رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تواجه النخبة المصرية أزمة طال تجاهلها، ومن مصلحة القيم الليبرالية وقبل ذلك من مصلحة الوطن أن يفتح ملفها كي تكشف الأوراق وتوضع النقاط على الحروف.
(١)
حين انتهى الباحث من أطروحته للماجستير وتحدد موعد مناقشة الرسالة، رشح للمناقشة أحد المراجع المختصين بالشأن الإسلامي لكن المسؤول الجامعي الكبير اعترض على الاسم وشطبه من القائمة، حينئذ رشح صاحبنا مرجعا آخر للقيام بالمهمة، لكن الرجل شطبه بدوره. وعندما رشح له اسما ثالثا من أهل الاختصاص فإنه ظل على موقفه الرافض، وعبر عن رأيه قائلا إنه لا يريد ذلك النوع من البشر.
المرفوضون الثلاثة من العلماء المرموقين الذين لم يكونوا من الإخوان يوما ما، لكنهم احتفظوا باستقلالهم طول الوقت، فاختلفوا واتفقوا مع بعض سياساتهم. ولم يصبحوا خصوما لهم، ولا شاركوا في حملة سبابهم بعدما تغيرت الريح لغير صالحهم، إلا أن استقلالهم لم يشفع لهم، ولا جدارتهم العلمية كانت كافية لاعتمادهم، أما المسؤول الجامعي الكبير فإنه يقدم بحسبانه أحد رموز الفكر الليبرالي ودعاة المجتمع المدني.
القصة ليست حالة فردية ولا استثنائية لكنها تعبير عن ظاهرة عامة في مصر تتجلى فيها واحدة من أبرز قسمات المشهد السياسي الراهن، ولدى عشرات القصص المماثلة التي تعبر عن نفس الحالة في العديد من المجالات، وبوسع أي مواطن أن يدرك هذه الحقيقة إذا ما دقق في مرايا المجتمع ليتأكد بسهولة من أن «ذلك النوع من البشر» قد اختفى تماما من الصورة. لا أتحدث هنا عن موقف السلطة وأجهزتها الرسمية، ذلك أن أغلبيتها الساحقة تصرفت ــ ولا تزال ــ بذات المنطق الذي عبر عنه المسؤول الجامعي. فأنشطتها وحلقاتها وبياناتها صارمة في التزامها بسياسة الإقصاء لذلك النوع من البشر، حتى في النداءات التي تصدر عن ذلك الفريق من النخبة مطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين، فإنها لا تتحدث عن عموم المظلومين، لكنها تخص بها جماعتهم وتتعمد تجاهل ذات النوع من البشر، وهو ما يثير أسئلة كثيرة تدعو إلى إعادة النظر في تعريف النخبة وما تمثله ومدى صدقها في التعبير عن القيم النبيلة التي ما برحت تتحدث عنها.
(٢)
دون الدخول في جدل تعريف النخبة الذي يجيده أساتذة علم الاجتماع السياسي، فإننا نستطيع أن نقول إن الحديث عنه ينصرف إلى القلة التي تقود الرأي العام وتؤثر فيه، سواء بنفوذها المعرفي أو السياسي، أو بقدراتها الاقتصادية أو من خلال حضورها المشهود في وسائل الإعلام. بوسعنا أيضا أن نقول بأن دور النخبة المصرية أو تمايزاتها لم تظهر في ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، بسبب قوة الإجماع الشعبي ووضوح الهدف المتمثل في إسقاط نظام مبارك أو بسبب ضعف حضورها في الشارع، لكن بذرة التمايز في المواقف ظهرت مع طرح فكرة التعديلات الدستورية في شهر مارس من عام ٢٠١١، التي كانت اجتهادا استهدف ترسيخ قواعد الديمقراطية ووضع دستورا جديدا بواسطة لجنة تأسيسية منتخبة من مجلسي الشعب والشورى. أثار تشكيل اللجنة التي رأسها المستشار طارق البشري لغطا من جانب مثقفي التيار العلماني. ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن ذلك اللغط كان بمثابة أول شرخ في محيط نخبة الجماعة الوطنية المصرية بعد الثورة. إلا أن الشرخ اتسع حين أجريت الانتخابات التشريعية في شهر نوفمبر من العام ذاته (٢٠١١). ذلك أن التنافس الانتخابي جرت صياغته باعتباره صراعا بين التيارين المدني والديني. وكان ذلك بمثابة غطاء للتجاذب التقليدي بين التيارين الإسلامي والعلماني، الذي احتفظ بتلك التسمية حين كان التنافس على الصعيدين الفكري والسياسي. أما حين تطور الأمر بحيث صار على مشارف الاحتكام إلى الجماهير العريضة من خلال الاستفتاءات والانتخابات، فقد اقتضت الملاءمة استخدام ذلك الغطاء مراعاة لحساسية الجمهور سيئ الظن بمصطلح العلمانية.
