رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لاشك أن اختيار موضوع (فقه العصر.. التجديد الديني والفقهي)، في المؤتمر السنوي المعتاد، الذي يفتتح اليوم الأحد في العاصمة العمانية، والذي تنظمه وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ويشارك علماء من كل المدارس الفقهية الإسلامية، يعتبر مطلبا ملحا وهاما في ظل بروز الأفكار المتطرفة المخالفة للفكر، وحاجة إلى فهم الإسلام الصحيح قضية محورية راهنة.. والتجديد سنة كونية وقانون تاريخي تتطلبه حياة الناس وحاجاتهم الزمانية والمكانية، وحاجة الأمة إلى إصلاح واقعها الراهن، ومن هنا تأتي ضرورة تجديد الخطاب الإسلامي حتى يستعيد الفكر الإسلامي عافيته، ويستجيب لمتطلبات عصره المتغير وتحولاته الكبيرة، فالتجديد إذن سنة من سنن الله عز وجل في خلقه، تبعاً لسنة الحياة في التغيير، بما يحقق مصالح الخلق، فترك التجديد أو تراجع خطابه في الأمة، له الكثير من الآثار السلبية على الفكر الإسلامي وتعقيد الكثير من القضايا والمسائل التي تستحق النقاش ولتجديد المفاهيم فيها، فالقطيعة مع تجديد الخطاب جعلت الكثير من المثقفين ينصرفون عن الثقافة الإسلامية، واندفعوا إلى تبني الأفكار والمعارف الغربية، واعتقدوا أنها الحل لواقعنا ومشاكلنا القائمة.
كما أن بعض المؤسسات الدينية في أغلبها انشغلت بالعلوم التقليدية القديمة، وقطعت الجسور مع الواقع وتحولاته، وهذا ما عمق الفجوة في مخاطبة العصر ومقتضياته تحت شعار الحفاظ على الهوية والذات من الاختراق الثقافي والفكري.
ومن هذه المنطلقات أصبح خطابنا الديني عموما، سكونيا وجامدا وبطيئا في حركته واستجاباته لحركة الواقع ومتغيراته، وبمسافة زمنية ليست بالقليلة.
وفي كثير من الأحيان يظل الخطاب الإسلامي في مجمله قانعاً بمناقشة نوعية من الموضوعات، والإشكالات التي قد تجاوزها الواقع، وفي أحيان كثيرة تحدث تحولات جوهرية في الواقع، ولا يلقي إليها التفاتاً.
فقضايا مثل التعليم وتطويره ليواكب حركة الزمن، وقضايا الشباب ومشكلاته، ومواجهة الغلو والتطرف، وقضايا الاغتراب وفقدان أو تضاؤل الشعور بالانتماء.. إلخ، كل تلك القضايا لا تجد في الخطاب الإسلامي قدراً من الاهتمام المطلوب، يتناسب مع أهميته ومحوريته في تشكيل وإعادة تشكيل الواقع.
والدين جاء ليحرر عقل الأمة من الأثقال، ويرشده بمنارات هادية، كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية، لذلك أصبح تجديد الخطاب الديني ملحاً وهاماً، خاصة في ظل تصاعد الكثير من الخطابات الفكرية في عصرنا الراهن في ظل التحولات الفكرية وتصاعد مد العولمة وإرهاصات الاختراق الفضائي عالمياً، مع بروز بعض الخطابات الدينية المتطرفة، والتي لا تمثل فكراً إسلامياً مستمدا من الرؤية الصحيحة للإسلام.
ويقابله من جانب آخر بعض الخطابات الأخرى التي تطرح خطاباً تغريبيا بعيدا عن قيم الأمة وتراثها، ولا ينبعث من واقع فكرنا الإسلامي، ولا يلامس قضاياه الصحيحة في ظل وجود خطاب ديني تقليدي سكوني وثابت على مقولات وخطابات وتراث السابقين الذين خاطبوا عصرهم بظروفه ومشكلاته، لكنها ـ أي هذه الخطابات ـ في بعض مضامينها لا تتناسب وراهننا الحالي بتحدياته المتعددة، مع تقديرنا واحترامنا لهذا التراث، ومكانته في فكرنا الإسلامي.
من هنا أصبح من الضروري تجديد الخطاب الإسلامي بما يلامس واقعنا، ويحرك الساكن الفكري، لأن مهمتنا الأساسية ليست القبض على التاريخ وقضاياه، بل إصلاح الواقع مع توظيف ماضي الأمة العريق والقويم في النهوض بالواقع وإصلاحه، وعلينا أن نوضح في مسألة تجديد الخطاب الديني أن نفرق بين الفكر الإسلامي البشري، وبين نصوص الوحي وقطعياته الثابتة، فالمحدد في الخطاب الإسلامي في عمومه هو التزامه بالمرجعية الإسلامية، وضرورة ألا يحيد عن منهجها في الرؤية والهدف، لكن عليه أن يكون واعياً للتحولات الثقافية والتغيرات الفكرية والسياسية في عالم اليوم، وأن يدرك أن الخطاب الساكن الجامد غير المتابع والراصد لكل التحولات الراهنة، لا يستطيع أن يضع الخطاب المناسب والعميق لما يدور حوله ويظل رهين آليات الفهم التقليدية في الخطاب الذي لا يجد الاستجابة والتأثير في الداخل، أو الإقناع والتفهم في الخارج.
