرف حدود وطبيعة المعركة التي نخوضها، فذلك يعني أن ثمة خللا في الرواية يجب تصويبه.
❶
صورة الشرطة وهي تطارد مظاهرة طلاب الثانوية العامة احتلت حيزا كبيرا من الصفحة الأولى لجريدة "المصري اليوم" التي صدرت في ٦/٣٠. ولأن مواقع التواصل الاجتماعي تداولتها وعممتها مع تعليقات مختلفة على خروجهم احتجاجا على تأجيل الامتحانات بسبب تسريبها، فقد أدى الشحن والتجاذب إلى ظهور مصطلح "تنظيم الثانوية العامة"، وليس معروفا مصير الطلاب الذين ألقى القبض عليهم بعد المطاردة الأمنية لهم التي أشارت إليها الصحيفة،
لكننا لا نستطيع أن ننسى أن عشرات المتظاهرين السلميين الذين خرجوا مثلهم احتجاجا على موضوع الجزيرتين أطلق عليهم أيضا "تنظيم الأرض" وهؤلاء صدرت ضدهم عدة أحكام تراوحت بين السجن والغرامة والبراءة. ولا أعرف إلى أي مدى يمكن أن نأخذ على محمل الجد قصة المجموعة التي قيل إنها استجلبت بعض أسماك القرش لإطلاقها في المياه المصرية لطرد السياح وشل حركة السياحة، لكنى وجدت الخبر متداولا على العديد من المواقع خلال اليومين الأخيرين. بذات القدر فلم تكن مقنعة الأخبار التي نشرت في وقت سابق عن إلقاء القبض على مجموعة أو تنظيم تشكل للمضاربة على الدولار في السوق السوداء. وفي حين بدا ذلك إجراء استهدف إيقاف المضاربة، فإننا وجدنا أن الدولار الذي كان يعادل سبعة جنيهات مصرية آنذاك واصل ارتفاعه بعد ذلك حتى وصل إلى ١١ جنيها في الوقت الراهن.
لست في وارد التثبت من دقة تلك المعلومات، لأن دلالتها هي التي تعنيني -أعنى ما همني فيها- هو تعدد الجهات والاشتباكات التي أصبحت السلطة طرفا فيها. وإذ بدت عملية ترحيل الإعلامية ليليان داود نموذجا أخيرا لحملات أجهزة السلطة، إلا أنها تظل واقعة استثنائية لا تخلو بدورها من دلالة. ذلك أنه ما كان يخطر على أحد أن تنشغل الدولة المصرية بكل جلالها بمعركة التخلص من إعلامية في إحدى القنوات، بحيث تضع خطة انقضاض سريع لترحيلها خارج البلاد فور انتهاء عقدها، والتفاصيل التي ذكرت في هذا الصدد صورت المهمة كأنها عملية "كوماندوز" بمقتضاها تم اختطاف السيدة من بيتها خلال دقائق واحتجازها في مكان مجهول لعدة ساعات، ثم وضعها على أول طائرة متجهة إلى بيروت.
❷
حين يحاول المرء رصد الاشتباكات التي خاضتها السلطة خلال العام الأخير فسيلاحظ أنها توزعت على جهة عريضة شملت مجالات عدة. إذ إضافة إلى مظاهرات طلبة الثانوية العامة ومظاهرات الأرض فإننا لا نستطيع أن نتجاهل ما سمي بمظاهرات مجموعة ٢٥ يناير و٦ أبريل وموظفي الخدمة المدنية وحملة الماجستير والدكتوراه وأمناء الشرطة وعمال الترسانة البحرية، ذلك طبعا غير الاشتباكات الحاصلة مع نقابة الصحفيين والمحامين، وقبلهما نقابة الأطباء، أما اشتباك السلطة مع منظمات المجتمع المدني فقد اتخذ أشكالا متعددة. منها إغلاق بعض المنظمات أو إحالة نشطاء منظمات أخرى إلى المحاكمة بتهم مختلفة أو مصادرة أموال البعض ومنعهم من السفر، ولم يخل الأمر من إلقاء القبض على بعض الباحثين وحبسهم احتياطيا لعدة أشهر كما حدث مع هشام جعفر وإسماعيل الإسكندراني.