التسمية الجديدة أعادت إلى الأذهان فكرة الفسطاطين الشائعة في أوساط الجماعات السلفية والجهادية، محملة بالإشارات إلى معسكري الأخيار والأشرار. وحين أطلق المصطلح في الفضاء السياسي بعد الثورة، فإنه أسس لصياغة العلاقة بحسبانها صراعا بين تيار الأخيار الذي يمثله التيار المدني ونقيضه المتمثل في التيار الديني.
أيا كان تقييمنا للوقائع التي شهدتها تلك المرحلة، وأكثرها لم تسمع فيه سوى وجهة نظر واحدة، فالشاهد أن الشرخ الذي حدث بين التيارين تحول إلى جدار شاهق. الأخطر من ذلك أن التنافس تحول إلى صراع على الوجود. وشكلت تظاهرة ٣٠ يونيو التي خرج فيها جمع غفير من البشر نقطة تحول فيه. إذ احتشد المنسوبون إلى التيار المدني باختلاف أطيافهم، في مواجهة مكونات التيار الديني وفي المقدمة منهم الإخوان بطبيعة الحال. وحين التف الأولون حول القوات المسلحة التي تصدرت المشهد آنذاك مؤيدة بالشرطة، فإن هزيمة الأخيرين أصبحت واجب الوقت.
(٣)
الخروج الذي تم في ٣٠ يونيو ٢٠١٤ اختلف بصورة جذرية عن خروج الجماهير في ٢٥ يناير ٢٠١١، ففي يناير خرجت الأمة مجتمعة في مواجهة نظام مبارك، وفي ٣٠ يونيو قاد تحالف فصائل التيار المدني مع الجيش والشرطة شريحة عريضة من الجماهير لمواجهة حكم الإخوان وما سمي بالتيار الديني. وحين تغيرت الخارطة السياسية على ذلك النحو برزت ثلاثة عوامل مهمة في المشهد، الأول أن الصراع الذي كان في السابق تنافسا فكريا وسياسيا بين الإسلاميين والعلمانيين أصبح صراعا على السلطة اصطف فيه الأخيرون مع الجيش والشرطة، الثاني أن فصائل التيار المدني أجلت بصورة تلقائية شعاراتها والقيم التي دافعت عنها طوال السنوات التي خلت لكي تنصرف إلى كسب المواجهة. العامل الثالث إن المواجهة اتخذت طابعا استئصاليا، بمعنى أنها لم تستهدف معاقبة الآخر وهزيمته سياسيا، وإنما سعت إلى إخراجه تماما من المشهد السياسي والشطب عليه وإلغائه بحيث لا تقوم له قائمة بعد ذلك.
التحالف بهذه الصورة بدا مفهوما ومقتضياته لم يكن منها مفر، فالقوى المدنية التي ظلت نخبوية بالأساس ومفتقدة إلى القواعد الجماهيرية عولت على قوة الجيش والشرطة، ولكي يتحقق التلاقي فإنه استلزم تقديم تنازلات من جانب الليبراليين والقوميين واليسار ومن لف لفهم، وجاءت تلك التنازلات على حساب شعارات الديمقراطية والتعددية ومبادئ حقوق الإنسان والمجتمع المدني والفصل بين السلطات وغير ذلك من مستلزمات الإجماع الوطني والحكم الرشيد، حدث ذلك باسم «الضرورة» تارة وإعلاء لشعار «لا يعلو صوت فوق صوت المعركة» تارة أخرى.
حين قدمت فصائل التيار المدني تلك التنازلات طائعة، فإنها من الناحية العملية تخلت بصورة تدريجية وربما دون أن تشعر عن مبادئ ثورة يناير ذاتها، التي اختزلتها شعارات العيش والحرية والكرامة الإنسانية، بل ولم تنتبه إلى أن الآخر المستهدف لم يكن التيار الديني وحده كما بدا في ظاهر الأمر، وإنما ثورة يناير والربيع العربي كله. إذ خرجت من مربع التحالف المذكور العديد من السهام الجارحة والمسمومة التي سعت إلى النيل منهما. وتلك صفحة من التاريخ لا تزال بعض وقائعهما محاطة بالغموض، خصوصا في شقها المتعلق بدور القوى الإقليمية التي دخلت على الخط وعملت على تأجيج الصراع وقلب موازينه.
