رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ بداية رحلة الدراسة في تخصص القانون، يتعلّم الطالب الفرق بين قسمي القانون العام والخاص، إذ يندرج تحت كل منهما فروع القانون المعروفة، كالقانون المدني والقانون الجنائي، وغيرها من فروع يدرسها طالب القانون خلال أربع سنوات، تزيد أو تقل بحسب عدد الساعات التي ينجزها.
غير أن الخلاف الفقهي حول جدوى هذا التقسيم هو خلاف استعصى على الاتفاق، فمنهم من يرى جدوى لهذا التقسيم التقليدي، ومنهم من يعارض وجوده وينفي فائدته، ولا سيما في هذا الزمن.
والجدير بالذكر أن أصل هذا التقسيم يعود إلى القانون الروماني، إذ اعتبر الرومان القانون العام قانون الدولة، وتغلب على قواعده المصلحة العامة، بينما اعتبروا القانون الخاص قانون الأفراد، وتغلب على قواعده المصالح الخاصة. ولكن هذا التقسيم زال بزوال الدولة الرومانية في القرن الخامس الميلادي، ثم عاد إلى الفقه اللاتيني الحديث انتصارًا للنزعة الفردية التي تتجه نحو فصل نشاط الدولة عن نشاط الأفراد والجماعات.
بيد أن السؤال المطروح هنا هو: هل ما زلنا بحاجة إلى مثل هذا التقسيم في وقتنا الحالي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن اختزالها في هذا المقال؛ فكما يُقال: «لكل مقام مقال». إذ تحتاج الإجابة إلى دراسة معمّقة وفق الأصول والقواعد البحثية، غير أن ذلك لا يقدح في مشروعية التساؤل والتفكر، ولا يقلل من قيمة البحوث القانونية الثرية التي نُشرت في هذا الموضوع، والتي يدعو بعضها إلى الإبقاء على هذا التقسيم.
ولعل ما يدعو إلى إعادة النظر فيه أن هذا التقسيم وُضع في زمن قديم، ومع ذلك ما تزال الكليات، تميز بين برامج الماجستير أو الدكتوراه في القانون الخاص والقانون العام، فضلًا عن التقسيم التنظيمي في كليات القانون. ومع دخول الدولة في مختلف شؤون الجماعة، وامتزاج قواعد القانون الخاص بالعام، يفقد هذا التقسيم كثيرًا من أهميته وجدواه في الواقع العملي، فضلًا عن قيام الدولة أحيانًا بمباشرة أنشطة تجارية واقتصادية كانت محصورة بأشخاص القانون الخاص.
كما يرى البعض أن هناك بعض الفروع التي تخرج عن نطاق هذين القسمين، مثل القانون الدولي. ويُعد من أبرز أمثلة التداخل بين القسمين عقود الاستثمار الأجنبي، التي تجمع بين طرفين: أحدهما الدولة، التي تتعاقد بهدف تحقيق المصلحة العامة من خلال تنفيذ خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والآخر المستثمر الأجنبي، الذي يسعى إلى استثمار أمواله في بيئة آمنة. ومع ذلك، فإن هذه العقود لا تتعلق دائمًا بمرفق عام.
ومن جانب آخر، يرى البعض أن لهذا التقسيم قيمة عملية، وقد تبنته بعض الدول حين أنشأت قضاءً إداريًا للمنازعات الإدارية إلى جانب القضاء العادي المختص بمنازعات القانون الخاص.
غير أن هذا القول يمكن الرد عليه بأنه ليس كل الدول تمتلك قضاءً إداريًا مستقلًا، كما أن وجود هذا القضاء لا يعد دليلًا على تبني تقسيم ثنائي شامل بين القانونين العام والخاص، بل يدل فقط على تبني قضاء مختص بفرع معيّن من فروع القانون، وليس بقسم القانون العام بأكمله، الذي يضم القانون الجنائي، والقانون الدولي، والقانون المالي، والقانون الدستوري، وغيرها من الفروع.
كما توجد العديد من القوانين التي يصعب تحديد انتمائها لأي من القسمين، ومنها قانون الجنسية، الذي يُدرَّس غالبًا ضمن نطاق القانون الخاص رغم اتصاله الوثيق بالقانون الدستوري، وكذلك القانون الطبي، الذي تتداخل في موضوعاته قواعد القانون الإداري والقانون الجنائي. هذا فضلًا عن تشريعات ضبط الأسعار ومكافحة الاحتكار. وأمام هذه الانتقادات، اضطر الفقه إلى طرح تقسيم ثالث أُطلق عليه «القانون المختلط».
وبما أنه لا يوجد في الواقع العملي ما يبرّر اعتماد التقسيم الثنائي، ومع التداخل بين عدد كبير من القوانين، ووجود تشريعات يصعب تصنيفها، يحق لنا أن نتساءل: ما جدوى هذا التقسيم؟ ولماذا لا يُعتدّ بفروع القانون باعتبارها تقسيمًا موضوعيًا ومتخصصًا أدقّ؟ فالمتخصص في القانون الجنائي لا يمكنه التعمق في القانون المدني، كما أن من يبرع في القانون الإداري يكون بعيدًا عن القانون التجاري.
كما يثور التساؤل: لماذا نحتاج اليوم إلى تخصص عام يُسمى «القانون العام»، عندما يكون المتخصص في القانون الدولي، مثلا، ليس متخصصًا في القانون الجنائي أو الإداري؟
برأيي، إن هذه المسألة تقتضي بحثًا معمقًا حول جدوى هذا التقسيم في زمن تداخلت فيه القوانين، وزالت به الأسباب التي بُني عليها التقسيم التقليدي بين العام والخاص، والمصلحة العامة الخاصة.
وفي الختام، أدعو الباحثين وأساتذة القانون إلى تقبّل أسباب التغيير ومبرراته بصدر رحب، والبحث في البدائل الممكنة في زمن متغيّر ومتسارع، يتّسم بالتعقيد والتشابك.
والله من وراء القصد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عبدالله حمد الخالدي - باحث في القانون المدني
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1662
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1176
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
954
| 07 يناير 2026