رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الفرد منتظم في أسرة ومجتمع، والمجتمع الذي لا يطغى على الفرد، كانت هاتان النقطتان محور حديثنا في المقالين السابقين حين تكلمنا عن المقومات الجماعية للأمة الإسلامية، ومن المقومات الجماعية أيضا لهذا الدين:
ثالثاً- الدولة المقيمة للدين
ثالث المقومات الجماعية للحضارة الإسلامية هو الدولة المقيمة للدين، فليس للدولة في الحضارة الإسلامية أن تختار نوع الحكم الذي تحكم به، لأنها مطالبة بتحكيم شريعة الله تعالى، والدولة التي ترفض التشريع الإسلامي، ليست دولة إسلامية، لأن الذي يجب أن يُحَكَّم هو شرع الله تعالى، فدور الدولة في الحضارة الإسلامية هو إقامة شرع الله تعالى، والحكم بما أنزل رب العالمين، وقد حسم القرآن هذه المسألة، ولم يترك فيها مجالاً للاجتهاد، فقال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (الأحزاب/36
دولة دينية أم مدنية
تُعتبر إقامة الشريعة وسياسة الناس بهذه الشريعة، أحد المهام الرئيسة للدولة في الإسلام، فحضارة الإسلام حضارة دينية، أي إن الدين أحد مقوماتها الرئيسة، والسؤال الذي يطرح نفسه، وأثار جدلاً بين العلماء والمفكرين، هل نحن دولة دينية..؟
إذا كان يُقصد بالدولة الدينية كما في الغرب، أن يحكم الخليفة باسم الله ويهتدي بوحي الله وأنه معصوم، فقطعاً – بهذه الصورة - لسنا دولة دينية، لكن في الوقت نفسه لدينا نصوص شرعية فوق الدستور، وبالنسبة لنا فهذه النصوص هي المرجعية الإسلامية المعتبرة، ومن هنا وقع إشكال كبير بين العلماء والمفكرين، وحتى لا أطيل في الإجابة والرد، أرى أننا يجب أن نكون دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية.
لا اجتهاد في مورد النص
حتى نزيل أي إشكال نقول من باب التوضيح: إن أيّ قضية أو مسألة فيها نص صريح، أو حصل عليها إجماع مثبت فلا تمس، وليس من حق أي حزب أو حاكم - يصل إلى الحكم - أن يناقش حكمها الشرعي، بهدف التبديل والتغيير، لأنها مسألة ثابتة بالنص والإجماع، لذا فهي فوق الدستور، وعليه فإن مجال الحوار هو المسائل التي لا نصّ فيها، وليس عليها إجماع.
فمثلاً: نص الإسلام على أن الزنا حرام، وحدّد عقوبة لمن يرتكب الفاحشة، فلا يجوز لبرلمان أن يشرّع قانوناً يبيح الزنا الذي يقع بالتراضي، أو يُسقط العقوبة لأجل إسقاط الحق الشخصي أو لأنه كان بالتراضي، لأن الله حكم وقضى في هذه الجريمة، ويجب أن نسلم بحكم الله تعالى، ونطبّق شريعته وحدوده إن كنا مسلمين مؤمنين (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (الأحزاب/36
دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية
هكذا هي رؤيتي للدولة المستقبلية في الحضارة الإسلامية، دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، دولة فيها ترشح، وانتخابات، وبرلمان يشرّع القوانين، ويمكنه تعيين الحاكم وعزله، ويصادق على ميزانيات أجهزة الدولة وغيرها من المهام المناطة به.
لكن مهما بلغت مدنية الدولة، فهناك قضايا ومسائل فوق الدستور، بل إن كل دولة مدنية فيها قوانين فوق الدستور، حتى تلك الدول الغربية التي تحكم بالقوانين الوضعية، ففي فرنسا –مثلاً - الديمقراطية فوق الدستور، لذا لا يمكن للبرلمان أو لأغلبية فيه أن تلغي الديمقراطية، كذلك لا يمكن للبرلمان أن يلغي " اللائكية "وهي أقصى درجات العلمانية في فرنسا، باعتبارها الضامنة للوحدة الاجتماعية والسياسية والحارسة للهوية العامة للفرنسيين، فلو حصل حزب " مسيحي " على الأغلبية في البرلمان لا يستطيع أن يلغي العلمانية من فرنسا، لأن العلمانية فوق الدستور.
رابعاً- شورى محكومة بالنص
أنا أؤمن بالشورى والتعددية، والتي قد يسميها البعض بـ " الديمقراطية " وأؤمن بحق الأفراد في الترشح والانتخاب والوصول إلى البرلمان، وأؤمن كذلك بالحوار والنقاش والشورى حول كل القضايا والمسائل، التي لا نصّ عليها ولا إجماع، ولا تعتبر من القطعيات والثوابت التي لا تتغير ولا تتبدل.
ولطالما كانت الشورى إحدى دعائم الحضارة الإسلامية، وهي ليست شورى مطلقة، بل محكومة بالدين، ومضبطة بالنص الشرعي، ومقيدة بحالات وأحوال معينة، فلا يجوز باسم الشورى أو الديمقراطية، إصدار قانون يبيح الخمر ويشرّع لها، حتى لو كان هذا رأي الأغلبية، لأن حرمة الخمر ثبتت بنص شرعي قطعي، ولا مجال للاجتهاد فيه.
منافع الشورى
للشورى منافع وبركات وآثار إيجابية منها:
- أن القرار الفردي أقرب للخطأ، بينما القرار الشوري الجماعي أقرب للرشد والصواب.
- اشتراك الأمة في مزاولة السلطة، مما يجعل الناس يهتمون بأمر الدولة،
- الارتفاع باهتمامات الأمة، من خلال إشراكهم في التفكير واتخاذ القرارات في قضاياهم.
- الشورى تحول دون استبداد الحاكم وطغيانه، وتفرّده بالسلطة والحكم.
- الشورى تدعم الوحدة الوطنية، من خلال الدعوة إلى الحوار الهادف البناء.
- الشورى تكشف لنا عن الطاقات والكفاءات والقدرات والعقول المبدعة.
- الشورى تعطي قوة تنفيذية للقرار، لأنه يصدر عن أغلبية وبعد حوار وتفاعل كل الأطراف.
التنافس الاقتصادي "2"
تحدثنا في المقال السابق عن المعيارين الأولين للتنافس الاقتصادي وسنكمل اليوم باقي المعايير، ولا يشك عاقل أن النمو... اقرأ المزيد
689
| 10 يوليو 2012
التنافس الاقتصادي
يقول ابن خلدون رحمه الله " إن الأموال إذا اكتنزت وادخرت في الخزائن لا تنمو، وإذا كانت في... اقرأ المزيد
2510
| 04 يوليو 2012
أمة منفتحة على العالم
الحمد لله الذي بسط الأرض وجعلها كلها موطنا للإنسان يتنقل فيها حيث يشاء، والصلاة والسلام على من نشر... اقرأ المزيد
25794
| 19 يونيو 2012
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3165
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026