وليس هذا ما يتناقض مع الدين وحقائقه الثابتة، فالبعض قد يتوهم أن التجديد يناقض ثوابت الإسلام، واكتماله، فيرفضون مبدأ التجديد كلية ويعتبرونه تهديما للدين نفسه، وهذا ليس صحيحاً ـ كما يقول د. محمد عمارة، فالتجديد هو "السبيل لامتداد تأثيرات الدين الكامل وثوابته إلى الميادين الجديدة، والأمور المستحدثة، والضمان لبقاء (الأصول) صالحة دائماً لكل زمان ومكان.. أي أنه هو الضمان لبقاء الرسالة الخاتمة خالدة الخلود الذي أراده الله، ولولا مد (التجديد) الفروع الجديدة إلى الجديد من المحدثات، وإقامته الخيوط الجديدة بين الأصول الثابتة وبين الجديد الذي يطرحه تطور الحياة.. ولولا تجديده الدائم الذي يجلو الوجه الحقيقي والجوهر النقي لأصول الدين وثوابته.. لولا دور (التجديد) هذا في حياة الإسلام ومسيرته لنسخت وطمست هذه الأصول، إما بتجاوز الحياة الممتدة لظل الفروع الأولى والقديمة، فيعرى هذا الامتداد الجديد من ظلال الإسلام، أو بتشويه البدع – عندما تتراكم – لجوهر هذه الأصول.. فالتجديد إذن، هو السبيل لاستمرارية – أي ثبات – الدين الكامل، وليس نافياً لثبات واكتمال هذا الدين.
ولذلك نجد أن الحكمة الشرعية لهذه الديانة الخاتمة، وعبر الصيرورة الزمنية المتغيرة، وبروز الحاجات الجديدة، جعل الاجتهاد ضرورة شرعية أو فرض كفاية حينا وفرض عين في حين آخر. ولهذا المطلب مدلولاته وشروطه المنضبطة بضوابط العدل والحق والحرية والمسؤولية.
لا يوجد في أي عصر من العصور تشريع أتى من المرونة والسعة مثل ما أوتي الاجتهاد في التشريع الإسلامي في نصوصه الظنية، وفيما لا نص فيه، وفي هذا حكمة من الخالق عز وجل الذي جعل أغلب نصوص القرآن الكريم مجملة وكلية غير مفصلة، لتفي بحاجات الناس المتجددة ورحمة للعباد وتيسيرا لهم عبر العصور والبيئات والمتغيرات الزمانية والمكانية، وهي سنة الله في خلقه ليكون التطور والتغير هو سنة الحياة الإنسانية.
وقد عبر عن ذلك أحد المفكرين الغربيين الدكتور [هوكنج] أستاذ الفلسفة في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة بقوله: "إن في نظام الإسلام كل الاستعداد الداخلي للنمو.. بل إنه من حيث قابليته للتطور يفوق كثيرا من النظم المماثلة"، مضيفا "أن الصعوبة لم تكن تكمن في انعدام وسائل النمو والنهضة في الشريعة، وإنما في انعدام الميل إلى استخدامها، إنني أقر أن الشريعة الإسلامية تحتوي على جميع المبادئ الإسلامية اللازمة لنهضتها".
وكان للصحابة رضوان الله عليهم السبق الأوفى في استنباط الكثير من القضايا الاجتهادية، التي توافق روح النص ومقصد الشارع فيما تتطلبه الضرورات الآنية للواقعة التي تلتزم رأياً اجتهادياً. والأمثلة في هذا المضمار كثيرة ووفيرة، منها اجتهاد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه برأيه في (المؤلفة قلوبهم) وفي (مسألة تقسيم أراضي العراق) وفي (عدم قطع يد السارق في عام المجاعة).. إلخ. وإذا كان الصحابة والتابعون في عصر الإسلام الأول قد اجتهدوا في الكثير من القضايا التي طرأت في ذلك الوقت، فإننا في هذا العصر محتاجون وربما مضطرون لتفعيل معطيات الاجتهاد والتجديد وتكييفه بما يطرأ من متطلبات العصر الراهن بتحولاته ومتغيراته الفكرية واكتشافاته العلمية الرهيبة، وهذا لا يعني أننا يجب أن نقلد ما فعلته الأمم الأخرى في قيمها وموروثاتها، بل المقصود أن الأحوال المتغيرة في كل عصر تحتاج المجتمعات أن تلامس ضروراتها المتجددة وفق ما جاء في الحديث الشريف: (إن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها).
والواقع أن مهمة التجديد ليست مقتصرة على فهم خاص أو جانب من جوانب الإشكالات في الفكر الإسلامي أو ظاهرة حياتية في واقعنا واقتصارها عليه، وإنما التجديد كما جاء في مشروعيته يرتبط بحاجتنا لهذا التجديد ومراميه وأهدافه بصورة جلية ومفتوحة بما يطرح إعادة النظر في قضايا مستجدة وملحة طرأت على واقع الأمة وجعلت مسألة التجديد قضية تحتاج إلى حراك فكري إسلامي تستعيد الفهم الصحيح لهذا الدين، والتبصر بما سيكون عليه حاضرنا والتخطيط السليم للمستقبل، وفي الوقت نفسه لا تحيد عن المرجعية الإسلامية في طرح ما نراه ضرورياً وملحاً في قضايا ومسائل التجديد، لكننا أيضاً علينا أن نستفيد من معطيات العصر ومنجزاته وتطوراته العلمية في عالم اليوم.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4926
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
573
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8766
| 27 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
4365
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3816
| 30 أكتوبر 2026