الملاحظة الأساسية على هذه القائمة أنها تشمل العديد من مكونات المجتمع المدني وتستهدف المستقلين والمخالفين والمعارضين، الأمر الذي يسوغ لنا أن نقول إن أغلب -إن لم يكن كل- مظاهر النشاط المجتمعي أصبحت مستهدفة، ومن ثم معرضة لكل ما يخطر على البال من صور القمع والتنكيل، وللأسف فإن النصوص القانونية الفضفاضة تتيح فرصة إنزال مختلف صور العقاب بكل أصحاب الرأي الآخر. إذ ما أيسر أن يتهم أي مواطن بتكدير السلم الأهلي أو ترويج أخبار كاذبة أو التحريض على مؤسسات الدولة أو الدعوة إلى التظاهر أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو إلحاق الضرر بالبيئة أو عرقلة السلطات العامة. إلى آخر الاتهامات التي فصلتها المادة الثانية من قانون الإرهاب على نحو يتعذر افتراض البراءة فيه.
إذا صح ذلك التحليل فهو يعني أن معركة النظام المصري في الوقت الراهن لم تعد مع الإسلام السياسي الذي تمثل في الإخوان ومن لف لفهم، حيث الكتلة الأساسية لهؤلاء جميعا مودعة في السجون. وبصورة نسبية فبوسعنا أن نقول إن هذه المعركة حسمت في بر مصر لصالح السلطة التي هي الطرف الأقوى في المعادلة. استثني من ذلك شبه جزيرة سيناء الذي لم يحسم الأمر فيها بصورة نهائية، لأن جولات الاشتباكات المسلحة التي تستهدف وحدات الجيش والشرطة لم تتوقف في تلك الرقعة خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
لا نستطيع أن نهون من شأن ما يجري في سيناء بطبيعة الحال. فسكان المنطقة أهلنا ورجال الجيش والشرطة أبناؤنا وجميعهم أعزاء علينا لهم علينا حق الكرامة وحقن الدماء. إلا أننا نقرر على صعيد التحليل أن الوضع الأمني هناك وإن أصبح أقل سوءا مما سبق مختلف عنه في محافظات الدلتا وصعيد مصر، وأن الاشتباك مع منظمات المجتمع المدني وأنشطته في تلك الساحات هو موضوع المواجهة في الفضاء المصري. إلا أن المعركة الحقيقية تجاوزت تلك الدائرة، بحيث تمثلت في إدارة الأزمات الكبرى التي تواجه المجتمع، وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية.
❸
إزاء ذلك يغدو مبالغة غير مبررة القول بأن مصر في معركة مع الإرهاب، الأمر الذي يستدعي تأجيل الإصلاح السياسي وغض الطرف عن التجاوزات والتوسع في الإجراءات الاستثنائية والمحاكمات، أقول ذلك لأنني سمعت هذه الحجة على لسان أكثر من مسؤول، كما أن الفكرة تطرح باستمرار في وسائل الإعلام باعتبارها واقعا نعيشه وحقائق مسلَّمًا بها، ومن المفارقات إن الذين يتبنون الفكرة يعتبرون ترديدها وفاء لدماء شهداء الجيش والشرطة ويردون على مغايريهم في ذلك بأنهم يفرطون في دماء أولئك الشهداء. ووجه المفارقة هنا يكمن في توظيف دماء الشهداء لإسكات الأصوات الداعية للإصلاح وتبرير الاستثناءات والتجاوزات يعد نموذجا للتغليط المعرفي والتدليس السياسي، إذ عندما نطلق دعوة الحرب ضد الإرهاب في عموم البلاد بينما بقايا العنف مقصورة على سيناء، وما يحدث في بقية أنحاء البلاد يعد من قبيل التجاذبات والمناكفات التي سبقت الإشارة إليها فإن ذلك يعد ابتذالا لدماء الشهداء واتجارا بها.
لدى الباحثين وعلماء الاجتماع السياسي كلام كثير، ليس فقط حول الإرهاب الذي لا يختلف أحد على ضرورة مكافحته بقدره، ولكن أيضا عن التطورات التي طرأت على توظيف المكافحة واستخداماتها، إذ تبين أنه في ظل الأنظمة غير الديمقراطية أصبح الإرهاب بمثابة العنوان الأنجح والأكثر قبولا لإسكات المعارضين وتصفيتهم. وهو ما حدث بتوسع ملحوظ في أعقاب أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، حين أعلنت إدارة الرئيس بوش حربها العالمية ضد الإرهاب التي تلقفها كل صاحب مصلحة، واستثمرها على هواه. وكانت النتيجة أن كل نظام في تلك الدول اعتبر معارضيه إرهابيين. وبمضي الوقت إزاء التوسع في القمح والتصفية بدعوى مكافحة الإرهاب اختصر البعض المشهد في عبارة "قل إرهاب وعلق المشانق" وهو عنوان أريد به اختزال الحالة التي نتحدث عنها، إذ طالما أعلن النفير عن وجود الإرهاب فإن ذلك يطلق يد السلطة في تعليق المشانق لمن تريد، بحيث يصبح كل ما نفعله مبررا ومطلوبا، وما عاد سرا أن إسرائيل اختطفت الفكرة التي وجدتها مناسبة جدا لتطويق النضال الفلسطيني وإلحاقه بالإرهاب لتجريد الفلسطينيين من قضيتهم بعد تجريدهم من وطنهم المحتل. وذهب نتنياهو إلى حد الادعاء بتحالفه مع معسكر الاعتدال العربي لمكافحة الإرهاب، وهو ما فعله بوتين في روسيا الذي اعتبر ناقديه ومعارضيه إرهابيين، وما فعلته الصين التي سارعت إلى وصف مسلمي تركستان الغربية "سينكيانج حاليا" المطالبين بحقهم في المواطنة والحكم الذاتي بأنهم إرهابيون، ولماذا نذهب بعيدا! لأن الذي فعله بشار الأسد في سوريا مع الذين تمردوا على بطشه وطالبوا في البداية من خلال تظاهرات سلمية بإصلاح النظام نموذج فادح آخر تحت أعيننا، ذلك أنه اعتبرهم جميعا إرهابيين واستنفر حلفاؤه للدفاع عن نظامه بدعوى مكافحة الإرهاب.