ثمة استدراك واجب هنا، إذ من الإنصاف أن نسجل لبعض النماذج الاستثنائية من عناصر التيار المدني رفضها الانخراط في مسار التنازلات المبدئية التي قدمها غيرهم، وكانت المنظمات الحقوقية المستقلة والاشتراكيون الثوريون على رأس هؤلاء ومعهم عدد آخر محدود من المثقفين المحترمين.
(٤)
إذا اتفقنا على أن العبرة بالمآلات، فإن ما ينبغي أن يستوقفنا في الواقع الراهن على الأقل، ليس من أخطأ أو من أصاب ولا من انتصر أو هزم، إذ إن أكثر ما يهمنا هو ما أفضى إليه كل ذلك، يعيننا على إدراك هذه النقطة نصان أحدهما نشرته صحيفة لوموند الفرنسية لفيلسوف إيطالي، والثاني نشرته صحيفة هاآرتس لكاتب إسرائيلي ما تمنيت أن أستشهد بكلامه، لكنني وجدته مفيدا.
نص الفيلسوف الإيطالي جورجيو اجامبين نشر في ٢٤/١٢/٢٠١٥ في أعقاب تمديد الطوارئ في فرنسا تحسبا للعمليات الإرهابية، وهو بمثابة رسالة اعتراض وتحذير، انطلقت من التأكيد على أن الطوارئ لا تحمي الديمقراطية ولكنها مدخل إلى الاستبداد، استشهد الرجل في ذلك بالتجربة الأوروبية، التي عرفت الطوارئ والقوانين الاستثنائية في ظل الحكومات الاشتراكية الديمقراطية التي قامت في «جمهورية» فايمار الألمانية قبل استيلاء هتلر على السلطة في عام ١٩٣٣، وكان أول إجراء اتخذه بعد تكليفه بالمستشارية أنه مدد الطوارئ ولم يتراجع عنها طوال سنوات حكمه، وترتب على ذلك أن العمليات البوليسية حلت بصورة تدريجية محل السلطة القضائية، ومن ثم تراجعت دولة الحق أمام دولة الأمن. وهو ما أيده فقهاء القانون النازيون الذين أقاموا علاقة الدولة بالمواطنين على أساس الخوف، وهو ما دعا السلطة في هذه الحالة إلى الاستمرار في إنتاج الرعب أو تركه ينتشر بغير معوق. إذ في ظل الخوف تشيع الحيرة والبلبلة بين الناس ويزداد شعورهم بالحاجة إلى الاحتماء بالسلطة وتبرير ممارساتها. ولكي تفرض دولة الأمن سلطانها على المجتمع فإنها تستمر في الحديث عن الحرب التي تخوضها ضد أعداء مبهمين (المؤامرة ــ استهداف ــ الإرهاب) وتعتمد في إشاعة التخويف على بيانات الشرطة وما تبثه وسائل الإعلام، وهي الأجواء التي تسوغ إدامة الاستبداد والانقلاب على الديمقراطية.
النص الثاني نشرته هاآرتس في ٣٠/٣/٢٠١٦ لكاتب اسمه ب. ميخائيل. ومقالته مكرسة للتنديد بالفاشية التي تنتهجها إسرائيل في مواجهة الفلسطينيين. إذ يذهب في ذلك إلى التذكير بأن إقامة الفاشية تقتضي مرور المجتمع بمرحلتين أساسيتين، أولاهما نزع الصفة الإنسانية الكاملة عن «الآخر»، وذلك بتحويله إلى حيوان خطر يمشى على قدمين، وقد تم إنجاز تلك المرحلة بنجاح في إسرائيل، بحيث أصبح الفلسطيني مثل الصراصير الموجودة على الأرض التي يجب الدوس عليها بالأحذية أو إبادتها بأي وسيلة أخرى، بعد مرحلة «الشيطنة» تستكمل الفاشية مقوماتها بالدخول في مرحلة «الاستباحة»، ذلك أن النجاح في الشيطنة يحلل على الفور الانتقال إلى ممارسة استباحة الآخر إلى أبعد مدى، بسلب كل حقوقه وإهدار دمه ونهب ممتلكاته.
حين يتابع المرء تلك الأفكار يلاحظ أنها تكاد تصنف المرحلة التي تمر بها مصر في الوقت الراهن مع فارق واحد، هو أن من يطلقها ينطلق من موقع ليبرالي واضح، في حين أن أغلب الليبراليين واليساريين في مصر يقفون في الموقف المعاكس، الأمر الذي ينبهنا إلى أحد جوانب الأزمة المحزنة التي نعاني منها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8865
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7194
| 15 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4719
| 22 سبتمبر 2026