❹
إذا كانت أسطورة الحرب ضد الإرهاب لها أصل جرى تعميمه، فإن أسطورة إسقاط الدولة التي يلوح بها في ثنايا الخطاب السياسي باعتبارها خطرا محتملا لا أصل لها ولا فصل. ذلك أن الدولة المصرية أكثر رسوخا وأشد تماسكا وصلابة بحيث يتعذر أن تهزها ريح عابرة أو ممارسات عنف طائشة من أي نوع. فلا وجه للمقاربة مثلا بين حوادث العنف أو المشاغبات التي شهدتها مصر خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وبين الزلزال الذي ضرب مصر جراء الهزيمة الساحقة التي لحقت بها في عام ١٩٦٧، حين انكسر الجيش ودمر طيرانه، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى ضفاف قناة السويس، وبشهادة الرئيس عبد الناصر آنذاك فقد كان الطريق في الإسماعيلية والسويس مفتوحا بلا جيش ولا مقاومة من أي نوع بحيث كان بوسع الإسرائيليين أن يصلوا إلى القاهرة بغير عناء. ومع ذلك فإن النظام المصري صمد ولم يسقط، وما حدث بعد ذلك في حرب ١٩٧٣ فيه بعض شبه. ذلك أن الاختراق الذي أحدثه الإسرائيليون في "الدفرسوار" أدى إلى عبورهم القناة ومن ثم حصار الجيش الثالث، الأمر الذي جعلهم على بعد مائة كيلومتر من القاهرة تشهد بذلك المباحثات التي جرت آنذاك عند الكيلو ١٠١ على طريق القاهرة ــ السويس، هذا الاختراق بدوره لم يؤد إلى سقوط النظام والدولة. لذلك فإن الادعاء بأن بعض التفجيرات والمظاهرات أو انتقاد أداء بعض مؤسسات الدولة يمكن أن يسقط الدولة المصرية يتعذر أخذه على محمل الجد ويعد إلى الهزل أقرب.
إذا وجدت فيما سبق تحريرا لخريطة الصراع الحاصل على أرض مصر، وتنقيحا يميز بين حقائقه وأوهامه فقد حقق الكلام مراده. إن شئت فقل إنها ملاحظات ومراجعات تعيد التفكير في المسار الذي نحن أحوج ما نكون إلى مناقشته بعيدا عن إكراهات وضغوط مدرسة الرأي الواحد التي اختزلت الدولة في النظام والمجتمع في قيادته، ذلك أن مصر شهدت خلال السنوات الثلاث الأخيرة تحولات جسيمة لها تأثيرها على المستقبل لعدة عقود.
والمستقبل الذي أعنيه متجاوز لحدود مصر التي تبنت رؤى إستراتيجية مغايرة أعادت ترتيب أولويات العمل الوطني والصراعات الإقليمية. وكانت النتيجة أن الأمور التبست علينا بحيث ما عدنا نعرف بوضوح ما هي المعركة الحقيقية ولا من يكون عدو الداخل أو الخارج. ولأنها بتلك الأهمية فإن مناقشتها وتصويبها أولا بأول يصبح واجب الوقت وكل وقت. وتلك فريضة غائبة لأن أصوات الهرج والتهليل غلبت على أصوات المراجعة والتصويب. وذلك وجه آخر للأزمة جعل من المراجعة مغامرة مكلفة وغير مأمونة العاقبة.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1950
| 15 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
1359
| 16 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1167
| 11 أكتوبر 2026